كورونا

التوظيف السياسي لفيروس كورونا في مصر والعالم

منذ بدء انتشار فيروس كورونا في الصين، بدأ التوظيف السياسي من قبل الإعلام الغربي ضد الصين، حيث ركزت بعض وسائل الإعلام على أن سبب انتشار الفيروس عدم وجود شفافية بين النظام والمواطنين، للنيل من العلاقة بينهما من ناحية، وأرجع سبب عدم إعلان الدولة عن الفيروس لكونها دولة ضد حقوق الإنسان، وخاصة الحريات وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير، ولذا تم قمع الطبيب الذي نبه لظهور الفيروس في البداية.

وفي محاولة للنيل من صورة الصين في النظام الدولي ومن قوتها الناعمة، تم ترويج وسائل الإعلام الغربية بأن سبب الفيروس هو نمط الأكلات الصينية التي وجدت قبولا خارج الصين، وركزت علي أن الصينيين يأكلون أنواع من المأكولات غير معتادة في العديد من الدول، وذلك لوضع حاجز نفسي بين الشعب الصيني وغيره من الشعوب ولرفض ثقافته في الأكلات المختلفة رغم عدم ثبوت أن الطعام الصيني هو سبب انتشار الفيروس.

أي أن الدول الغربية كانت تهدف للنيل من العلاقة بين المواطن والنظام من ناحية بغية إحداث اضطرابات داخل الصين، ومن ناحية أخرى النيل من القوة الناعمة الصينية للتأثير على مكانتها الدولية وما سيستتبعه من عدم الإقدام علي شراء السلع والبضائع الصينية لتحقيق خسائر اقتصادية للصين.

كان هذا التوظيف السياسي من قبل الغرب تجاه الصين نموذجا لدى العديد من الدول في تعاملها مع بعضها البعض، وهو ما كان مؤشرًا على توقع حدوث أزمات دبلوماسية بين الدول بعضها البعض، وقد كان النموذج الأكثر وضوحا هو استثمار انشغال الدول الأوروبية وأمريكا بالوضع الداخلي لكل دولة مما نتج عنه تأخر مساعدة الدول الأوروبية وأمريكا لدولة إيطاليا، أن سارعت روسيا والصين لتقديم المساعدات لها، مما دفع الآلة الإعلامية الغربية لتوجيه الاتهامات لكلا الدولتين بأن الهدف هو النيل من الوحدة الأوروبية، بل وتوقع خروج إيطاليا من الاتحاد الأوروبي كرد فعل على تخلي الدول الأوروبية عنها.

وقد أستثمرت هذه الأزمة من قبل العديد من أحزاب المعارضة للنيل من الحكومات الموجودة في السلطة والتركيز على إدارتهم السيئة للأزمة وهو ما فعله مرشحي الحزب الديمقراطي في أمريكا للنيل من ترامب ممثل الحزب الجمهوري في السلطة، ولاستثمار سوء إدارة ترامب للوصول إلى السلطة في أمريكا، وقد كان لخروج عدد من المواطنيين الأمريكان للاحتجاج على سوء إدارة الدولة للأزمة وتردي مستوى القطاع الصحي وصعوبة تقديم الخدمة لكل المواطنين على قدم المساواة، أن وظف الحزب الديمقراطي هذه الاحتجاجات ضد ترامب.

 وفي العلاقات الدولية يتم التعامل مع الأزمات على أنها قد تمثل فرصًا يمكن استثمارها وهذا يعطي مبررًا لإقدام كلا من روسيا والصين لمساعدة إيطاليا كتمهيد لعلاقات وطيدة في المستقبل، وكذلك بادرت مصر بمساعدة العديد من الدول من ناحية إنسانية وأيضا لتوطيد العلاقات المستقبلية معها ومنها الصين وإيطاليا وفلسطين وأمريكا.

وطالما أن الهدف نبيلاً ويهدف للتعاون الدولي حاليًا ومستقبلًا، فإنه مقبولًا على المستوى الدولي، لكن الأكثر خطورة هو استغلال الأزمة الإنسانية التي تمر بها الدول للإضرار بالمواطنين مقابل النيل من شعبية وأداء الأنظمة.

وهذا فعليًا ما يحدث في مصر منذ بداية الأزمة، فقد آثارت إدارة النظام السياسي الجيدة للأزمة من بدايتها، حفيظة الجماعات المتأسلمة وعلى رأسهم السلفيين والإخوان المسلمين.

حيث ركزت الجماعة على إطلاق الشائعات بوجود حالات إصابة بالفيروس وعزوف الدولة عن الإعلان عنها، ثم التهويل بأعداد الإصابات والتشكيك في الأرقام المعلنة من قبل وزارة الصحة.

ولكن نظرًا للتكذيب المستمر لهذه الشائعات من قبل الدولة، فقد زادت من مقدار الثقة بين المواطنين والحكومة، ومن ثم لجأت الجماعة إلى دفع المواطنين للتجمهر بغية نشر المرض بين الناس وذلك من خلال دعوة الناس في مدينة الإسكندرية للتجمهر للتضرع لله ودعوته لتخليصنا من الوباء إلى الحد الذي تم ترديد شعار “الفيروس عدو الله”، وقد نتج عن ذلك أن فرضت الحكومة حظرًا جزئيًا على الدولة ككل وذلك لتقليل نشر الفيروس بين الشعب الذي حركه مجموعة مأجورة منه مما قد يؤدي إلى دخول الدولة في كارثة.

كما كان لبعض المنتمين للجماعة الإخوانية والذين كانوا ضمن المصريين العالقين في بريطانيا والذين حرصت الدولة على إرسال طائرة لهم لإحضارهم إلى وطنهم أن سجلوا فيديوهات تهدف إلى أن الدولة أساءت في التنظيم عند استقبالهم وفي الإجراءات الاحترازية الواجب توافرها معهم في المطار (وجانب من ذلك صحيح وتم تلافي ذلك الخطأ عند استقبال العالقين القادمين من أمريكا في مطار مرسى علم) فضلًا عن الادعاء بتقديم طعامًا غير قابل للاستهلاك الآدمي بشكل كاذب مما دفع للعديد من المصريين الخاضعين للحجر الصحي في فندق ميريديان المطار لنشر الوجبات التي تقدم لهم مما توقف هؤلاء عن هذه الأكاذيب، بالإضافة إلى تحمل الدولة مصاريف الحجر الصحي من صندوق تحيا مصر بتعليمات من السيد الرئيس.

عندما فشلت الجماعة من النيل من علاقة المواطنين بالدولة، ركز الإعلام الإخواني على حالات بعينها لأسر رفضت استلام جثث ذويهم خوفا من العدوى ليظهروا أن الشعب بعيدًا عن الدين وأنه فضل المصلحة الشخصية على صلة الرحم وإكرام الميت بدفنه.

لما كان اعتماد الدولة على جيش مصر الأبيض في مواجهة الفيروس وتقدير الدولة له بمنحهم مكافآت مالية ورفع مرتباتهم بداية من أطباء الامتياز إلى باقي الدرجات، فضلا عن توفير الإجراءات الاحترازية لفرق الأطباء والتمريض، وإشادة السيد الرئيس بدورهم وتقديم القيادات العسكرية التحية لهم، كما وجهت الدولة لهم تحية مكتوبة على الأهرامات.

هذا بالإضافة عن ملاحظة تفاني الأطباء في إنقاذ المصابين والتحامهم بالدولة، أن سعت الجماعة للنيل من هذه اللُحمة بين الأطباء والدولة، بتحريض عدد من المأجورين لرفض دفن جثة طبيبة إثر إصابتها بالفيروس بحجة خشيتهم من نقل العدوى لهم.

وبالفعل كان لهذا الموقف تأثيرًا سلبيًا على الأطباء وتباينت ردود أفعالهم تجاه الحدث، وقد اتسمت بالطابع العاطفي في البداية، وعبروا عن غضبهم تجاه رد فعل المجتمع رغم أنهم قلة مأجورة لكن لم تكن الفكرة قد وصلتهم بعد، وقد وصل الأمر بالبعض منهم برفض معالجة المصابين من قرية البهو بمحافظة الدقهلية وقد وصل الأمر بعدد قليل منهم للدعوة إلى إضراب جزئي عن العمل.

وقد كان لرد فعل الدولة القوي بتفريق هؤلاء القلة فضلا عن دفن الطبيبة في مقابر القرية والقبض على عدد كبير منهم وتقديمهم للنائب العام، أن أوصل رسالة للأطباء بأن الدولة قوية وقادرة على الوقوف بجانبهم وتقدير دورهم، ولذا سادت لغة الحكمة لدى الاطباء مع نهاية اليوم وتأكيده على الالتزام بالقسم الخاص بهم وقيامهم بواجبهم تجاه الدولة.

الحقيقة أن الدولة منذ بداية الأزمة وهي يقظة تجاه هذه التصرفات المتوقعة من الجماعة الإرهابية، كما تتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب، ومع ذلك يصعب القول أن هذه ستكون آخر التصرفات غير الشريفة من الجماعة، فهي مستمرة في النيل من علاقة المواطنين بالدولة ومن مصداقية الحكومة الأمر الذي يتطلب استمرار اليقظة من كافة مؤسسات الدولة للوقوف أمام هذه المحاولات. 

وأيضًا محاولة توقع الأزمات المحتملة ومنها النيل من دور المؤسسات التي تقف بالمرصاد لهذه الأزمة وعلى رأسها وزارة الصحة ووزارة الدفاع والتضامن الاجتماعي وزارة التموين وغيرها من الوزارات، فضلا عن محاولات النيل من علاقات مصر الخارجية وخاصة تجاه الدول العربية عامة والخليجية خاصة، والآن نتابع تطاول قلة من الساسة والإعلاميين الكويتيين على مصر، ولذا يمكن القول أن هذا التوظيف السياسي لأزمة كورونا لن يتوقف حتى نهاية الأزمة وبعدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى