كورونا

توظيف متصاعد … كيف يتعاطى غرب ليبيا مع فيروس “كورونا”؟

تكررت دعوات ومبادرات وقف العمليات العسكرية في ليبيا على مدار السنوات التسع الماضية، ومع تزايد مخاوف انتشار وتفشي فيروس “كورونا” حول العالم، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا لتحقيق وقف أنشطة القتال بين الأطراف في الشرق والغرب، وتنظيم جهود المؤسسات المختلفة للتصدي لخطر الفيروس. 

إذ تهدد حالة الهشاشة الأمنية وتردي الأوضاع الصحية وتجدد أنشطة النزاع المسلح بخروج الوضع عن السيطرة إذا ما انتقل “كورونا” الى الدولة المأزومة مترامية الحدود، ويتناول التقرير اتجاهات التوظيف المتصاعد لـ “كورونا” في خضم مجريات الصراع كمدخل للتهدئة ووقف القتال، ثم محاولة للخروج من الأزمة المالية المتصاعدة، بالإضافة الى تحقيق تغيير لخريطة السيطرة العسكرية، وصولًا لتداعيات التوظيف الجاري لانتقال فيروس “كورونا” على هيكل معسكر قوى غرب ليبيا.

“كورونا” مدخلًا لوقف العمليات العسكرية وإنقاذ الهدنة

سادت بالمرحلة الأولى للتعاطي مع خطر “كورونا” في ليبيا، اتجاهًا دوليًا لتوظيفه كمدخل للتخفيف من حدة المواجهات المسلحة، ومنح الفرصة لالتقاط الانفاس ووقف إطلاق النار وإنقاذ الهدنة المنهارة، والالتفات الى تحسين الأوضاع الإنسانية والصحية المتدهورة، وعزز من ذلك الاتجاه دعوات الولايات المتحدة والأمين العام للأمم المتحدة والعديد من الدول المنخرطة في الصراع الليبي لوقف العمليات العسكرية والتركيز على اتخاذ إجراءات فعالة لمواجهة فيروس “كورونا”. 

وقد سعت الأطراف الليبية في بنغازي وطرابلس لاعتماد خطوات لمنع انتقال “كورونا” إلى البلاد، وتشابهت الإجراءات المعلنة متضمنةً تعليق الدراسة بكافة المؤسسات التعليمية، كذلك فرض حظر للتجول داخل المدن وفيما بينها، ووقف حركة الانتقال بريًا وبحريًا وجويًا من والى ليبيا، الى جانب تحديد مواقع للعزل والحجر الصحي استعدادًا للمرحلة التي يصبح فيها الفيروس موجودًا بالفعل، وبينما اعتمد الشرق “اللجنة العليا لمكافحة وباء كورونا” ككيان مسئول عن إدارة الأزمة، اتجهت حكومة الوفاق لإدارة الملف في الغرب بنفسها. 

إعلان الطوارئ لمواجهة “كورونا” أم لتجاوز الأزمة المالية؟

بدأ من اللحظات الأولى وجود اتجاه توظيفي للملف لدى حكومة الوفاق، إذ عكست إجراءاتها سعيًا واضحًا لتجاوز أزمتها المالية عبر الضغط على المصرف المركزي لاعتماد برنامجها المالي، كون الدولة في حالة طوارئ وتحتاج لدعم القطاع الصحي ومحاور القتال.

واستهلت الوفاق هذا المسار باجتماع وزير المالية “فرج بومطاري” مع رئيس هيئة التضامن الاجتماعي لتفعيل الاختصاصات الموكلة للصندوق في حالات الكوارث والنكبات الطبيعية، وأعقبه لقاء جمع رئيس مجلس الدولة “خالد المشري” ورئيس المجلس الرئاسي “فائز السراج”، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي “الصديق الكبير”، وتم الاتفاق فيه على توزيع الترتيبات المالية على أبواب الميزانية، ودفع مرتبات شهري يناير وفبراير بشكل عاجل، كذلك توفير السلع الأساسية والأدوية والاحتياجات اللازمة للعملية العسكرية في طرابلس. 

ومما سبق، فقد أنصب تركيز المجلس الرئاسي ومكونات الغرب على تدبير موارد لتجاوز الأزمة المالية المتصاعدة منذ مطلع العام 2020 وتفاقمت مع إغلاق المنشأت النفطية فيما بعد، وهو اتجاه لم يسير كما جرى التخطيط له لأسباب تتعلق بمحافظ المركزي، ورغبة بعض تلك المكونات للضغط على “السراج”، وكذلك استمرار إغلاق المنشأت النفطية الليبية.

تحول ميداني … نحو التوظيف العسكري للفيروس 

ظهرت أولى حالات الإصابة في لبيبا بالعاصمة “طرابلس” في 24مارس2020، وهو السيناريو الذي سعى كل طرف لتجنبه؛ حتى لا يجبره الفيروس على التراجع أمام الطرف الاخر، وتفادي الغضب والنقد الذي سيوجه إليه داخل مناطق سيطرته كفاعل عاجز عن تحقيق سلامة مواطنيه. 

وحاول “فائز السراج” توظيف “كورونا” من جديد عبر إطلاق عملية “عاصفة السلام” لاستغلال انشغال الشرق في تعزيز جهوده لمواجهة الفيروس، وقطع عمليات الامداد والشحن بين الشرق والبلديات التي يسيطر عليها بالغرب عبر استهدافها بالطيران المسير، ومع صد الجيش الوطني لـ “عاصفة السلام” وافشال هجومها على قاعدة الوطية الجوية، ثم كسر موجات الهجوم على مناطق سيطرته شرق مصراته وترهونة ومحاور القتال جنوب طرابلس، أصبحت محاولات الوفاق لتوظيف الفيروس محفزًا لتصاعد المواجهات بشكل عنيف، بل وتقدمت قوات الجيش بمناطق جديدة كـ “زليتن” غرب طرابلس، كما سيطرت مجموعات مسلحة على مرافق حيوية وقامت بقطع الكهرباء والمياه عن مناطق الغرب. 

وبذلك فإن محاولة الوفاق وقوى الغرب الليبي لإحداث تغيير ميداني ينعكس لصالح تعزيز نفوذها، وإثبات قدرتها على توجيه دفة الصراع لصالحها باءت بالفشل، وانعكست سلبًا بمزيد من الضغط على قواتها بمحاور القتال.

ضغوط متبادلة بين قوى الغرب الليبي

أفرزت تعقيدات الأزمة الليبية ودخول “كورونا” عنصر ضغط على القوى المتصارعة بشكل عام، والغرب الذي ظهرت به حالات الإصابة مبكرًا بشكل خاص، حالة من الصدام وتباين المواقف والاتجاهات، ويبدو واضحًا وجود تيار مصراتي يميل الى تحميل رئيس الوفاق “فائز السراج” مسئولية التعاطي غير الفعال مع أزمة الدعم المالي للقوات المتمركزة بمحاور القتال، كذلك تراجع قدرات القطاع الصحي المتصدر لمواجهة فيروس “كورونا” بالمستشفيات والمراكز الطبية. 

وبرزت هذه الضغوط المتبادلة مع إعلان “السراج” عقد اجتماع لمحافظي المصرف المركزي ودعوته لتوحيد مصرفي البيضاء وطرابلس، وهو ما اتصل بتفعيل دور مجلس إدارة المصرف بما يعني الإطاحة بالمحافظ المصراتي “الصديق الكبير”، كذلك حديث “السراج” عن تقديم دعم مالي للبلديات بالأقاليم الثلاثة -شرقًا وغربًا وجنوبًا- لمواجهة الفيروس، وهو ما رفضته قوى مصراتة كونه يعني تقديم سيولة مالية لمناطق موالية وتحت سيطرة الجيش الوطني والبرلمان الليبي. 

ولكن تلك الإجراءات جرى تفسيرها على أنها محاولة للضغط على المصرف المركزي بطرابلس لتقديم التمويل المطلوب للوفاق، وهو ما سرعان ما ثبت صحته بعد تراجع السراج عن عقد الاجتماع الذي أعلنه من قبل، إلا أن “السراج” أستمر في الرد على منتقديه وهاجم معارضوه من قوى الغرب الذين وصفهم بـ ” ناس تسترزق من خلال هذا الضغوط”. 

مسارات متشابكة … إعادة تشكيل خريطة الغرب الليبي

أنتهت مواجهات وضغوط القوى المسيطرة على الغرب الليبي الى حالة من فقدان الثقة المتبادل، كما أدت محدودية قدرات المجلس الرئاسي المالية الى انخفاض درجة التماسك بجبهاته القتالية، وفى ظل تنامي رغبة بعض قوى الغرب الليبي على تحميل “السراج” مسئولية التراجعات الميدانية الأخيرة، وانتشار “كورونا” بمناطق سيطرتها، فضلًا عن رفضها لضغوط الرئاسي على المؤسسات التي يرأسها عناصر تنتمي الى تلك القوى، وما يرونه من تقارب يقوده “السراج” مع شرق ليبيا، وليس ببعيد رفض قطاع ليس بالقليل لاستعانة الوفاق لعناصر تركية وسورية وصمت تلك الجبهة بالعار. 

يمكن القول بأن خريطة الغرب الليبي وإعادة توزيع العوائد قد تصبح في توقيت ليس ببعيد على مائدة إعادة التشكيل والتقسيم، وهو ما يهدد إذا ما استمرت تجاذبات القوى الغربية والسراج بانقسام أو إطاحة برموز معسكر غرب ليبيا، وقد تتوالى انسحابات القطاعات والمجموعات المسلحة التابعة للرئاسي، بعد إعلان المجلس العسكري بـ “نالوت” التابع لقوات حكومة الوفاق سحب جميع كتائبه وسراياه نتيجة قلة الدعم، وهو ما يقود لاحتمالية تحول داعمي الوفاق عنها وسقوط ظهيرها الذي يحفظ وجودها.

ومُجمل القول، إن التوظيف الوبائي هو السمة الرئيسية الغالبة لتعاطي حكومة الوفاق وقوى الغرب الليبي مع إشكالية “كورونا”، ورغم الاتجاه السائد للاعتقاد بأن الحالة الوبائية العالمية وخطورتها على مستقبل وسلامة الأفراد والدول ستعزز من فرص خفض التوترات والنزاعات المشتعلة منذ أعوام، إلا أن الصراع الليبي أثبت أن سعى طرف متحارب -على الأقل- قد يقود الى تحفيز القتال وإشعال الصراع، بل ويهدد بخلق بؤرة فيروسية لا تتوافر فيها سلطة قادرة على ضبط أو تحجيم تفاعلاتها، لاسيما مع انهيار البنية الصحية وانقسام مؤسسات الدولة وتراجع قدراتها الأمنية.

مما يقودنا الى القول إن استمرار اتجاهات توظيف وباء “كورونا” بالنسق الذي تسير به قوى غرب ليبيا قد يعزز من فرص انتاج بؤرة فيروسية إقليمية تتجاوز في خطرها الدول التي شهدت معدلات مرتفعة من الإصابات والوفيات؛ كونها دولة مترامية الحدود وتمثل طريقًا للانتقال مزدوج الاتجاه بين شمال وجنوب المتوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى