كورونا

مطبات صعبة..آفاق السياسة الخارجية للصين بعد جائحة كورونا

تتزايد الآراء القائلة بإن فيروس كورونا المستجد يعيد تشكيل محتوى وشكل الاتصالات الاستراتيجية الدولية بعدما ساهمت قضايا مثل الأزمة المالية والإرهاب في تعطيل سبل التعاون والاستجابة الدولية للفيروس. 

فيما يخص الصين، فقد تلقت في بداية الوباء التعاطف من الدول، لكنها تجد نفسها الآن أمام إدانة دولية بأنها تلاعبت بالمعلومات المتعلقة بالوباء. وهذا يجعلنا نطرح تساؤلات حول آفاق علاقاتها بعد جائحة كورونا. 

غلبة التنافس على التعاون مع الولايات المتحدة

كعادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتأرجح هواه بين الإدانة والإشادة تراجع عن تسمية الجائحة بـ”الفيروس الصيني”، عاد ليشيد بالشفافية الصينية، ثم عاد واتهمها بالتضليل، ثم بعد اتصال مع الرئيس الصيني شي جين بينج قال إن البلدين يعملان بشكل وثيق معًا. لكن من جانب الصين، فقد ألقت اللوم على الولايات المتحدة واعتبرتها “أصل الفيروس”.

تتجه بعض الآراء إلى أن التهديد المشترك قد يقود القوتين العظميين للتعاون معًا، مما قد يؤدي إلى استقرار العلاقات بينهما، وجعلها نقطة تحول إيجابية في العلاقات الصينية الأمريكية تخدم المصالح الأمريكية بالأساس من خلال تبادل خبرات بكين في مكافحة الوباء.

لكن هناك احتمالات أكبر بأن يكون مستقبل العلاقات الصينية الأمريكية مشحونًا بالعقوبات ومطالبات التعويض، واتهامات التضليل لتحقيق مكاسب سياسية، فقد يستغلها ترامب لترسيخ أقدامه بين الرأي العام الأمريكي في الانتخابات الرئاسية القادمة وصرف الانتباه عن أخطاء السياسيين في تفادي تفشي الفيروس بالولايات المتحدة، فيؤكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو صاحب مسمى “فيروس ووهان”، أن “الصين ستظل منافسًا استراتيجيًا حقيقيًا للولايات المتحدة”، ومن ثم يجب استغلال كل فرصة متاحة لاحتواء الصين جيوسياسيًا.

بجانب هذا، هدد ترامب بسحب الحصة الأمريكية التي تشارك بها بلاده في منظمة الصحة العالمية وثارت اتهامات أمريكية للمنظمة بأنها ساعدت الصين في “التستر على وباء عالمي”، خاصة أنها ثاني أكبر مانح للمنظمة، وأنها قد تكون استخدمت المنظمة لدعم شرعيتها، إذ ذهبت آراء إلى أن المنظمة ركزت على الجوانب الإيجابية لاستجابة الصين مع الوباء، وتجاهلت الجوانب السلبية والتكاليف البشرية والمجتمعية والاقتصادية لتلك الاستجابة، ومن غير الواضح ما إذا ذهبت المنظمة للصين لفهم الوضع على أرض الواقع أم لا.

قد تجد الصين نفسها في مواجهة استراتيجية عالمية تقودها الولايات المتحدة حول الصحة العامة تهدف لمنع الأوبئة وتفشيها في المستقبل. ستستخدم هذه الاستراتيجية أدوات عقابية لتحفيز الدول على حماية الصحة العالمة، ومعاقبة الدول التي يثبت تهديدها لصحة المجتمع العالمي، وتركها للأوبئة دون رادع.

وعليه، يمكن أن يكون الفيروس فخًا أو فرصة للعلاقات بين البلدين، إذا استمر التسييس الأمريكي للوباء، بما يساهم في زيادة تدهور الوضع لأنه غرض أناني، وستشهد العلاقات بين البلدين مزيدًا من التراجع. لكنه يمكن أن يكون فرصة جديدة لإزالة سوء الفهم من خلال التعاون. 

الاتحاد الأوروبي.. هل ستنجح دبلوماسية الأقنعة؟

عملت الصين مؤخرًا على توسيع تواجدها على الساحة الغربية عبر منصات التواصل الاجتماعي للتأثير على الرأي العام، وبدلًا من أن تكون مدانة للعالم بالاعتذار عن الفيروس كونها مصدره، يصبح العالم مًدانًا لها بالامتنان عبر ظهورها بصورة “المنقذ” بعد إعلان نجاحها في مكافحة الفيروس، وذلك من خلال “دبلوماسية الأقنعة”.

فقد حاولت الصين جذب أوروبا وملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة، وقيادتها بعيدًا عن علاقتهما التقليدية، وذلك من خلال كسب الدعم عن طريق توجيه مساعدات طبية للدول الأوروبية، تلبية لطموحاتها الأوسع في المنطقة. ظهر التأييد للصين في تصريح الرئيس الصربي بأن بلاده لن تستطيع الدفاع عن نفسها بدون مساعدة “الإخوة الصينيين”، وعزف النشيد الوطني الصيني في إيطاليا بؤرة تفشي الفيروس في أوروبا، وتصريح وزير الخارجية الإيطالي أن المساعدة أظهرت “أننا لسنا وحدنا، فهناك أشخاص في العالم يريدون مساعدة إيطاليا”.

لكن تزايدت شكاوى سلوفاكيا من تلك الإمدادات، فيما رأت الصين أنها لم تستخدمها بالشكل الصحيح. تكرر الأمر مع التشيك التي وصلها ثلاثمائة ألف من أجهزة الكشف عن الفيروس، وإسبانيا التي وصلها خمسين ألفًا جهاز تتطابق مع تلك التي حصلت عليها إيطاليا.

على جانب آخر، ظهر تحذير أوروبي من الصراعات من أجل النفوذ التي تمارسها الصين، ومن هنا تعالت أصوات الانتقادات للإمدادات الطبية.

رغم تلك الانتقادات المثارة، حاولت تلك الدول تقدير النية الطيبة لبكين كونها أحد أكثر الدول التي قدمت مساعدات، وليس الاتحاد الأوروبي الذي فشل مؤخرًا في التوصل لوسيلة جماعية لمكافحة الجائحة، واعتبر الرئيس الصيني أن المساعدات الطبية الصينية المنتشرة في دول مثل إيطاليا وفرنسا واليونان، بأنها تعزيز “لطريق الحرير الصحي”.

يرى محللون أن الصين تعمل من خلال “دبلوماسية الأقنعة” على شن هجوم دبلوماسي قوي على الدول الغربية وتشتيت انتباههم عن إصابات الفيروس في الداخل، أو أنها مصدر تفشيه في العالم، لكنها في نفس الوقت قد حملت أخطاءً عبر معدات غير دقيقة تجعل الفوائد الدبلوماسية محدودة.

التأكيد على الشراكة الاستراتيجية مع روسيا

أغلقت روسيا حدودها مع الصين، وتصاعد الأمر ضد الصينين على أراضيها رغم أن البلدين قد عززا شراكتهما الاستراتيجية العام الماضي. لكن هذا لا يعني كسر تلك الشراكة التي ترجع بالأساس إلى عدم رضا كل منهما عن الهيمنة الأمريكية التي لا تأخذ مصالحهما في الاعتبار وتمثل في نفس الوقت تهديدًا كبيرًا لسيادتهما ومصالحهما.

يتفق البلدان من خلال شراكتهما على أن يتم تقسم المهام بينهما في منطقة آسيا الوسطى، بين تولي روسيا الشق الأمني أما الصين، فهي ستقود التكامل الاقتصادي الإقليمي من خلال مواءمة مبادرتها للحزام والطريق مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وعليه، تسعى موسكو وبكين إلى نظام دولي أكثر توازناً لكن برؤية مختلفة، لكنها في النهاية تهدف لإسقاط أحادية القطب الأمريكي له.

كان لذلك تأثيره الإيجابي على العلاقات في ظل تفشي فيروس كورونا المستجد، فقد عبرت بكين عن تفهمها للإجراءات الروسية الخاصة بغلق الحدود، واعتبرت ما قيل عن الإساءة للصينيين مجرد شائعات. وأكد الروس أن هذا الحظر مؤقت، وأن موسكو ستستمر في إصدار تأشيرات العمل والعبور للمواطنين الصينيين.

إجمالًا، فلن تتأثر العلاقات بين البلدين بالسلب طالما لا تزال الولايات المتحدة عدوهما المشترك، وسيتم تجاوز الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الروسي عبر مزيد من الاندماج مع الصين لإنعاش اقتصادها. 

الاستمرار في مبادرة الحزام والطريق

رغم التوقعات بأن فيروس كورونا المستجد سيجهد الاقتصادات وسيؤدي بها إلى نقطة الانهيار، وأن الصين ستواجه خيار تقييم استثماراتها الخارجية بعد الوباء، لكن تؤكد الصين استمرارها في مبادرة الحزام والطريق وأن البنية التحتية الممتدة من آسيا إلى أوروبا “لن تتغير بسبب الوباء” ولن تتطلب “تعديلات كبيرة”.

ستكون هناك فرصة جديدة للتأثير في جنوب شرق آسيا التي سينشغل عنها دول الاتحاد الأوروبي بمعالجة تدهور اقتصاداتهم.  يدل على ذلك عدم التوقف عن التزام بكين بمشاريع البنية التحتية الجديدة في تلك المنطقة. وستظل المبادرة ذات أولوية حتى لو انخفضت الاستثمارات الصينية قليلًا، وذلك لأنها بشكل عام مهمة لصورة الرئيس الصيني شي جين بينج، وهي أيضًا مهمة لدم الشركات الصينية في الخارج وتوظيفها لكسب نفوذ عالمي.

لكن تؤكد آراء أنه من السهل الإعلان عن المشاريع، لكن تواجهها صعوبة في التنفيذ مع التوقعات التي أصدرها البنك الدولي بأن الصين ستشهد نموًا بنسبة 2.3% فقط هذا العام، وهو أسوأ معدل منذ 44 عامًا، بما سيؤثر حتمًا على مبادرة الحزام والطريق، لأن بكين ستوجه تركيزها لزيادة الاستهلاك المحلي، وضمان السيولة للمؤسسات المحلية الصغيرة والمتوسطة. 

إجمالًا

من غير الواضح ما إذا كانت الجائحة ستؤدي إلى تحولات كبيرة في العلاقات الخارجية الصينية بعد انتهائها، لكن يمكن القول إنها تبنت موقعًا قياديًا عبر “دبلوماسية الأقنعة”، وقد تحصل على موقع مشابه عبر “دبلوماسية القروض” في المستقبل لمساعدة الدول على التعافي من آثار الأزمة.

قد تشهد علاقتها مع الاتحاد الأوروبي –رغم التحذيرات من نفوذ بكين- نوعًا من التحسن يؤدي لرفض أي تحرك أمريكي لمعاقبتها سواء بسبب الفيروس أو بعد استعادة عجلة الحرب التجارية لشدتها، وإن كانت فكرة التردد لاتباع الموقف الأمريكي موجودة قبل الجائحة.

لكن هذا لا ينفي احتمالية أن تتعرض الصين لاقتراحات دولية بفرض عقوبات أو مطالبات بتعويضات عن الخسائر التي لحقت بالدول جراء انتشار الفيروس واتهامها بالتستر على الوباء خاصة إذا أرادت الولايات المتحدة إعادة قبضتها على النظام العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى