كورونا

الـ”جارديان” البريطانية تستعرض نظريات مدارس الفكر العالمية عن “عصر ما بعد كورونا”

من السابق لأوانه النظر في العواقب السياسية لما وصفه ” إيمانويل ماكرون” الرئيس الفرنسي بأنه ” حرب ضد عدو غير مرئي” وعلى الرغم من ذلك فقد حاول البعض توقع نهاية المسرحية فقط بعد اكتمال المشاهد الثلاثة الأولى إذا شئنا قول ذلك وحسب الجارديان البريطانية  فإن قادة العالم والدبلوماسيين والمحللين يعرفون أنهم يعيشون في أوقات يطلق عليها اصطلاحا “صناعة الحقبة” حيث تخضع الأيديولوجيات المتنافسة لاختبارات تفضي جميعها إلى تحديد الغالب في عصور ما بعد “كوورنا”.

وتوقع “ماكرون”أن تعلمنا هذه الفترة كثيرا عن أشياء تخيلنا أنها من المستحيل أن تحدث وحدثت بالفعل، أشياء ستجعل العالم أقوى “معنويا” ويضع نصب عينيه آليات لتخطي تكرار مثل تلك العواقب عن طريق توسيع الاستثمارات في القطاعات الصحية.  

بينما في ألمانيا، توقع وزير خارجية الحزب الاشتراكي الديمقراطي السابق “سيجمار غابرييل” أن يكون الجيل القادم أقل سذاجة بشأن العولمة. وفي إيطاليا، دعا رئيس الوزراء السابق “ماتيو رينزي” إلى تشكيل لجنة في المستقبل.

وفي هونج كونج، تقرأ على الجدران عبارة صادمة الحياة “لا يمكن أن تعود إلى طبيعتها لأن الوضع الطبيعي هو المشكلة في المقام الأول”. في الوقت الذي أكد فيه هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي في عهد ريتشارد نيكسون، إن على الحكام الاستعداد الآن للانتقال إلى نظام عالمي لما بعد الفيروس التاجي.

وفي خضم ذك يحتدم النقاش في عالم الفكر العالمي، ليس حول التعاون، ولكن ما إذا كان الصينيون أو الولايات المتحدة سيظهرون كقادة لعالم ما بعد الفيروس التاجي.

الإهانة النابليونية لبريطانيا

في المملكة المتحدة، كان الجدل قليلًا نسبيًا. بحثت القيادة العمالية المنتهية ولايتها لفترة وجيزة عن التبرير في إعادة التأهيل الواضحة للدولة وقوتها العاملة. تم توسيع تعريف الخدمة العامة لتشمل سائق التوصيل وصاحب المحل المتواضع. في الواقع، لم تعد عبارة “أمة من أصحاب المتاجر”، الإهانة النابليونية المعروفة سيئة أبدًا، وعلى سبيل المثال فإن رواية بول أديسون حول كيف ساعدت الحرب العالمية الثانية في تحويل بريطانيا إلى اليسار يسقط منها الكثير على الأوضاع الحالية، وظهرت روايات في مذكرات الكثيرين مثل الصحفي “جيه إل هودسون ” الذي قال ” لقد أظهرنا في هذه الحرب أننا البريطانيون لا نتداعى”.

وعلى نفس النهج، اضطر بوريس جونسون إلى إطلاق العنان للدولة، لكن التأثير في بريطانيا يبدو أكثر وضوحا على المجتمع المدني من السياسة. حيث سيطرت حالة من الإحساس بالجهد المجتمعي، خصوصًا تجاه العاملين الصحيين المتطوعين.

دبلوماسيو السفارات الفارغة

على الجانب الآخر في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا اتسع النقاش على الرغم من أن الحياة العامة في حالة جمود، ولكن النقاش العام تسارع. كل شيء مطروح للنقاش – المفاضلات بين الاقتصاد المهشم والصحة العامة، والقيم النسبية للأنظمة الصحية المركزية أو الإقليمية، والهشاشة المكشوفة للعولمة، ومستقبل الاتحاد الأوروبي، والشعبوية، والميزة المتأصلة للسلطوية.

وتحولت الأمور إلى أن الوباء أفرز موجة استقطاب عالمية استحالت إلى منافسة على القيادة العالمية، وهو ما يظهر جليًا في دفاع الدبلوماسيين في سفاراتهم الفارغة عن تعامل دولهم مع الأزمة وكأنه سباق تنافس محموم عنوانه ” من الأفضل”! وتقترح مجموعة الأزمات الفكرية، في تقييمها لكيفية تغيير الفيروس بشكل دائم للسياسات الدولية التالي: “في الوقت الحالي يمكننا تمييز روايتين متنافستين أحدهما هو أنه يجب على الدول أن تتحد من أجل هزيمة Covid-19 بشكل أفضل، أما الآخر فهو أن الدول بحاجة إلى أن تنفصل من أجل حماية نفسها بشكل أفضل منه.

علاوة على ذلك تمثل الأزمة أيضًا اختبارًا صارخًا للمزاعم المتنافسة للدول الليبرالية وغير الليبرالية في إدارة محنة اجتماعية شديدة. ومع تفشي الوباء، أصبح من الواضح أنه لن يختبر القدرات التشغيلية لمنظمات مثل منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة فحسب، بل سيختبر أيضًا الافتراضات الأساسية حول القيم.

هل تصدر الصين نموذج دولتها البوليسية؟

  في نصف الكرة الشرقي جادل الفيلسوف الكوري الجنوبي بيونج تشول هان، في مقال مؤثر في صحيفة “الباييس”، بأن المنتصرين هم “الدول الآسيوية مثل اليابان أو كوريا أو الصين أو هونغ كونغ أو تايوان أو سنغافورة وهي الدول التي لها عقلية استبدادية تأتي من تقاليدها الثقافية الموروثة من الكونفوشيوسية. حيث الناس أقل تمردًا وأكثر طاعة، إنهم يثقون في الدولة أكثر الحياة اليومية.

متوقعًا أن الصين ستتمكن الآن من بيع نموذج دولتها البوليسية الرقمية كمعيار للنجاح في مواجهة الوباء. ويقول الكاتب أن الناخبين الغربيين، الذين ينجذبون للحريات، قد يكونون مستعدين للتضحية بها. فأين الحرية في إجبارك على قضاء أعياد الربيع وسط أربعة جدران مغلقة؟

نجحت الصين في الفوز من نوع ما، معتقدة أنها أعادت وضع نفسها من المذنب إلى مخلص العالم. لجأ جيل جديد من الدبلوماسيين الصينيين الحازمين إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتأكيد تفوق بلادهم. وقد اتهم ميشيل دوكلوس، السفير الفرنسي السابق في الصين بأنها “تحاول بلا خجل الاستفادة من” انتصار البلاد ضد الفيروس لتعزيز نظامها السياسي”. وإن الحرب الباردة غير المعلنة التي كانت تختمر لبعض الوقت تظهر وجهها الحقيقي تحت الضوء القاسي لكوفيد 19.

على نفس الطريق يعتقد ستيفن والت منظّر العلاقات الدولية في جامعة هارفارد أن الصين قد تنجح. وفي مقاله في مجلة فورين بوليسي، يقترح: أن كورونا سوف يسرع من تحول السلطة والنفوذ من الغرب إلى الشرق.

الأمر الذي يثير حفيظة الكثيرين من المحسوبين على اليسار الأوروبي مثل الفيلسوف السلوفيني “سلافوي شيشك”، والذي يبدي قلقه من “عدوى استبدادية”، ويتنبأ ببربرية جديدة في الغرب ذات وجه إنساني تدعو للالتزام بقوانين صارمة لإنقاذ البشرية. بينما يرى “شيفشانكار مينون”، الأستاذ الزائر في جامعة أشوكا في الهند: “تُظهر التجربة حتى الآن أن السلطويين أو الشعبويين ليسوا أفضل في التعامل مع الوباء. والواقع أن الدول التي استجابت في وقت مبكر وبنجاح، مثل كوريا وتايوان، كانت ديمقراطية – وليس تلك التي يديرها قادة شعبويون أو استبداديون”.

ومن جانبه يوافق “فرانسيس فوكوياما” على: “إن الخط الفاصل الرئيسي في الاستجابة الفعالة للأزمات لن يضع الأنظمة الاستبدادية في جهة والديمقراطيات في جهة أخرى. لن يكون المحدد الأساسي في الأداء هو نوع النظام، ولكن قدرة الدولة ، وقبل كل شيء ، الثقة في الحكومة “.

كوريا الجنوبية.. النموذج الديمقراطي الناجح

في الواقع، تسوق كوريا الجنوبية لنفسها كقوة ديمقراطية، على عكس الصين. لكن كوريا الجنوبية، وهي اقتصاد موجه للتصدير، تواجه أيضًا صعوبات طويلة الأجل إذا أجبر الوباء الغرب، كما يتوقع البروفيسور جوزيف ستيغليتز، على إعادة تقييم شاملة لسلسلة التوريد العالمية. حيث يجادل بأن الوباء قد كشف عن عيوب تركيز إنتاج الإمدادات الطبية. ونتيجة لذلك، ستنخفض الواردات في الوقت المناسب وسيزداد إنتاج السلع المحلية المصدر. مما يؤدي إلى خسارة كوريا الجنوبية لأسواقها.

العالم في دهشة أمام أوروبا

 وإذا انتقلنا إلى القارة العجوز فإن بعض من أكثر النقاد الأوروبيين قساوة كانت “نيكول جنيسوتو”، نائبة رئيس معهد جاك ديلور، والتي أكدت أن: “افتقار الاتحاد الأوروبي إلى الاستعدادات، وضعفه، أمر مذهل. واتسعت دائرة الخلاف متحولة إلى معركة قبيحة بين شمال وجنوب أوروبا بشأن الشروط التي يمكن وضعها لأي ائتمان صادر عن صندوق الإنقاذ في منطقة اليورو. حيث يشكك الهولنديون والألمان في أن إيطاليا تستخدم الأزمة في لومباردي لإعادة صياغة المفهوم المرفوض لسندات اليورو حيث يمول الشمال ديون الجنوب الذي يعاني من عجز. وعلى الجانب الآخر يدفع رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، بالقضية، أمام الكتلة الأوروبية التي قال إن “لديها موعد مع التاريخ”. وحذر من أنه إذا فشل الاتحاد الأوروبي، فقد ينهار. وانطلقت الكثير من التشاحنات ووصلت موجة التلاسن إلى البرتغال التي تساءل وزرائها “عما إذا كان الهولنديون يفهمون أن “مقصورة الدرجة الأولى لن تحميك عندما تغرق السفينة بأكملها “. غدا كونتي الزعيم الوحيد الأكثر شعبية في تاريخ الجمهورية الإيطالية بعد انتقاداته اللاذعة للأسلوب الذي تعامل به الاتحاد الأوروبي.  وحتى الآن يبدو العزاء الوحيد للأوروبيين هو النظر عبر المحيط الأطلسي ومشاهدة الفوضى اليومية التي يمثلها المؤتمر الصحفي المسائي لدونالد ترامب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى