أفريقيا

تأهب وانتشار.. ماذا يحدث على الحدود السودانية الإثيوبية؟

انتشار يحدث لأول مرة منذ ما يقرب من 25 عامًا قام به الجيش السوداني يوم 28 مارس الماضي، في منطقة الفشقة الواقعة على الحدود السودانية الإثيوبية، والمتنازع عليها بين البلدين منذ نحو ستين عامًا. أعقبت الانتشار زيارة لرئيس المجلس السيادي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى هذه المنطقة لتفقد القوات المتمركزة هناك، مما طرح تساؤلات حول ما يجري على الحدود السودانية الإثيوبية.

انتشار لحفظ الأمن

تشهد منطقة الفشقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا والواقعة بولاية القضارف السودانية، توترات كل عام تقريبًا عند موسم الأمطار، إذ تقدم عصابات “الشفتة” الإثيوبية على اقتحام المنطقة للاستيلاء على المحاصيل الزراعية، وعملت على طرد المزارعين السودانيين من مناطقهم طوال عشرات السنين، بدءًا من عام 1957، تحت مرأى ومسمع وأحيانًا تحت حماية القوات الإثيوبية.

C:\Users\user\Desktop\image1.jpg

وقال المتحدث باسم الجيش السوداني، العميد ركن عامر محمد الحسن، إن نشر القوات الذي تم مؤخرًا في المنطقة يعود لحفظ الأمن، وتأمين المنطقة من النزاعات التي تحدث بين المزارعين عند بداية التحضير للموسم الزراعي. وقد أعلن الجيش السوداني في 8 مارس الماضي أن جنديين قد قُتلا وأصيب آخر، في اشتباكات مُسلحة مع عصابات الشفتة الإثيوبية التي هاجمت قرية (شرق العطبراوي) داخل الحدود السودانية ودخلت في اشتباكات دامية مع الجيش السوداني.

لن نسمح بالتعدي على أراضينا

رغم تضارب الأنباء حتى الآن حول اقتحام قوات الجيش الإثيوبي للمنطقة من عدمه، فإن الأمور تبدو أكبر من كونها مواجهات مع عصابات مسلحة؛ إذ تشير تقارير إلى أنها قوات شبه نظامية تابعة للسلطات الإثيوبية، وأن ما تقوم به من تحرش بالمناطق السودانية إنما هو بإيعاز من السلطات الإثيوبية أو على أقل تقدير بغض الطرف عنها.

 ووسط ذلك جاءت زيارة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول عبد الفتاح البرهان يوم الأربعاء 8 أبريل الجاري إلى المنطقة، وتفقده وحدات الجيش المتمركزة في ولاية القضارف الحدودية.

C:\Users\user\Desktop\Capture-17-750x430-1.png

زيارة البرهان تضمنت رسائل صريحة بعدم المساس بالأراضي السودانية؛ إذ قال رئيس مجلس السيادة “لن نسمح بالتعدي على أراضينا”، مؤكدًا جاهزية القوات المسلحة السودانية لحماية البلاد، وحراسة حدودها وعدم التراجع عن ذلك، مضيفا: “هدفنا حماية أراضينا ومواطنينا على امتداد حدود السودان في كل مكان، وهذا واجب القوات المسلحة المقدس الذي لن تفرط فيه أبدًا”.

ويبدو أن السودان قد ضاق ذرعًا بالتعديات الإثيوبية المستمرة، وعدم التزام الجانب الإثيوبي الرسمي بضبط الحدود من جانبه، رغم الاتفاقات المستمرة بين الجانبين على ذلك، وآخرها في 12 مارس الماضي الذي شهد زيارة لوفد عسكري إثيوبي رفيع المستوى إلى السودان برئاسة الفريق أول برهان وجولا نائب رئيس الأركان الإثيوبي ومشاركة الفريق فيشا كادنو مدير العمليات بالجيش الإثيوبي. ولقائه بوزير الدفاع السوداني السابق جمال عمر.  وقد كان نشاط عصابات الشفتة الإثيوبية وتأمين الحدود أحد النقاط التي تم بحثها خلال هذا اللقاء، وتم الاتفاق خلاله على التنسيق لوقف هذه الاعتداءات.

جهود لاحتواء الأزمة

زيارة البرهان إلى ولاية القضارف تبعها اتصال هاتفي أجراه رئيس مجلس السيادة برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يوم 9 أبريل الجاري، بحثا خلاله التحديات القائمة، وسبل تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين في ظل هذه الفترة الصعبة، حسبما أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي عبر حسابه على موقع تويتر.

ولكن يبدو أن الاتصال الهاتفي لم يكن كافيًا لاحتواء الأزمة، فقام رئيس أركان الجيش الإثيوبي الجنرال آدم محمد بزيارة اليوم إلى العاصمة السودانية الخرطوم على رأس وفد عالي المستوى، وعقد رئيس الأركان الإثيوبي فور وصوله جلسة مباحثات مع نظيره السوداني الفريق أول محمد عثمان الحسين لبحث التطورات الحالية والموقف بين البلدين. ومن المنتظر أن يلتقي أيضًا برئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

عصابات جزء من اللعبة السياسية الإثيوبية

تتبع عصابات الشفتة بشكل أو بآخر إلى حركة أمهرة الوطنية الديمقراطية، وهي الحزب الحاكم في ولاية أمهرة المتاخمة للحدود الشرقية السودانية عند ولاية القضارف، وبالتالي فهي المسؤولة عن الاعتداءات المستمرة على المزارعين السودانيين في الفشقة.

وترى حركة أمهرة الوطنية أن منطقة الفشقة منطقة إثيوبية تابعة لمنطقة المتمة الإثيوبية بولاية أمهرة. وهو ما بدا في بيانها الذي أصدرته في أغسطس من عام 2018، وانتقدت خلاله الحكومة الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد لتوقيعه اتفاقًا مع السودان يسمح بنشر قوات عسكرية مشتركة عبر الحدود، واصفة ذلك بأنه يسمح للجيش السوداني بتوسيع أراضيه، مؤكدة أنه ليس من المناسب أن يبقى الجيش السوداني في هذا الموقع بشكل دائم، وأنه بذلك سيصبح عقبة أمام المزارعين للقيام بعملهم بسلام، مطالبة الحكومة الإثيوبية بأن تدفع بانسحاب الجيش السوداني من المنطقة.

تعرض رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى محاولة اغتيال في 23 يونيو 2019، كانت حركة أمهرة هي التي تقف وراءها، وذلك لأنها ترى أن آبي أحمد يعمل على تكريس سيطرة عرقية الأورومو على السلطة، مع تنحية عرقيتي الأمهرة والتيجراي، وتحاول الأمهرة استعادة نفوذها ودورها في حكم البلاد.

خلافات داخلية تكاد تقصم ظهر رئيس الوزراء الإثيوبي المقبل على انتخابات في أغسطس المقبل، ولعل غض الطرف الإثيوبي عما تقوم به عصابات الشفتة يأتي في سياق هذه اللعبة السياسية، للتقليل من حدة الضغوط التي تتوالى على رأس السلطة الإثيوبي، وكجزء من سياسة الترضية التي ينتهجها آبي أحمد تجاه عرقية الأمهرة.

سد النهضة ليس ببعيد

تتزامن هذه التوترات الحدودية بين السودان وإثيوبيا مع مرور عملية التفاوض فيما يخص سد النهضة الإثيوبي بمنحنى صعب، بعد انسحاب إثيوبيا من المفاوضات التي تمت في واشنطن بوساطة الولايات المتحدة والبنك الدولي، وظهور الكثير من علامات الاستفهام حول موقف السودان من المفاوضات، وصولًا إلى تأكيد رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك خلال لقائه بمدير المخابرات العامة الوزير عباس كامل ووزير الري الدكتور محمد عبد العاطي التزام السودان بمسار واشنطن للمفاوضات.

تخوفات سودانية من إقدام إثيوبيا على ملء وتشغيل سد النهضة دون التوصل لاتفاق، لما سيخلفه ذلك من آثار على السودان كونها دولة مصب، ولأنها ستكون أكبر المتضررين من انهيار السد حسب بعض التقديرات؛ لأن النيل الأزرق يصحبه تيار قوي وجارف وقد بنى السد بهذه الضخامة دون اشتراطات السلامة.

ولذلك أعلنت عدد من القوى المدنية السودانية المناهضة لمخاطر سد النهضة الإثيوبي، رفضها لتصريح رئيس الوزراء الإثيوبي “أبي أحمد”؛ بمخاطبة مصر وحدها لكونها معنية بالتفاوض، واعتبار السودان وسيطاً، وطالبت الحكومة باتخاذ موقف إزاء التجاوز. وقالت في رسالة لرئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إن بعض الروايات تؤكد وقوع السد داخل الأراضي السودانية في مناطق “بني شنقول”.

وتقع منطقة الفشقة بالقرب من موقع سد النهضة، وربما تعمد إثيوبيا إلى استخدام هذه المنطقة كورقة في عملية التفاوض بشأن سد النهضة، فإما أن يسير السودان في المسار الإثيوبي، أو يُهدّد بإثارة الصراعات في هذه المنطقة، اعتمادًا على المسلك السوداني في التعامل طوال السنوات الماضية مع هذه القضية، والذي شابه إما التجاهل بسبب الظروف الداخلية، أو اللجوء للتفاوض الذي تعمد إليه إثيوبيا دائمًا لكسب الوقت والعمل على فرض الأمر الواقع في الفشقة والتمدد فيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى