كورونا

المغرب العربي.. تحديات جائحة كورونا

عقب تفشي فيروس كورونا أو ما يُعرف علمياً باسم “COVID-19” بالعديد من دول العالم، انطلاقًا من الصين، تأتي التخوفات من اجتياح ذلك الفيروس للقارة الأفريقية في ظل التحديات المختلفة التي تواجهها من تآكل وهشاشة الأنظمة الصحية، علاوة على المشكلات الاقتصادية المختلفة التي تواجهها الأنظمة الحاكمة، خاصة وأن ذلك الفيروس لم يعد قاصرًا على نطاق جغرافي معين بل بات عابرًا للحدود الوطنية، وتأتي منطقة المغرب العربي على رأس الدول الأفريقية الأكثر تعرضاً لذلك الفيروس.

واقع فيروس كورنا في المغرب العربي

لقد ضرب فيروس كورنا القارة الأفريقية حيث تفشى داخل 40 دولة أفريقية وهو الأمر الذي يُنذر باحتمالية حدوث جائحة داخل تلك القارة، غير أن دول المغرب العربي تُعدُّ الأكثر تأثرًا بذلك الفيروس بعد دولة جنوب أفريقيا التي سجلت 1585 حالة إصابة حتى (4 أبريل الجاري)، حيث بلغت عدد الإصابات في الجزائر 1572 حالة إصابة مؤكدة و205 حالة وفاة وهي تعتبر الأعلى نسبيًا عن باقي دول المغرب العربي، تليها دولة المغرب بعدد إصابات بلغ 1242 حالة مؤكدة، و91 حالة وفاة، ثم تونس بعدد حالات 623 حالة و 23 حالة وفاة، وأخيراً موريتانيا التي تعتبر الأقل في دول شمال أفريقيا بموجب 6 حالات إصابة وحالة وفاة واحدة.

ولم يقتصر الفيروس في نطاق محدد داخل تلك الدول، بل يشهد حالة من التمدد العرضي، ففي الجزائر تنتشر حالات الإصابة في 34 ولاية – وفقاً لما أعلنته وزارة الصحة الجزائرية- كما ينتشر في المغرب داخل مناطق متعددة منها جهة الدار البيضاء والرباط مراكش وفاس وطنجة والحسيمة، وفي تونس ينتشر في عدد 22 ولاية وفقاً لوزارة الصحة التونسية، الأمر الذي يُنذر بتفشي الوباء داخل تلك المجتمعات بشكل سريع ويصعب بالتالي مواجهته وإحكام السيطرة عليه. 

ويعتبر المغرب العربي الأكثر تأثراً بفيروس كورونا المستجد، وذلك للتقارب الجغرافي بينها وبين الدول الأوروبية التي شهدت تفشياً متسارعًا للفيروس وعلى رأسها فرنسا وإسبانيا اللتان تعتبرا إحدى دول البحر المتوسط المُطلة على الشمال الأفريقي.

تحديات عديدة

إذا ما نظرنا إلى واقع الخدمات الصحية في أفريقيا نجد أن النظم الصحية تُعد نُظمًا هشة، ودول القارة هي الأكثر عرضة للخطر من انتشار فيروس كورونا، خاصة في ظل عجز الدول الأكثر تقدمًا في النظم الصحية عن مكافحة مرض كوفيد-19 ، حيث تفتقر غالبية الدول الأفريقية للمعدات الصحية والمختبرات الخاصة بتشخيص ذلك الفيروس، وما يزيد الأمر تعقيدًا أن هناك نقص عالمي في المعدات الخاصة بالفحص المختبري وأدوات الوقاية للعاملين الصحيين علاوة على القيود المفروض على السفر وإغلاق الحدود من جانب غالبية دول العالم، علاوة على تآكل البينية التحتية الطبية داخل معظم دول القارة السمراء التي لطالما استنزفتها السوابق الوبائية داخل القارة.

وفي ضوء عد كفاية الرعاية الصحية داخل دول القارة السمراء، فإن ذلك يساهم بشكل أو أخر في توطين الفيروس داخل تلك الدول وبالتالي يتطلب ذلك التعامل مع مسببات المرض على المدى الطويل في ذلك النطاق الجغرافي، و إذا كان فيروس الإيبولا كان موطنه أفريقيا، غير أن منطقة المغرب العربي لم تتأثر بالشكل الكبير به على خلاف سيراليون وغيرها، إلا أن فيروس كورونا ربما يُصيب تلك المنطقة أكثر من غيرها.

إلى جانب ذلك فإن ميزانية القطاع الصحي في بعض دول المغرب العربي لا تتناسب مع المعدل الذي توصي به منظمة الصحة العالمية وهو 12%، ونجد هنا أن ميزانية قطاع الصحة العمومية في المغرب 5% وفي الجزائر متدنية، وهو الأمر الذي تُعاني منه الجزائر التي أقرت إجراءات جديدة في موازنة 2020 بإجمالي نفقات بلغت نحو 65 مليار دولار والتي تمثل الأكثر تقشفاً منذ 2017.

واتصالاً بالسابق، فقد قامت الجزائر بطلب دعم من الجانب الصيني لوسائل الحماية من فيروس كورونا وقد حصلت في الخامس من أبريل الجاري نحو 8.5 مليون كمامة ثلاثية الطبقات، و100 ألف كمامة من نوع “FFP2″، في دلالة للافتقار للمستلزمات الطبية الوقائية لمواجهة الفيروس.

شواهد سابقة وإجراءات ممائلة

لم يكن فيروس كورونا هو الفيروس الوحيد الذي يضرب بأفريقيا، فقد عانت تلك القارة من انتشار العديد من الأوبئة والفيروسات المختلفة ولعل هناك العديد من الشواهد التي تدلل على خصوبة البيئة الأفريقية لتواجد مثل تلك الفيروسات، حيث شهدت نحو 13 دولة أفريقيا انتشارًا لوباء الإيبولا وأبرزها دول الغرب الأفريقي إلى جانب بعض دول المغرب العربي وعلى رأسها الجزائر، حيث أودى بحياة 11 ألف شخص في ذلك النطاق بين عامي 2013-2016.

وإذا ما كانت أفريقيا موطنًا لفيروس الإيبولا والملاريا وغيرها، إلا أن البيئة الحاضنة لفيروس كوورنا تجلت خارج القارة الأفريقية، وبالتالي فهي تعتبر مستقبلًا لذلك الوباء، ولعل التجربة السابقة لدول المغرب العربي في تحصين نفسها أمام فيروس الإيبولا تطرح فرصًا مناسبة للحد من انتشار فيروس الكورونا، فقد عملت دول شمال أفريقيا (المغرب العربي) على تكثيف التوعية وتأهيل وحدات المراقبة الصحية على الحدود، فضلًا عن توفير أجهزة الكشف عن الإيبولا وتزويد المستشفيات ونقاط المراقبة الصحية على الحدود بمعدات الوقاية من الفيروس، ومنع التجمعات للصلاة داخل المساجد وإغلاق حدودها.

 وفي إطار حزمة الإجراءات المختلفة لمواجهة فيروس الكورونا داخل المغرب العربي، فقد اتخذت تلك الدول إجراءات لم تختلف كثيرًا عن تلك المُتخذة في السابق، أيضًا جاءت استنساخا لما قامت به العديد من دول العالم بغرض تقويض ذلك الفيروس الجديد، وعلى رأسها قرارات غلق المدارس والجامعات والمساجد في بعض الدول، علاوة على قرارا لحظر التجوال خلال ساعات محددة، علاوة على غلق الحدود البرية والجوية والبحرية، حيث قامت دول الشمال بغلق المطارات إما كليًا أو شبه كلي مع الدول الأوروبية، حيث أصدرت المغرب قرارًا بإغلاق خطوطها الجوية مع فرنسا، فضلًا عن السابق فقد اتخذت الجزائر قراراً بالحجر الجزئي على كامل المحافظات.

إلى جانب ذلك فقد تم إتخاذ إجراءات أخرى منها غلق المقاهي ووقف جميع وسائل النقل الجماعي العمومية والخاصة (في الجزائر)، وتقليل العمالة في الجهاز الحكومي، علاوة على وقف الأنشطة الرياضية والمناسيات المختلفة.

وفي إطار المخصصات المالية لمواجهة فيروس كورونا، فقد أنشأت المغرب صندوق صندوق باحتياطي قدره عشرة مليارات درهم أي ما يقارب من نحو 1.4 مليار دولار، بينما خصصت الجزائر ميزانية أولية تبلغ قيمتها 31 مليون دولار، بينما أنشأت تونس “صندوق مساهمات وطني” وخصصت 850 مليون دولار لمواجهة تداعيات فيروس كوورنا، وأنشأت موريتانيا صندوق خاص بالتضامن الاجتماعي و مكافحة فيروس كورونا ساهمت فيه الدولة بمبلغ 25 مليار.

تداعيات وخيمة

لقد احدث انتشار فيروس كورونا ارتباكًا صحيًا وأمنيًا داخل كافة الدول، وخاصة الأفريقية نظراً لما تعانيه من ضعف في أنظمتها الصحية وتراجعًا لاقتصادياتها الوطنية، ومن التداعيات التي ربما تؤثر سلبياً على الأنظمة في المغرب العربي هو الضغط على أمنها القومي إذا ما قامت قوات حفظ السلام التابعة  للأمم المتحدة بتقليص تواجدها وكذلك القوات الأجنبية المتواجدة في أفريقيا كما هو الحال بالنسبة للقوات الفرنسية داخل منطقة الساحل والصحراء خاصة وأن لديها نحو 4500 جندي فرنسي داخل العاصمة التشادية، خاصة وأن رئاسة الأركان الفرنسية أعلنت إصابة أربع حالات بمرض بكوفيد -19 في صفوف قوات عملية برخان العاملة في منطقة الساحل الأفريقي، وما يعنيه ذلك أن المرحلة القادمة ستشهد تفاقماً وإعادة تمركز للجماعات المُسلحة المتواجدة في تلك المناطق وهو ما حدث بالفعل في هجومين إرهابيين في 23 مارس الماضي في تشاد وأودى بحياة 98 جندياً وإصابة 47، وفي نفس اليوم شهدت نيجيريا عملية إرهابية أدت إلى سقوط 47 جندياً، الأمر الذي سيؤثر ويضغط على الأمن القومي لدول شمال أفريقيا، علاوة على ضبط عدد اثنين من العناصر المتطرفة في جبال القصيرين بتونس وذلك يوم 4 من الشهر الجاري. 

كما أن هناك قرارات صادرة من الأمم المتحدة تتمثل في تعليق التناوب الدوري لقوات حفظ السلام في جنوب السودان، بالإضافة إلى تخوف القوات الأجنبية المتواجدة داخل الساحل والصحراء من الإصابة بالفيروس وبالتالي التقوقع على نفسها وعدم المبادرة بتنفيذ عمليات هجومية ضد مواقع التنظيمات الإرهابية سيطرح ذلك مجالاً حيوياً لإعادة تموضع تلك التنظيمات مرة أخرى والتي أبرزها تنظيم بوكو حرام وداعش والقاعدة في المغرب العربي.

وعلى مستوى الحكومات فإن فيروس كوورنا يُمثل تحديًا كبيرًا لحكومات تلك الدول، خاصة وأن كلًا من الجزائر وموريتانيا تشهدان نظامين جديدًا، وسيكون تعاطي تلك الحكومات مع الفيروس الجديد هو مؤشرًا حول نجاح تلك الحكومات أمام شعوبها من عدمه، وما سُيخلفه ذلك الوباء من تداعيات ضخمة على الاقتصاد الوطني لتلك الدول التي تعاني بالفعل من تراجعاً في قدراتها الاقتصادية مثل الجزائر التي عانت كثيرًا خلال الحراك الشعبي، كما أن أحد التأثيرات الهامة على تراجع قطاع السياحة بما ينعكس سلباً على اقتصاديات كلاً من تونس والمغرب الذي يعتبر القطاع السياحي مقوماً رئيسياً لاقتصادياتها.

كما أن هناك تقارير صادرة عن منظمة الأغذية العالمية تُنذر بحدوث أزمة في الغذاء داخل الدول منخفضة الدخل، وذلك في حالة استمرارية الجائحة، خاصة وأن التعامل معها في كافة دول العالم قائماً على استراتيجيات تأتي على حساب الخدمات الأسياسية منها.ختاماً؛ لا يزال أمام القارة الأفريقية فرصة سانحة لتقويض انتشار فيروس كورونا المستجد، خاصة وأن لديها العديد من النماذج المختلفة مع أوبئة اجتاحت القارة سابقاً، وبادرت بالعديد من الإجراءات الاحترازية التي ربما تساهم كثيراً في تقليل نقل العدوى داخلياً، وبالتالي أمام الجيوش النظامية فرصة في الاستمرار في الحرب على الإرهاب وضبط حدودها والاستفادة من قلة انتشار كورونا في أفريقيا، وتأتي تلك الجائحة لتضع أمام حكومات المنطقة حتمية إعادة النظر إلى القطاع الصحي وإدراجه على أولوياتها خلال المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى