كورونا

معهد بريطاني: على أوروبا الاستعداد لتداعيات كورونا على الشرق الأوسط

مع تنامي انتشار فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” في أوروبا، وقيام الحكومات بإغلاق حدودها، وتطبيق إجراءات داخلية صارمة للحد من انتشاره، والسيطرة على تداعياته السلبية على الاقتصاديات الوطنية، نشر المعهد الملكي للدراسات الدفاعية والأمنية Royal United Services Institute” تقرير بعنوان “أوروبا وجائحة كورونا في الشرق الأوسط” للباحث “توبياس بورك” المتخصص في سياسات الشرق الأوسط، لتسليط الضوء على أهمية عدم إغفال الدول الأوروبية عن الأزمات الجديدة المحتملة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تؤثر على المصالح الجيوسياسية والأمنية الأوروبية، بما في ذلك مصالح المملكة المتحدة. 

فقبل انتشار الفيروس في أوروبا، كان صانعو السياسة في لندن وباريس وبرلين وأماكن أخرى قلقين من اشتعال التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وتصعيد الصراعات في سوريا واليمن وليبيا، وتفاقم الأزمات الاقتصادية في لبنان والعراق وإسرائيل، لم يختف أي من هذه التحديات، بل أعطاهم الوباء بعدًا معقدًا آخر.

الأوضاع الراهنة لجائحة كورونا في المنطقة

باستثناء إيران وتركيا بشكل ملحوظ، فإن تفشي الفيروس التاجي في بقية أنحاء الشرق الأوسط لم يصل بعد إلى حد انتشار الفيروس في العديد من البلدان الأوروبية، على الأقل ليس رسميًا، ومع ذلك، هناك اقتراحات بأن الأعداد الحقيقية في المنطقة قد تكون أعلى بكثير. 

وقد اتُهمت بعض الحكومات، بمحاولة إخفاء مدى تفشي المرض في بلدانها، وعلى أي حال، اتبعت الحكومات في جميع أنحاء المنطقة الاتجاه العالمي لفرض قيود على السفر وفرض حظر التجول وإغلاق الأعمال غير الضرورية وأماكن العبادة.

ووفقًا للتقرير هناك مخاوف واسعة النطاق من أن أنظمة الرعاية الصحية في العديد من دول الشرق الأوسط لن تكون قادرة على التكيف إذا انتشر المرض كما هو الحال في أماكن أخرى، وفي المقابل قد تتمكن الأنظمة الملكية الخليجية من مواجهة المشكلة، على الرغم من تأثُر ميزانياتها بحالة من عدم اليقين بسبب انهيار أسعار النفط العالمية وتباطؤ الاقتصاد العالمي. 

وفي الجزائر والعراق ولبنان، أدى الخوف من الفيروس وإجراءات التباعد الاجتماعي التي تم تبنيها لمواجهة انتشاره، إلى وضع حد مؤقت للحركات الاحتجاجية التي استمرت شهورًا، ولكن من المؤكد أنها ستضاعفها الأزمة الصحية العامة التي تلوح في الأفق وبجانب الأزمات الاقتصادية المتزامنة. 

ففي لبنان، قررت الحكومة المحاصرة في بيروت التخلف عن سداد ديون بقيمة 1.2 مليار دولار في أوائل شهر مارس، بالتزامن مع اقتراب المزيد من المواعيد النهائية للدفع في الأسابيع المقبلة،  أما العراق، يواجه رئيس الوزراء المُعين حديثًا “عدنان الزرفي” تحدي تشكيل حكومة وطنية في بلد تعاني من الانقسامات السياسية، مع تنامي المواجهات بين القوات الأمريكية والميليشيات المدعومة من إيران.

كما أفاد التقرير بأن هناك قلق بشكل خاص فيما يتعلق بوضع السكان في المناطق المُتأثرة بالصراعات، بما في ذلك تلك الموجودة في اليمن وسوريا وليبيا؛ إذ حذرت الأمم المتحدة من أن تفشي الفيروس التاجي في هذه البلدان وفي العديد من مخيمات اللاجئين المزدحمة في الدول المجاورة قد يكون كارثياً ومن المستحيل احتواؤه، وقد وصل الفيروس بالفعل إلى سوريا وليبيا واليمن. 

ومع ذلك، وبعد سنوات من الحرب، تم تجهيز أنظمة الرعاية الصحية في البلدان الثلاثة بشكل سيء للغاية للإبلاغ عن الحالات وتتبعها بشكل فعال – ناهيك عن معالجتها – لدرجة أن أي بيانات متاحة من المحتمل أن تكون غير موثوقة في أحسن الأحوال، هذا بجانب استمرار العنف الذي تسبب في هذه الأزمات الإنسانية القائمة بالرغم من تقدم المحادثات حول وقف إطلاق النار المؤقت على الأقل لمنع انتشار الفيروس في اليمن أو سوريا أو ليبيا إلا أنها تسير في مسارات بطيئة.

أبرز الجهود الأوروبية تجاه أزمات المنطقة

بالنسبة لأوروبا، قد تبدو الحرب في اليمن بعيدة، ولكن لا يمكن فصلها عن التوترات واسعة النطاق بين الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين وإيران، لذا فقد كافحت الحكومات الأوروبية لتحديد دورها في هذا الصراع، دون أن تتمكن من عزل نفسها عن عواقبه. 

بالإضافة إلى تمسك أوروبا، بقيادة لندن وباريس وبرلين، بالاتفاق النووي مع إيران، على الرغم من انسحاب واشنطن منه وقيام إيران بالتخلي التدريجي عن التزاماتها بها، ويبدو من الواضح أن الاتفاق الجديد يجب أن يتجاوز الاتفاق النووي ليشمل أنشطة إيران الإقليمية. 

حتى الآن، فشلت الحكومات الأوروبية في محاولاتها غير الهادفة في كثير من الأحيان للدفع من أجل تسوية الحرب السورية والليبية؛ إذ تسبب تهديد الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” في فبراير بالسماح مرة أخرى للاجئين السوريين بمغادرة تركيا إلى أوروبا، وأثار ذلك اتهامات غاضبة بأن تركيا كانت تحاول ابتزاز أوروبا، لكن لم تتخذ إجراءات جوهرية للرد عليها. 

وفي ليبيا، أدت السياسات المتعارضة لفرنسا وإيطاليا إلى تعقيد الأمور؛ حيث دعمت باريس المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، باعتباره المرشح الأكثر احتمالًا لتحقيق الاستقرار في البلاد، بينما عملت روما بشكل وثيق مع حكومة الوفاق وبعض الشركات التابعة لها المسلحة في محاولة لوقف الهجرة عبر البحر المتوسط. فكلا منهما لديه مصالح تجارية طويلة الأمد في صناعة النفط والغاز الليبي. 

أما برلين فقد استضافت في يناير مؤتمرًا دوليًا حضرته جميع الدول المشاركة في الحرب الأهلية في ليبيا، بما في ذلك تركيا ومصر والإمارات وروسيا، واتفق الطرفان على دعم حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، الساري منذ عام 2011، فقط لزيادة الدعم لشركائهم على الأرض، وأعلن الاتحاد الأوروبي عن إطلاق مهمة بحرية جديدة لمنع شحنات الأسلحة إلى ليبيا، ولكن بصرف النظر عن الشكوك حول فعاليتها، فإن دعم الدول الأعضاء للمهمة فاتر في أحسن الأحوال.

ختامًا: أظهر العقد الماضي أن الصراعات والأزمات الإنسانية في الشرق الأوسط تؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي والسياسات الداخلية للبلدان في جميع أنحاء أوروبا، ومع ذلك، بدلاً من تحفيز السياسة الخارجية الأوروبية – سواء بشكل جماعي أو فردي – يستمر الخوف من المزيد من اللاجئين والمهاجرين في شل الحكومات عبر القارة، كما أن فعالية تأثير السياسات الأوروبية على معالجة الأزمات سواء من جانب واحد أو متعدد الأطراف ذات تأثير محدود. وفي هذا السياق لابد على الحكومات الأوروبية الأستعداد لمعالجة المآلات السلبية لـ “كوفيد-19” في المستقبل داخليًا وخارجيًا؛ حيث أجبر الفيروس التاجي الحكومات الأوروبية على تركيز انتباهها إلى الداخل، ومع ذلك، فإن الأشخاص اليائسين الفارين من إراقة الدماء وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط – وربما انهيار أنظمة الرعاية الصحية قريبًا – سيستمرون في رؤية أوروبا كملاذ آمن، وفي الأسابيع المقبلة، يمكن للوباء أن يشعل أزمات إنسانية جديدة في الشرق الأوسط، ويزيد من تفاقم الأزمات القائمة على الصعيد السياسي والاقتصادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى