أفريقيا

السيسي وقادة أفارقة يطلقون اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية في قمة النيجر

“نيامي” تستعد لاستضافة قمتها

 12 ألف رجل أمن  لتأمين القمة الاستثنائية الـ”12″ للاتحاد الأفريقي المقرر إقامتها غداً الأحد، تحولت معهم عاصمة النيجر نيامي إلى ما يشبه الثكنة العسكرية   ، وهي القمة التي شهدت توافقًا وإجماعًا حول استثنائيتها وتاريخيتها ، بسبب جدول أعمالها الذي سيتضمن تحديد الدولة المستضيفة لمقر منطقة التجارة الحرة الأفريقية بالإضافة لمناقشة عدد من الموضوعات الهامة على رأسها أمن القارة الأفريقية، علاوة على أن حضور 50 زعيماً ورئيسًا أفريقيًا   سيضفي على القمة وزناً خاصاً  حيث من المتوقع حضور معظم قادة الدول الأعضاء بمنظمة الاتحاد الأفريقي وعلى رأسهم الرئيس المصري ورئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي عبد الفتاح السيسي، والرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا ، والرئيس النيجيري محمد بخاري ،والرئيس زمبابوي إيميرسون منانجاجوا، والأمين العام لجبهة البوليساريو إبراهيم غالي، بالإضافة إلى مندوب الرئيس الجزائري المؤقت عبدالقادر صالح رئيس الوزراء الجزائري نورالدين بدوي.

جدول أعمال القمة

يتضمن جدول أعمال القمة عددًا من الموضوعات التي تندرج بالأساس تحت محوري الاقتصاد والتنمية والسلم والأمن، بالإضافة إلى الارتقاء بآليات تنفيذ عملية الإصلاح المؤسسي والهيكلي للاتحاد الأفريقي.

الأبرز من هذه الملفات هو الملف الاقتصادي، خاصة فيما يتعلق بتفعيل “منطقة التجارة الحرة في القارة الأفريقية”، هذا بالإضافة إلى الملف الأمني والخطر الإرهابي، الذي يهدد عددًا من الدول، التي تشهد بشكل دوري هجمات إرهابية، سواء من جماعة “بوكو حرام” أو تنظيمي “القاعدة” و”داعش”.

كما ستبحث القمة مستجدات المنطقة وما يحدث في السودان؛ إذ من المتوقع أن يدعم القادة الأفارقة الاتفاق السياسي الذي تم التوصل إليه لإنهاء الأزمة  بعد وساطة ناجحة قادها مبعوث الاتحاد الإفريقي. وكذلك بحث الملف الليبي، وسبل وضع حد للعنف هناك، والتداعيات الأمنية للأزمة الليبية على استقرار المنطقة، ومأساة قصف مركز للاجئين في طرابلس.

هذا بالإضافة إلى إضافة إلى مقترح إعادة هيكلة الاتحاد الأفريقي ومناقشة مسألة تمويل الاتحاد وصندوق السلام.

وقد بدأت الاجتماعات التحضيرية للقمة يوم الخميس 4 يوليو الجاري، بمشاركة وزراء الخارجية الأفارقة، الذين طرحوا على طاولة النقاش عددًا من الملفات المهمة، قبل رفعها إلى “قمة نيامي”، وهدفت الاجتماعات إلى تنفيذ قرارات الاتحاد الأفريقي الخاصة بإعادة إصلاح وهيكلة الاتحاد.

وكذلك مناقشة جدول أعمال القمة الاستثنائية وقراراتها والخاصة باتفاقية التجارة الحرة الأفريقية وإعلان تدشينها وانطلاقها رسميًا، وجدول أعمال قمة الرؤساء والتقارير التي ستعرض عليه ومناقشة ميزانية الاتحاد لعام ٢٠٢٠ وتقارير اللجان الفنية والقرارات التي ستنجم عنها.

– أمن القارة أولوية، والإرهاب يسبق القمة إلى نيامي

بات خطر الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء يتفاقم بشكل كبير وبوتيرة متسارعة، حيث تتالت هجمات المتطرفين الدامية في المنطقة حتى أصبحت تنفذ بشكل شبه يومي في هذا الجزء من القارة السمراء الذي يعد مسرحا لجرائم وبطش هذه الجماعات وفناءً خلفيًا للجماعات الإرهابية ومموليها، وفي وقت سابق من هذا الشهر  أعلنت حكومة النيجر، إحباط سلسة هجمات كانت تستهدف العاصمة نيامي ومدينة ديفا، الواقعة في جنوب شرق البلاد بحسب ما أعلنت وزارة الدفاع في بيانها .

 الأمر الذي  يمكن ربطه سريعًا بتراجع تنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان في السنوات الأخيرة، وتبع ذلك أن تنبأ العديد من المتخصصين بانتقال شبكات الإرهاب إلى مناطق أخرى من العالم. ومع عودة فصائل القاعدة وظهورها في دول أفريقيا خاصة في الصومال ومالي ونيجيريا والنيجر، فضلاً عن شمال أفريقيا، أشار المراقبون إلى أن أفريقيا سوف تصبح مستقبلاً “أرض الجيل الثالث لتنظيم القاعدة”  .

وفي ذات التوقيت الذي تتهيأ فيه عاصمة النيجر لاستضافة القمة الاستثنائية، تسلل الإرهاب إلى ثكنات الجيش في الدولة، حيث أعلن مسلحون من “داعش” مسؤوليتهم عن    الهجمات الإرهابية التي استهدفت معسكر للجيش غربي البلاد على الحدود مع مالي، وهو الهجوم الذي  راح ضحيته 18  جنديا  يوم الثلاثاء الماضي قبل أيام من انطلاق القمة.

 منطقة التجارة الحرة  مستقبل لمكافحة الإرهاب

يعد إطلاق منطقة التجارة الحرة الأفريقية القارية إحدى أهم أولويات الرئاسة المصرية الحالية للاتحاد، بالنظر إلى أهميتها كعلامة فارقة في مسيرة التكامل الاقتصادي في القارة، وكونها إحدى أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم من حيث الحجم، كما أشار أحمد حافظ، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية

وهي اتفاقية وقعت عليها 52 دولة من أصل 55 دولة ، رغم أن 25 دولة فقط صدقت عليها. وتهدف الكتلة إلى إزالة الحواجز التجارية والتعريفات الجمركية بين الأعضاء.

خصوصية منطقة التجارة الحرة

نشرت “هارفارد بوليتيكال ريفيو” دراسة حول منطقة التجارة الحرة في إفريقيا، حيث قدر مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية بجامعة هارفارد في عام 2015 أن 12 % فقط من تجارة إفريقيا تتم بين دول في القارة ، مقابل 70 % داخل الاتحاد الأوروبي، و تهدف اتفاقية التجارة الحرة لإفريقيا إلى سد هذه الفجوة ، وتتوقع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا أنه إذا تم تنفيذها بالكامل ، يمكن أن تزيد الخطة التجارة داخل القارة بأكثر من 52 %،  وهو ما يصب مباشرة كتلبية للطلب الذي تقدمت به دول الساحل   الخمس المؤلفة من بوركينا فاسو ومالي والنيجر وموريتانيا وتشاد إلى الأمم المتحدة لتشكيل تحالف لمواجهة الإرهاب في الغرب الأفريقي على غرار التحالف الدولي ضد داعش والتي ستستثمر وقائع القمة للضغط  على الاتحاد الأفريقي في اتجاه تحقيق طلبها ،  وتعاني الدول الخمس   من الهجمات المسلحة المتكررة والمتطورة في منطقة الساحل ونقص الغذاء المرتبط بالجفاف الشديد  الذي  قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة،  حيث سجل عام 2018، تزايداً لحوادث العنف في المنطقة إلى مستويات أعلى، وصلت إلى أربعة أضعاف مما كانت عليه   في عام 2013. كما عرفت نفس السنة نشاطاً مكثفاً للجماعات المتطرفة عبر الحدود في مناطق شاسعة، معظمها فقيرة وذات كثافة سكانية منخفضة وهو ما تأتي منطقة التجارة الحرة القارية للتخفيف من وطأته وتزيد من معدلات التبادل التجاري بين دول القارة سعيًا لرفع المستوى الاقتصادي لها وللحد من معدلات انضمام الشباب للجماعات المتطرفة.  

نيامي تختار مقر منطقة التجارة الحرة القارية

تناول موقع “إيست أفريكان” أنه من المقرر على جدول الأعمال اختيار الزعماء الأفارقة يوم الأحد أي دولة ستستضيف مقرًا لإقامة منطقة تجارة حرة قارية تهدف في النهاية إلى توحيد سكان القارة البالغ عددهم 1.27 مليار نسمة وناتجها المحلي الإجمالي الاسمي البالغ 3.4 تريليون دولار، وكذلك موعد البدء، وبعد اختيار رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي البلد المضيف، سيكشفون عن اللوائح التي تحكم قضايا مثل تحرير التجارة وقواعد المنشأ وإزالة الحواجز غير الجمركية وتطوير نظام المدفوعات والتسويات.وعلى الرغم من الطابع الاحتفالي للحدث إلا أنه قد تستمر المفاوضات المكثفة وراء الكواليس  وحسب  تصريحات ألبرت موتشانجا مفوض التجارة والصناعة في الاتحاد الأفريقي يجب أن يكون التاريخ الفعلي للتداول هو الأول من يوليو 2020.

الدول المتنافسة على استضافة المقر

 بموجب قواعد الاتحاد الأفريقي ، يجوز لجميع أعضائه البالغ عددهم 55 عضوا التقدم لاستضافة المقر، فيما انسحبت كل من إثيوبيا والسنغال.

وبالتالي يشهد الاجتماع منافسة شديدة بين الدول المرشحة لاستضافة المقر، والتي ستنجح من خلال الجهود الدبلوماسية والتأكيد على العلاقات التاريخية والامكانيات الفعلية لكل دولة، وتشمل الدول المتنافسة على مقر إقامة منطقة التجارة الحرة مصر في الشمال، وكينيا في الشرق، وغانا في الغرب،  وسواتيني ومدغشقر لجزر المحيط الهندي.

وتميل الكفة لصالح كل من مصر و كينيا لاستضافتهما بالفعل مكاتب رئيسية للهيئات الدولية الأخرى وتستطيع شركات الطيران الوطنية الكبرى الوصول إليهما، وكذا تستضيف مصر المقر الرئيسي لبنك التصدير والاستيراد الإفريقي.

وتعد مصر واحدة من أقدم أعضاء الاتحاد الأفريقي وتتمتع بعلاقات قوية مع الدول الأفريقية، ويتوافر لديها كافة المتطلبات، طبقاً لتصريحات مسئول بوزارة التجارة المصرية. كما تتولى مصر رئاسة الاتحاد الافريقي هذا العام، وتروج لنفسها كمحور للتجارة الأفريقية.

وترجع أهمية استضافة المقر إلى اكتساب شهرة ومكانة، والحصول على دفعات نقدية لدعم السفر والسياحة وزيادة فرص العمل، وستصبح المنطقة مقراً تجارياً ومصدراً لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية طويلة الأجل.

في حين ترى المواقع الكينية أن هناك ثقة في أن القادة الأفارقة المجتمعين في النيجر سيختارون نيروبي لاستضافة مقر مكتب لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ACFTA)، حيث صرح وزير الشؤون الخارجية الكيني بأنها قدمت عرضًا تنافسيًا مقيداً بجميع المعايير المحددة وكسب التأييد المكثف لزيادة فرصتها إلى أقصى حد،،إلى جانب الميزة الجغرافية النسبية، والدبلوماسية المكوكية. وترى أنه سيتعين على كينيا أن تصارع السياسة التي وصفتها بالقاسية داخل الاتحاد الأفريقي في ظل رئاسة مصر للاتحاد الافريقي الحالية.

تحديات أمام المنطقة الحرة

تتمثل الصعوبات التي ستواجه انشاء المنطقة التجارية الحرة  في وجود بعض المناطق التجارية المتنافسة والمتداخلة مثل الـ “الإيكواس في الغرب، والكوميسا في الشرق والجنوب، كما تم إبرام الاتفاقية في عام 2018 بعد 17 عامًا من المفاوضات الشاقة، وبحلول نهاية أبريل ، كانت قد تجاوزت عتبة الإطلاق ، والتي تتطلب تصديق 22 دولة على الأقل.

كما تعتمد العديد من الاقتصادات على الزراعة والموارد الأولية مثل المعادن والغابات ، وتفتقر إلى التنوع اللازم للتجارة الحيوية ثنائية الاتجاه، وأن إفريقيا تتداول مع بقية العالم لكنها لا تتاجر مع نفسها.

ورداً على استغراق الاتفاقية وقتاً حتى تتمكن من  تحقيق نجاحاتها، صرح محللون أنه قد استغرق اتفاق (التجارة الحرة) بين كندا والاتحاد الأوروبي سبع سنوات للتفاوض، وكان ذلك فقط بين دولة واحدة ومجموعة متكاملة اقتصاديًا من 28 دولة ، وليس 55 دولة ، ووفقًا لوكالة رويترز ، ويريد الاتحاد الأفريقي تعزيز التجارة السنوية بين القارات إلى 25-36% من إجمالي التجارة الأفريقية في غضون خمس سنوات  وجذب استثمارات كبيرة طويلة الأجل من شركات مثل شركات صناعة السيارات العالمية.

كما يمثل الفساد والبنية التحتية المتدهورة وأوقات الانتظار الطويلة على الحدود حواجز ضخمة أمام حرية التجارة، وليس رسوم الاستيراد فقط.

وفي تقرير نُشر في أبريل ، قال صندوق النقد الدولي “إن تحسين الخدمات اللوجستية التجارية ، مثل الخدمات الجمركية ، ومعالجة البنية التحتية الضعيفة يمكن أن يكون أكثر فعالية بأربعة أضعاف في تعزيز التجارة من تخفيض التعريفات”.

على الرغم من تسجيل زيادة مضاعفة تقريبًا بين عامي 1995 و 2013 ، ظلت التجارة البينية الأفريقية منخفضة بشكل ملحوظ مقارنة بالتجارة داخل القارات في مناطق أخرى ، ويرجع ذلك أساسًا إلى التعريفة الجمركية القاسية والنزاعات التجارية الطويلة الأمد حول اللوائح الجمركية بين البلدان المجاورة. ويبلغ حجم التجارة في الدول الأفريقية حوالي 16% فقط من سلعها وخدماتها فيما بينها ، مقابل 65% بين الدول الأوروبية.

على سبيل المثال ، أظهر تقرير أصدرته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا (UNECA) في مارس 2016 على سبيل المثال أن إفريقيا تتخلف عن الأمريكتين وآسيا وأوروبا ، وكلها تتمتع بمستويات ملحوظة من الواردات داخل المناطق المعنية.

تغير الموقف النيجيري

أعلنت نيجيريا  وهي واحدة من أكبر اقتصاديات القارة هذا الأسبوع  أنها ستنضم رسميًا إلى الاتفاق في نيامي يوم الأحد.

حيث قال مكتب الرئيس النيجيري محمد بخاري أن نيجيريا ستوقع اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية، فقد كانت نيجيريا من الداعمين الرئيسيين لخطة تقليص الحواجز التجارية تدريجياً في القارة منذ بدء المحادثات حول منطقة التجارة الحرة الإفريقية القارية في عام 2002.

ومع ذلك ، فقد تغير فجأة مسارها قبل فترة وجيزة من توقيع الصفقة في العام الماضي بعد ضغوط من النقابات المحلية والشركات خوفا من أن تكون غير قادرة على المنافسة إذا تم إسقاط الحواجز التجارية. وجاء تغيير قرارها مرة أخرى في الأسبوع الماضي، حيث أوصت لجنة حكومية خاصة تشكلت لدراسة التأثير المحتمل للانضمام إلى اتفاقية التجارة الحرة لأفريقيا  للرئيس بخاري بالتسجيل، لما ستوفره من فرصة هائلة لشركات التصنيع والخدمات في نيجيريا للتوسع في إفريقيا”.وتعد نيجيريا ضمن ثلاث دول لم توقع على الاتفاقية، إلى جانب بنين وإريتريا.

ويأتي استعداد نيجيريا للتوقيع على الاتفاقية كقيمة مضافة لنجاحها حيث يرى  محمد بن تشامباس ، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس الاتحاد الأوروبي ، إن استعداد نيجيريا للتوقيع على الاتفاقية ، إلى جانب تبني الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إكواس) لعملة مشتركة الأسبوع الماضي ، سيساعد على تعزيز التجارة في جميع أنحاء القارة.

مبادرات بحاجة إلى التنفيذ

قمة تاريخية استثنائية ستكون بمثابة انطلاقة جديدة للاتحاد الأفريقي الذي ينتظر إعادة هيكلته، ولكن يبقى السؤال مطروحًا أمام كل قمة، وهو هل سيرى ما سيتم الاتفاق عليه خلال القمة النور وطريقه إلى أرض الواقع أم لا؟، في ظل تعثر تطبيق العديد من المبادرات الأفريقية، ومن أهمها مبادرات أجندة أفريقيا 2063 التي من المنتظر أن يتم الانتهاء من تطبيق بعض مبادراتها في العام المقبل، ولكن لا يوحي الواقع بإمكانية ذلك حتى الآن.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى