كورونا

كورونا والقدرة الدفاعية المصرية للتهديدات غير النمطية

منذ الوهلة الأولى لتكوين أول جيش نظامي عرفه الإنسان قبل خمسة آلاف ومئتي عام، كان المصري القديم يدرك محورية الاستخدام الرشيد لإمكانات القوة العسكرية لضمان الحفاظ على تهيئة البيئة والظرف المناسبين للتنمية والإبداع الخلاّق كونهما أصل الدفاع عن وادي النيل.

ومع تباين واختلاف التهديدات طوال مسيرة قوة الدفاع الأولي المسلحة عن الأمة المصرية ووادي النيل، تغيرت أنماط الاستجابة لتراعي تنوع مسارح المواجهة والتطور الكمي والكيفي للتقنية العسكرية. فمثلاً؛ طور المصريون تحت قيادة الملك أحمس الأول، قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام أنساق وتشكيلات القوة المدرعة “العجلات الحربية” بطريقة إبداعية تراعي محدودية الإمكانات العسكرية – الاقتصادية المصرية في ذلك الوقت، وتطويرها بالهندسة العكسية من المحتل الهكسوسي الذي كان يتفوق في هذا المضمار على المصريين، حتى نجح الجيش المصري آنذاك في سحقهم وإجلائهم عن البلاد دون رجعة.


وفي التاريخ المعاصر، أزكت القوات المسلحة المصرية طرق الابتكار الذاتي بدلًا عن التقليد الأعمى لتكتيكات المدارس الشرقية والغربية، في حرب أكتوبر المجيدة حققت هزًا عنيفًا بأركان الاستراتيجية العسكرية السائدة وقتئذِ، التي كان مفادها أن الطيران سيد حرب الصحراء، وأن القوة الجوية وحدها كفيلة بجعل استراتيجيات الدفاع الهجومي الإسرائيلية مانعة أمام محاولات العبور المصرية لشرق القناة. ففي حرب الصحراء تلك، احتلت الدبابات والقوة المشاة – الميكانيكية لقب “سيد حرب الصحراء”، وأصبح سلاح الجو الإسرائيلي المتفوق كمًا وكيفًا في مرمي الصواريخ الثابتة، والراجلة على أكتاف المقاتلين.

إلا أن تغلغل منظومة العولمة بعدما هدأت وتيرة الحروب المباشرة بين الدول، بُعيّد انزواء الكتلة الشرقية وتفتتها، وتشابك مصالح العولمة وبنيتها الاقتصادية، بقيمها الثقافية العابرة للإقليمية، قد ضيّقت من هامش تحرك الجيوش الوطنية في مجابهة التحديات والتهديدات لصالح التكتلات الأمنية ذات الأسس الاقتصادية.

لكن سرعان ما كشفت أزمة تفشي وباء كورونا عن عوار هذه التكتلات –كنموذج الاتحاد الأوروبي– في مواجهة التهديدات والتحديات المشتركة، ليتعاظم أكثر دور المؤسسات العسكرية والأمنية داخل الدول المنكوبة بالوباء، حيث بات من الصعب الفصل التقليدي بين مهام القوات المسلحة والمؤسسات والأجهزة المدنية نتيجة لتداعيات العولمة السلبية.

حيث انتشرت عربات الحرس الوطني الأمريكي بشوارع نيويورك في مشهد لم تألفه المدينة التي يُنظر إليها كعاصمة للعالم. وانتشرت معدات الجيش كذلك في العديد من الولايات التي تحولت بعض مدنها لبؤرة تفشي الوباء، وذلك للاستعانة بقدرة الكادر الطبي العسكري للجيش الأمريكي الذي يُعد الأفضل في العالم، وخاصة بعد ظهور مؤشرات جدية لعدم قدرة المستشفيات والبلديات الأمريكية على استيعاب حصيلة الفيروس القاتل.

كما انتشرت وحدات من الجيوش الفرنسية والألمانية والروسية والإيطالية، داخل بلدانهم وخارجها لإنجاز أعمال الانشاءات العاجلة للمستشفيات الميدانية بالمناطق الحدودية، وكذلك لمهام الدعم اللوجيستي للمستلزمات والمعدات الطبية ونقل المصابين.

في هذه الأثناء، ومع استقرار مصر ضمن مراتب الدول الأقل تضررًا من الفيروس التاجي، انتهجت الحكومة المصرية استراتيجية لمجابهة أزمة كورونا، تلك الاستراتيجية شملت تفعيل أدوار الأجهزة المدنية المعنية بالأزمة ومعها القوات المسلحة بكامل إمكانياتها، حيث نسعى لإبراز دوافع اشراك القوات المسلحة في إدارة الأزمة ومجابهة الفيروس، واستنباط ركائز استراتيجيتها الدفاعية للتهديدات الغير نمطية.

أولًا: دوافع إشراك القوات المسلحة

بعيداً عن نمط “أمننة إدارة الأزمة” الذي بات السمة الغالبة لمعظم استجابات دول العالم لانتشار الفيروس التاجي، تأتي دوافع اشارك القوات المسلحة في مجابهة الفيروس ضمن عدة أسباب ودوافع، أبرزها:

  • تحقيق الاكتفاء الذاتي، بدت الاتجاهات الجدية لتحقيق الاكتفاء الذاتي للقوات المسلحة إبان حقبة وزير الدفاع الراحل المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، الذي خاض تجربة حرب أكتوبر وانتبه لضرورة تحقيق الكفاية من الغذاء والكساء والخبرات والعمالة للجيش المصري، لتدعيم قدرات الدرع والهجوم لديه طبقًا لأحدث ما توصلت له الأدبيات والنظريات العسكرية الحديثة. ومنذ بدء أول مشاريع الاكتفاء الذاتي وحتى اللحظة الراهنة، حققت القوات المسلحة فائضًا من اكتفائها الذاتي، سواء على صعيد منتجاتها أو العمالة والخبرات التي تحتل ركنًا أساسيًا في عمليات التنمية المستدامة. وعليه، طور الجيش المصري منذ سبعينات القرن المنصرم وحدات تختص بالتعامل مع التهديدات البيولوجية والكيميائية وهو ما ظهر في الاستجابة السريعة للقوات المسلحة لخطط مواجهة تفشي وباء كورونا عبر تشكيلات مخصصة لأعمال التطهير للمنشآت والبني التحتية والميادين الكبرى. فضلًا عن توفير احتياطي استراتيجي من المواد الغذائية يصل لمليون فرد ولمدة ثلاثة أشهر، ويقع خارج مخصصات إعاشة أفراد القوات المسلحة.
  • إطالة قدرة تحمل الدولة لتبعات تفشي الوباء، ذهب المخططون الاستراتيجيون ولاسيما في الولايات المتحدة إلى تدعيم تكتيكات إطالة قدرة تحمل البلد المنكوب لتبعات تفشي الوباء تجنبًا لانهيار وشيك في حال تخبطت الإجراءات الدفاعية لاحتوائه، ما دفع بدخول الجيوش ساحة المواجهة. وفي النموذج المصري تم اشراك الجيش عبر إداراته التخصصية لتدعيم قدرة الأجهزة المدنية ولاسيما الصحية –المستشفيات ووحدات العناية المركزة -، حيث تضمنت الاستعدادات الأولية للقوات المسلحة تجهيز45 مستشفى عسكري من بينها 22 مستشفى عزل بقدرة 12200 سرير و1100 جهاز تنفس صناعي لاستقبال المدنيين والعسكريين.

كما تم تجهيز نحو 4 مستشفيات ميدانية عسكرية تضم وحدات متنقلة في نطاق المناطق العسكرية بطاقة 502 سرير عزل وغرف عمليات وعناية مركزة وأكثر من 1000 عربة إسعاف عسكري، وإدخال خدمة الإسعاف الطائر. ما يخفف من أعباء النظام الصحي المصري. كما تبع ذلك انتشار المنافذ المتحركة لجهاز الخدمة الوطنية لمواجهة احتمالات احتكار السلع واستغلال الظرف الراهن.

ثانياً: ركائز الاستراتيجية الدفاعية للقوات المسلحة للتهديدات غير النمطية

لم تخض مصر مضمار تفعيل الوكلاء الميلشياويين في الإقليم كحال القوي الثلاث الرئيسة التي تتنازع علي الدولة المركز (تركيا – إيران – إسرائيل)، لكنها – أي مصر – فعّلت استراتيجية مضادة لمواجهة الوكلاء الميليشياويين في الإقليم وعلى أطرافها الصحراوية، وتقع ذروة الانخراط العسكري المصري في هذه المواجهة منذ العام 2012. أكسبت السنوات الماضية الخبرة العسكرية المصرية بكثير من أساليب تقويض التهديدات الغير نمطية كالإرهاب العابر للحدود، وظهرت الدولة المصرية منذ العام 2015 أقل ترددًا في استخدام القوة العسكرية لتوجيه ضربات استباقية لهذه التهديدات خارج حدودها الجغرافية، وكما الإرهاب، فإن الفيروس التاجي يأتي ضمن التهديدات غير النمطية، وعليه فإن ركائز الاستراتيجية العسكرية لمواجهته تأتي كالآتي:

  • الاستباق، وتأتي ركيزة الاستباق لوضع تبعات تفشي الفيروس ضمن سقف تقديرات وقدرات الحكومة، وهو ما ظهر جليًا في دحر أي بوادر للضغط على النظام الصحي المدني بدمج المستشفيات العسكرية ضمن سلاسل المستشفيات المعدة لاستقبال حالات الإصابة وبرامج العزل.
  •  التطوير الذاتي، دفعت أزمة كورونا باتجاهات تفعيل التطوير الذاتي للقدرات الدفاعية للدول ولاسيما بعدما فشلت التكتلات الأمنية في تخفيف حدة موجة التفشي قبل “تسطيح” منحني الإصابات. إذ طوّرت وزارة الإنتاج الحربي عربات مخصصة لأعمال التطهير، وتصنيع نماذج لبوابات تعقيم الأفراد. وزيادة القدرات الاستيعابية للمعامل المركزية التابعة لها لتقديم خدمة التحاليل السريعة بطاقة تصل إلى 2200 عينة / اليوم. فضلاً عن تدشين خطوط إنتاج بكفاءة تشغيلية قصوى لتصنيع المستلزمات الطبية بمئات الآلاف من الوحدات.
  • رفع الاستعداد القتالي للقوات، لحرمان التنظيمات الإرهابية من استغلال الانكفاء الذاتي والتركيز مع الداخل، لشن هجمات موسعة. 

ختامًا

تهدف الاستراتيجية العسكرية المصرية لتوفير بيئة أمنية تهيئ الظروف لاستمرار عمليات التنمية المستدامة كونها أصل الدفاع. لتضع قدرات الاكتفاء الذاتي لديها أمام اختبار صعب. إذ تواجه الاستراتيجية العسكرية عدوًا غير مرئي يتطلب إدارة مغايرة للأزمة، تستند لتدعيم الأساليب الاستباقية وتضع التخطيط لمستقبل ما بعد الأزمة نُصب أعينها ولاسيما في بؤر ملتهبة كمناطق الاختناقات المرورية البحرية وشرق المتوسط ودول الساحل والصحراء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى