كورونا

هل تنجح جائحة كورونا في إسكات البنادق في اليمن؟

مع انتشار وتفشي جائحة كورونا حول العالم واتساع تأثيراتها وما فرضته على كافة الدول من قيود ومحاذير، باتت الدعوة لوقف كافة النزاعات والصراعات المسلحة لمواجهة هذا الوباء تلوح في الأفق، حيث وجه الأمين العام للأمم المتحدة ” أنطونيو جوتيريش” دعوة عالمية لاسكات البنادق وإيقاف الحروب والنزاعات بهدف مواجهة عدو مشترك ” كوفيد19″ والذي يستهدف الجميع دون تمييز أو تفرقة.

وجاءت الدعوة في محاولة لتجنب ويلات انتشار هذه الجائحة وتأثيراتها المحتملة على الساحات التي تشهد صراعات أو نزاعات مسلحة، خاصة على الفئات الأكثر تضررا بفعل هذه الصراعات سواء الأطفال، اللاجئين، المشردون وغيرهم ممن تأثروا بفعل ديمومة وتجدد دورات الصراع.

وتركت هذه الدعوة ردود فعل متباينة، حيث ذهب البعض للتأكيد على مشروعية تلك الدعوة خاصة أن أطراف أية صراع يمكنهم أن يتركوا الصراع جانبا من أجل مواجهة عدو مشترك يمكنه أن يصيب الجميع بلا هوادة، وقد عبر أصحاب هذة النظرة عن تفاؤل كبير في امكانية انجاز هذا الأمر، خاصة في ظل الخبرة التاريخية التي تؤكد إمكانية حدوث ذلك، وقد دلل هؤلاء على امكانية التعاون للحد من آثار الكوارث والأوبئة من خلال الإشارة إلى زلزال تسونامي عام 2004 وما أفرزه من تعاون وتكاتف بين دول جنوب شرق آسيا والمجتمع الدولي بشكل عام للتعامل مع الاضرار الناجمة عن الزلزال.

 من ناحية أخرى أعتبر البعض أن هذه الدعوة لن تجدي نفعًا خاصة وأن أطراف أية صراع قد لا يتأثروا كثيرًا بالتداعيات الإنسانية خاصة وأن كل أهدافهم ترتبط بتحقيق مكاسب وسيطرة ميدانية يمكن أن تحقق لهم أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية مستقبلًا، وعليه يرى أصحاب هذه النظرة أن أطراف الصراع ليس لديهم ما يخافون منه أو يخشونه وبالتالي فإن الاستجابة لهذه الدعوات لن تكون جادة حتى وأن أبدت الأطراف المتناحرة تجاوبًا معها.

وعليه سنحاول الوقوف على اصداء هذه الدعوة في المشهد اليمني، لمعرفة ما يمكن ان تؤول إليه الأحداث في أعقاب ظهور كورونا في اليمن وذلك فيما يلي:

كورونا وملامح المشهد اليمني

على الرغم من النداء العالمي الذي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة لانهاء الصراعات حول العالم، فقد وجه دعوةً خاصة للأطراف المتناحرة في اليمن حيث طالب بضرورة التعاون بشأن وقف إطلاق النار والعمل على تخفيف حدة الأزمة من خلال محاولة التوصل لسبل جادة لتسوية سياسية يتفق عليها جميع الأطراف المتنازعة.

وقد قوبلت هذه الدعوة برد فعل مباشر من قبل التحالف العربي في اليمن، حيث إعلن العقيد ” تركي المالكي” عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين – بداية من 9 إبريل- لمواجهة التداعيات المحتملة لجائحة كورونا، وفي الوقت الذي أشادت فيه عدد من المنظمات والقوى الإقليمية والدولية بقرار وقف إطلاق النار، عبر الحوثيون عن رفضهم وعدم استجابتهم للانخراط في المبادرة معتبرين أن ذلك مناورة سياسية وإعلامية من قبل التحالف.

وقد أعقبت عملية وقف إطلاق النار ظهور أول حالة مصابة – 10 إبريل- بفيروس كورونا في محافظة حضرموت جنوب اليمن، وعلى الرغم من ابتعاد فيروس كورونا عن الساحة اليمنية مقارنة بغيرها من الدول وتأخر ظهوره فيها، إلا أن تداعيات انتشاره وظهوره قد تكون أكثر حدةً وتأثيرًا من غيرها خاصة وأن اليمن تعتبر من أكثر بلدان العالم فقرًا، كما أنها تعاني من ندرة الموارد ومحدودية الأمكانات، ناهيك على أنها تشهد اسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث يحتاج نحو 24 مليون مواطن للمساعدات الغذائية،  فضلأ عن انتشار عدد من الأمراض والأوبئة بين المواطنين من بينها: الملاريا، حمى الضنك، انفلونزا الخنازير والكوليرا لدرجة أن مناعة المواطن في اليمن باتت فى أدنى مستوياتها، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال ما أعلنته منظمة ” أوكسفام الدولية” – في 10 مارس2020- أن انتشار وتفشي الكوليرا في اليمن أظهر حالة الضعف والوهن الذي اصاب منظومة الصحة اليمنية ، إذ سجلت اليمن ثاني أعلى بلد في معدلات الإصابة بالكوليرا خلال العام الماضي، كما لفتت المنظمة إلى أنه تم تسجيل نحو 56 ألف حالة مشتبه بإصابتها بالكوليرا خلال الأسابيع السبعة الأولى من عام 2020.

وعليه فإن ظهور أول حالة لفيروس كورونا في اليمن في ظل هذه الأوضاع الصحية المُنهارة يُعد تهديدًا كبيرًا يمكن أن يٌضيف مزيدًا من الأعباء على الحالة والمشهد الإنساني في اليمن، خاصة وأن القتال الدائر بين الأطراف المتنازعة ساهم في تدمير البنية التحتية للبلاد، وفي ظل نظام صحي مُنهار ومستشفيات وعيادات تعمل بأقل من نصف طاقتها وغياب الكوارد الطبية المؤهلة يمكن أن تصبح تداعيات انتشار فيروس كورونا بالغة الخطورة.

وقد انعكس الصراع في اليمن على طبيعة الإجراءات التي اتخذتها مختلف الأطراف اليمنية للتعامل مع فيروس كورونا، بحيث بات الطبيعة الغالبة على المعالجة والاجراءات الاستباقية تتم بشكل مناطقي، حيث عمل كل طرف على اتخاذ الإجراءات التي يراه مناسبه في المناطق التي تخضع لنفوذه وسيطرته. إذ قام الحوثيين بإنشاء خط ساخن للإبلاغ عن الحالات المشتبه فيها، كما قاموا بتدريب فرق طبية في المناطق الخاضعه لسيطرتهم، فضلًا عن فتح وحدات للحجر الصحي وإجراء عد من الاختبارات على بعض الحالات، بالإضافة إلى اغلاق مطار صنعاء الدولي، وتعليق الدراسة في كافة المراحل التعليمية.

 من ناحية أخرى اتخذت الحكومة الشرعية في اليمن عدد من الخطوات والاجراءات الاستباقية والوقائية من بينها منع التجمعات وتعليق الصلاة وإغلاق المدارس، وتدشين عدد من مراكز العزل في عدد من المناطق التي تخضع لسيطرة الحكومة، بالإضافة إلى إغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية. كما قام المجلس الانتقالي الجنوبي بتطبيق عدد من القرارات المماثلة من بينها فرض حظر تجول في عدن، وإغلاق المحال التجارية والمولات وأماكن التجمعات، وفرض قيود على عملية الانتقال بين الاحياء والمدن.

احتمالات قائمة

يُعتبر ظهور واكتشاف أول حالة إصابة بفيروس كورونا في اليمن، تطورًا جديدًا يمكن أن يمثل محطة للتفكير في مستقبل الصراع اليمني وانطلاقًا من هذا التحول يمكننا الوقوف على عدد من الاحتمالات المرتبطة بالأزمة اليمنية وذلك فيما يلي:

أولًا: اختبار جاد لتسوية أشمل، ينطلق هذا الاحتمال من فرضية أن جائحة كورونا قد تمثل ورقة ضغط على كافة الأطراف اليمنية المتناحرة، بحيث يمكنها أن تتخلى عن الصراع الدائر والامتثال للدعوات الأممية بتهيئة الظروف لتسوية سياسية أشمل تنتهي بحلحلة الصراع وإيقاف دائرة العنف والاقتتال، كما أن انتشار كورونا قد يوفر فرصة للجميع لتصدير المصلحة العامة والحاجة الملحة كمقدمة لحفظ ماء الوجه لكافة الأطراف، ويعزز هذا الاحتمال عدد من الشواهد من بينها أن وقف إطلاق النار وتعليق عمليات التحالف التي تم الإعلان عنها تعتبر خطوة تحدث للمرة الأولى من قبل قيادات التحالف منذ عام 2016، حيث كان هدف التحالف الاستراتيجي والثابت القضاء على الحوثيين وإنهاء الإنقلاب والحد من نفوذه باعتباره وكيلًا فاعلًا وأداة من أدوات المشروع الاقليمي لإيران في المنطقة، وعليه يُنظر للموقف الحالي- تعليق عمليات التحالف-  على أنه تنازل يثبت حسن نية قيادات التحالف في إنهاء الحرب الدائرة في اليمن، والتخلي عن نظرية أن التسوية تُعني الهزيمة.

 لكن هذا الاحتمال رغم أنه وارد إلا أن مُحاط بعدد من القيود من بينها تعثر كافة التسويات السياسة السابقة بشأن الأزمة اليمنية وكان آخرها اتفاق ستوكهولم نهاية عام 2018، كما يرى البعض أن تخلي الحوثي عن مشروعه في اليمن وتطلعات الحركة السياسية يمكن أن تكون عائقًا أمام هذه التسوية، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال انقلاب الحوثيين على اتفاق السلم والشراكة عام2014 بعد توقيعه بايام قليلة، كما يرى البعض أن المقترحات التي تقدم بها الحوثيين مؤخرًا – إبريل2020- تحت عنوان وثيقة “الحل الشامل لإنهاء الحرب على الجمهورية اليمينة” تعبر عن رغبات حوثية أكثر من كونها مطالب يمكن التوافق عليها وهو ما يعتبره البعض عائقًا يمكن أن يعرقل التسوية حال الانخراط فيها، خاصة وأن الحكومة الشرعية المدعومة من التحالف العربي قد ترفض هذه الرغبات الحوثية المعلنة.

وعلى أية حال فإذا أعتبرنا أن كورونا قد تكون مفتاحًا ومخرجًا لتسوية أشمل تفضي إلى الذهاب لمسار جديد من التفاوض وفقًا لأسس وقواعد يرتضي بها الجميع، فإن ذلك قد يحتاج إلى ضغوط من الأمم المتحدة على أطراف الصراع بشكل حازم بالإضافة إلى ممارسة عدد من الضغوط على الأطراف الإقليمية الداعمة لكل طرف.

كما أن التسوية حال الوصول إليها قد تتخذ عدة مسارات: الأول قد يشمل الحوثيين والسعودية وقد ينتهي إلى الاتفاق على خفض التصعيد على الحدود اليمينة السعودية، مع وقف الأعمال القتالية والعدائية التي يقوم به الحوثيين تجاه المملكة العربية السعودية، مقابل أن يعلق التحالف العربي في اليمن عملياته بشكل نهائي كمقدمة لإنهاء الحرب، وقد تتم هذه التسوية عبر وساطة إقليمية برعاية الأمم المتحدة أو من خلال وسيط إقليمي مقبول لدى الطرفين وتعتبر سلطنة عمان نموذجًا مؤهلًا لهذا الدور. من ناحية أخرى قد يحدث مسار آخر موازيٍ لذات المسار بين الحوثيين والحكومة الشرعية وقد يأخذ هذا المسار منحى أكثر تعقيدًا من الأول خاصة في ظل تباين أولويات الطرفين، حيث يسعى الحوثي لكسب مزيد من النفوذ السياسي والضلوع في دور أكبر في المراحل القادمة، في حين تدور رغبات الحكومة الشرعية في البداية حول نزع السلاح من ميليشيات الحوثي ومن ثم البدء في مفاوضات حلحلة الأزمة. وهو ما يعني أن جائحة كورونا رغم أنها تمثل فرصة يمكن الالتفاف حولها إلا أنها محفوفه بعدد من القيود والتحديات.

ثانيًا: تراجع مؤقت وصعوبة في انهاء الصراع، ينطلق هذا الاحتمال من فرضية أن ظهور أول إصابة بحالة كورونا في اليمن، يمكن أن يؤدي إلى تراجع مؤقت ومرحلي في عملية إطلاق النار، ومن ثم العودة مرة أخرى للصراع، ويُعزز هذا الاحتمال عدد من الشواهد من بينها أن استمرار وتفاقم الوضع الإنساني رغم أنه مثل عامل ضغط على الأزمة، إلا أنه لم يكن محفزًا لاطراف الصراع لوقف القتال وانهاءه ، حيث تُشير التقديرات إلى وفاة أكثر من 112 ألف شخص جراء هذه الحرب، كما أن تفشي الأمراض والأوبئة – الكوليرا، الملاربا، حمى الضنك وانفلونزا الخنازير- وغيرها من العوامل الأنسانية الأخرى لم تكن محركًا لتسوية الصراع، وعليه يفترض البعض أن تفشي كورونا وسرعة انتشاره قد لا تكون سببًا في تسوية الصراع، وأن أية هدوء أو تراجع قد يكون مؤقتًا. من ناحية أخرى يمكن اعتبار تجدد دورات الصراع والتغيرات الميدانية التي شهدتها الساحة اليمنية مؤخرًا خاصة بعد عودة القتال في عدد من الساحات قد تعمل كوسيلة لإغراء الحوثيين على استمرار تقدمهم ميدانيًا خاصة بعدما نجحوا في الاستيلاء على منطقة نهم وأغلب المناطق الواقعة في محافظة الجوف، كما أنهم يواصلون الزحف تجاه مأرب وفي حال حسمها والسيطرة عليها بشكل كامل فإن ذلك يمثل تحولًا نوعيًا في السيطرة الميدانية، نظرًا لما تمثله-مأرب- من أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة، خاصة وأنها تزخر بالثروات الطبيعة والنفط.

ويمكن ملاحظة أن التقدم الميداني للحوثيين جاء في ظل تراجع وانخفاض الدعم الجوي الموجه من قبل التحالف العربي للحكومة الشرعية في اليمن، وهو ما عبرت عنه ورقة بحثية منشورة على “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني” والتي أوضحت هذا التراجع حيث انخفض عدد الضربات الجوية للتحالف من 385 ضربة شهريًا في النصف الأخير من عام 2018 إلى 75 ضربة في النصف الأخير من عام 2019. من ناحية أخرى بدت الهدنة أو عملية وقف إطلاق النار هشة في بداية تنفيذها، حيث تبادل الطرفان الاتهامات بشأن خرق عملية وقف إطلاق النار ، إذ أعلن الجيش اليمني عن تسجيل نحو 74 خرقًا قامت بها جماعة الحوثي ضد تمركزات الجيش اليمني، في الوقت ذاته أعلنت غرفة ضباط الارتباط والتنسيق التابعة لجماعة الحوثيين عن رصد 99 خرقًا قام بهم الجيش اليمني في الحديدة. هذه الاتهامات المتبادلة تشير إلى احتمالية عودة الصراع ودائرة القتال مرة أخرى.

مجمل القول، يمثل ظهور أول الحالات المؤكدة المصابة بفيروس كورونا في اليمن، نقطة مهمه يمكن استغلالها من قبل الأمم المتحدة لاقناع أطراف الصراع بالحفاظ على استمرار وقف إطلاق النار والشروع في مفاوضات سياسية تراعي مصالح كافة الأطراف والقوى الفاعلة سواء الداخلية أو الخارجية من أجل انهاء صراع تسبب في أسوأ كارثة إنسانية في عمر اليمن. ورغم أن ظهور كورونا قد يمثل فرصة واعدة إلا أن القيود التي تفرضها التحولات الميدانية والعسكرية وحسابات كل طرف قد تكون الصخرة التي تتحطم عليها عملية وقف إطلاق النار المعلنة من قبل التحالف العربي في اليمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى