كورونا

القطاع الخاص في ظل كورونا..لا مجال لإيقاف حركة الإنتاج

تشن منصات السوشيال ميديا حربًا طاحنة على رجال الأعمال ممن أطلقوا تصريحات بوجوب استمرار الإنتاج لتصفهم بعدم الوطنية، وتفضيل المصلحة الخاصة على العامة، تزامنت مع هذه الحرب حملة أخرى للمُطالبة بتشديد إجراءات الحظر للتحول إلى حظرٍ كُلي يُقعد العُمال في بيوتهم ويُغلق المصانع ويُقف عجلة الإنتاج.

هذه الحملة آثارت مخاوف المُفكرين الاقتصاديين ورجال الأعمال من الخروج لمُخاطبة الجماهير وتعريفهم بالوضع الاقتصادي الدقيق الذي باتت مصر تواجهه، فالتوقعات الآن تُشير إلى أن أزمة الفيروس قد تستمر لمدة ستة أشهر، قبل اكتشاف علاج ناجع أو لقاح يُوقف انتشار الوباء، وهو ما يقتضي من الدولة توفير الاحتياجات الأساسية للسُكان من غذاء ودواء، بالإضافة إلى تدعيم القطاع الصحي باحتياجاته من مواد مُكافحة الفيروس بداية بمهمات الوقاية، والأجهزة طبية وانتهاء بالدواء.

لذلك فإنه من وجهة نظر اقتصادية وبتحليل الفوائد والتكاليف تقتضي مصلحة الاقتصاد المصري الآن تمديد العمل بقرار الحظر الجزئي، حيث أسفر أولًا حتى وقت كتابة هذه السطور عن سيطرة ناجحة على عدد الحالات الجديدة والوفيات رغم عدم نجاحه الكامل في خفض عدد الإصابات اليومية أو وقف الانتشار، إلا أنه نجح كذلك في وقف تحول المرض إلى وباء يجتاح الأراضي المصرية، كما يحدث في إيران مثلًا التي يشبه تركيبها الديموغرافي نظيره المصري، وثانيًا حافظ على النشاط الاقتصادي عند حد مقبول لا يأخذنا لطريق الكارثة الاقتصادية أو أزمات مثل نقص المعروض من السلع الغذائية أو تردي لسعر صرف الجنيه، أو توقف عن سداد الديون المصرية أو حتى تضخم جامح يقضى على نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تحمله الشعب لثلاث سنوات كاملة للوصول إلى النتائج الحالية.

أما قرار الحظر الكُلي ووقف الإنتاج فيعني اللجوء أكثر للاستيراد لسد الحاجات الأساسية للمواطنين وبخاصة السلع الغذائية والدوائية، والتي تستورد مصر بالفعل كميات كبيرة منها مثل الزيت والسكر وغيرها، وهو ما يعني في حالة توقف القطاعات الإنتاجية المصرية ضغوط أكبر على رصيد الاحتياطي النقدي، مع الأخذ في الاعتبار أن أسعار هذه المُنتجات في الوقت الحالي أعلى من أسعارها الطبيعية بسبب ارتفاع الطلب عليها.

 وهو الأمر الذي يؤدي إلى طلب مُرتفع أكثر على الدولار، ويعني ارتفاع الطلب على الدولار ضغوط على الكميات المطلوبة منه في السوق، وهو ما يعني بالتبعية انخفاض ثمن الجنيه، الأمر الذي سيؤدي إلى ظهور موجات تضخمية كتلك التي شهدتها البلاد في العام 2017، ووصلت مستويات التضخم على إثرها إلى أعلى من 30% من جديد، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى عدم توافر عدد كبير من السلع.

يُضاف إلى ذلك أنه مهما بلغت إمكانيات رجال الأعمال فإنها لن تُمكنهم من استمرار تحمل أعباء كامل مُرتبات عُمالهم دون إنتاج لفترات طويلة، مما يعني أنهم سيلجأون أولًا إلى خفض الرواتب ثم وقفها لتقليل الخسائر كُلما طالت الازمة، وهو ما يعني انخفاض دخول هؤلاء العُمال وبالتالي انخفاض انفاقهم، مما يدخلنا في حلقة ركود جديدة بسبب توقف جزء كبير من الإنفاق، وهو ما سيدفع بالدولة في النهاية لتحمل جزء من أعباء معيشتهم، فيتحول هؤلاء من سواعد إنتاج تساند الدولة في أزمتها إلى أكُفٍ تنتظر المُساعدة، وهو وضع لن يتقبله العُمال، ويصعب على الدولة تحمله.

تأتي هذه المُطالبات كذلك في ظل خلل يعتري الأسواق الدولية بسبب الحظر الذي تفرضه عشرات الدول على صادراتها الزراعية والطبية، مثل الولايات المُتحدة التي فرضت حظرًا على صادرات شركاتها الطبية مثل (3M) المُتخصصة في صناعة الأقنعة الواقية والكمامات، واسبانيا وتُركيا التي تفرضان حظرًا على صادرات الغذاء بسبب التفشي الوبائي لفيروس كورونا.

وهو ما يفتح فرصًا كبيرة للصادرات المصرية الطبية والغذائية للوصول إلى الأسواق الخليجية والأوروبية بسهولة بالغة وبأسعار كبيرة تُساعد في خفض الضغط على الاحتياطي النقدي المصري، وتوقف ارتفاع الأسعار، ويعني فرض حظر كامل تفويت هذه الفرصة على الشركات المصرية لإثبات جداراتها والوصول لأسواق كان يصعب عليها الوصول إليها في ظل المُنافسة الكبيرة من المُنتجين الأتراك والاسبان والإسرائيليين الذي يُقدمون لمُصدريهم دعم نقدي أكبر من ذلك الذي تقدمه مصر لمُصدريها مما يجعل السلع من هذه الدول أرخص.

هذه التحديات الذي يفرضها الفيروس وتلك الفرص التي يُتيحها، تجعل مُتخذ القرار الاقتصادي – السياسي المصري كمن يمشي على حبل دقيق، إن مال يسارًا عرض شعبه لخطر الوباء وإن مال يمينًا عرضه لخطر الجوع، ولذلك جاءت القرارات الرئاسية في السابع من إبريل الجاري، لدعم القطاع الخاص وحثه على العمل والإنتاج مع اتباع إجراءات الوقاية الضرورية من المرض، وحضه على عدم تسريح العُمال كشفاء لقلوب العديد من الاقتصاديين من أمثالي الذين تخوفوا من أن تنصاع القيادة المصرية إلى حملة الضغوط التي تُمارس من وراء الشاشات.

ثم جاءت القرارات الوزارية في اليوم التالي لتؤكد تمديد الحظر الجزئي وتخفيف ساعة منه لحماية العُمال من الزحام، لتُضيف مزيدًا من الراحة إلى قطاعات واسعة من العُمال والمُنتجين الذين يخشون أولًا على قوت يومهم وفي ذات الوقت على وطنهم من العودة لزمن كان يتكفف فيه المُساعدات من كل حدب وصوب.

إن مصر تعيش اليوم زمنًا مُختلفًا كُليًا عن الحُقب السابقة التي مالت القيادة فيها إلى دغدغة مشاعر الجماهير بدل العمل على مصلحة الوطن والمواطن، فبات مُتخذ القرار المصري الآن يعزل قراراته المصيرية التي تؤثر على مُستقبل الوطن وأبنائه عن حشد جماعات الضغط التي تحاول توجيه الرأي العام ليدفع بالقيادة السياسية لتُحقق مصالحها بصرف النظر عن الصالح العام. 

فأصبح يتخذ قراراته هذه بمعاونة هيئات علمية بعد إجراء الدراسات اللازمة المبنية على إحصاءات مُستقاة من قواعد بيانات، بذل مُتخذ القرار ذاته مليارات الجُنيهات لإعدادها لمثل هذا اليوم، فأخرجت قرارات تُثبت صحتها كل يوم، وإن ما تشهده البلاد في وقت الأزمة الحالية يجب البناء عليه وتمديده لينتقل من مستويات القيادة العُليا إلى أدنى قاعدة الهرم الإداري، لعل هذا يكون المكسب الحقيقي الذي نخرج به من هذه الأزمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى