العراق

هل ينجح الزرفي في تشكيل الحكومة العراقية؟

يواجه العراق أزمات عديدة ومتشابكة من حيث الوضع السياسي والاحتجاجات التى اندلعت في أكتوبر 2019، إضافة إلى انخفاض أسعار النفط وانتشار وباء كورونا المستجد والذي يؤثر بالطبع على ميزانية الدولة، إضافة إلى أزمة تشكيل الحكومة نظرًا لعدم التوافق حول شخصية ترضي كل الكتل السياسية، كون العراق دولة متعددة القوميات والمذاهب يعتمد نظام المحاصصة السياسية والطائفية، يحكهم إلى جانب السلطات الرسمية أيضًا المليشيات والعشائر والشخصيات الدينية، إضافة إلى دور كل من الولايات المتحدة والمليشيات الموالية لإيران في العراق.

وقد طرحت عدة أسماء لتبوء منصب رئيس الوزراء في العراق، منها عادل عبد المهدي ومحمد توفيق علاوي، لكن لم ينجح كل منهما في تشكيل الحكومة، وقدم أحدهما استقالته بينما قدم الثاني اعتذاره عن التكليف، وقد تم التوصل مؤخرًا إلى تكليف عدنان الزرفي بتشكيل الحكومة في العراق، وهو رجل سياسي مخضرم شارك في العمل السياسي وتولى مناصب سياسية منها محافظ النجف سابقًا وعضو في حزب الدعوة وعضو في فريق الإعمار العراقي، وقد شكل تحالف النصر مع حيدر العبادي في انتخابات 2018، لكنه يواجه تعقيدات تشكيل حكومته في ظل رفض بعض الكتل السياسية له، وهو ما يجعل تمرير الحكومة داخل البرلمان عقبة أمام الزرفي وعليه تحاول هذه الورقة مناقشة آلية اختيار رئيس الوزراء في العراق، والموقف من تكليف عدنان الزرفي وسيناريوهات الحكومة القادمة في العراق.

آلية اختيار رئيس الوزراء العراقي

وفقا للمادة 76 من الدستور العراقي يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددًا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.

ثانيًا يتولى رئيس مجلس الوزراء المكلف تسمية أعضاء وزراته خلال مدة أقصاها ثلاثين يومًا من تاريخ التكليف.

ثالثًا يكلف رئيس الجمهورية مرشحًا جديدًا لرئاسة مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يومًا عند إخفاق رئيس مجلس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة خلال المدة المنصوص عليها في البند ثانيًا من هذه المادة.

رابعًا يعرض رئيس مجلس الوزراء المكلف أسماء أعضاء وزراته والمنهاج الوزاري على مجلس النواب ويعد حائزا ثقتها عند الموافقة على الوزراء منفردين والمنهاج الوزاري بالأغلبية المطلقة.

خامسًا يتولى رئيس الجمهورية تكليف مرشح آخر بتشكيل الوزارة خلال خمسة عشر يومًا في حالة عدم نيل الوزارة الثفة.

وفقا لهذا النص كلفت الكتلة النيابية الأكثر عددًا السيد رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي في 29 نوفمبر2019 إلا أنه قدم استقالته إلى مجلس النواب وتمت الموافقة عليها في 3 ديسمبر2019، وفي 1 فبراير 2020 تم تكليف محمد توفيق علاوي بتشكيل الحكومة، إلا أنه قدم اعتذاره في 2 مارس2020 لعدم قدرته على تمرير تشكيلته الوزراية في مجلس النواب، لذلك كُلف عدنان عبد خضير عباس الزرفي فى16 مارس2020  بتشكيل مجلس الوزراء ويتولى تسمية أعضاء وزراته وتقديمهم إلى مجلس النواب لنيل الثفة خلال مدة أقصاها ثلاثين يومًا من صدور مرسوم الجمهورية.

معضلة التوافق على رئيس الوزراء

منذ عام 2003 أصبح التقليد السياسي في العراق هو اختيارُ كرديٍّ رئيسًا للجمهورية، وشيعيٍّ رئيسًا للوزراء، وهو المنصب التنفيذي الأهم، وسني رئيسًا للبرلمان. أما الوزارات السيادية فيتم توزيعها على أساس هذه المكونات أيضًا. فإذا كانت وزارة الدفاع للسنة، فإن وزارة الداخلية تكون للشيعة أو بالعكس. والأمر نفسه ينطبق على ثلاث وزارات سيادية أخرى، هي: المالية، والنفط، والخارجية، فيما توزع الوزارات الأخرى حسب التوافق بين الكتل والمكونات، وهو ما ينعكس في النهاية على التشكيلة الحكومية برمتها، ويسهم في إطالة أمد تشكيلها حتى تحدث التوافقات المطلوبة.

 لذلك يعد أمر تمرير الحكومة والموافقة عليه مسألة بالغة التعقيد؛ نظرًا لتعدد هذه الكتل، حيث واجه الزرفي رفضًا من قبل الكتل الشيعية (الفتح، دولة القانون، العطاء، النهج) في إطار الاجتماع الذي أقيم في منزل رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم. ولم تتوافق على رأي موحد بشأن تكليف الزرفي، وانقسمت الآراء ما بين رفض الطريقة التي تم بها التكليف واعتبارها غير دستورية، وبين الاقتناع بالزرفي ومساندته عندما يقوم بتشكيل الحكومة وعرضها على البرلمان العراقى. كما أن هناك نية من قبل رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي وقيادات سنية منها رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي مسعود برزاني على رفض الزرفي وعدم الموافقة على حكومته من خلال تشكيل تحالف سني شيعي كردي من 130 عضوًا يتولى مهمة عدم تمرير الحكومة في البرلمان.

وقد أصدرت مجموعة من الفصائل في 3 أبريل 2020 وتضم كلًا من “حركة عصائب أهل الحق” و”حركة النجباء”، و”كتائب سيد الشهداء” و”كتائب الإمام علي” و”حركة الأوفياء” و”سرايا عاشوراء” و”حركة جند الإمام” و”سرايا الخرسانى” بيانًا ترفض فيه تمريد حكومة عدنان الزرفي، وتتهمه بأنه مرشح الاستخبارت الأمريكية، كما وجهت تحذيرًا لرئيس الجمهورية بأن ترشيحه للزرفي خالف إرادة المتظاهرين وتوجيهات المرجعية الدينية حيث قدم مرشحًا جدليًا متهمًا بالفساد، ومن ثم يعد ذلك تهديدًا للسلم الأهلي.

أولويات رئيس الوزراء المكلف عدنان الزرفى

تقدم الزرفي ببرنامجه الحكومي في 4 أبريل 2019، وفي انتظار تحديد جلسة للتصويت عليه، لكن كيف يتطلع الزرفي لإدارة الأزمة في العراق في حال نجاحه في تشكيل الحكومة والموافقة عليها في البرلمان، نجد أن كلمة الزرفي بمناسبة التكليف جاءت حاسمة في مضمونها، وتضمنت بُعدين: 

البعد الداخلي: التأكيد على إجراء انتخابات نزيهة خلال مدة أقصاها سنة من تشكيل الحكومة مع تقديم كل سبل الدعم للمفوضية العليا للانتخابات، ومواجهة وباء كورونا، ومواجهة أزمة الدولة الاقتصادية من حيث زيادة الإيرادات غير النفطية، وتقليل النفقات غير الضرورية ومواجهة أزمة انخفاض أسعار النفط.

مواجهة أزمة السلاح من خلال بسط سلطة الدولة، وحماية المتظاهرين ورعاية وتكريم الشهداء والاهتمام بمعالجة الجرحى، ومواجهة الفساد في كافة مؤسسات الدولة من خلال ملاحقة القضايا، واستعادة الأموال المنهوبة، إضافة إلى تحفيز البيئة الاستثمارية، وتنشيط القطاع الخاص، وحل مشاكل إقليم كردستان، وتطوير المؤسسات الأمنية، ودعم الحشد الشعبي والبشمركة كجزء من المنظومة العسكرية للعراق ومواجهة داعش.

البعد الخارجي: التركيز في سياسة العراق الخارجية على مبدأ العراق أولًا، والمصلحة العراقية هي البوصلة التي تحدد اتجاهات العلاقات مع الدول الأخرى، كذلك التعاون مع دول الجوار والمجتمع الدولي بما يحفظ استقلال وسيادة الدولة العراقية كشريك أساسي في محاربة الإرهاب وعامل استقرار للمنطقة، وإعادة النازحين والمهجرين وضمان حياة كريمة لهم.

وأخيرًا، هناك عدة سيناريوهات أمام تشكيل الحكومة العراقية في الفترة المقبلة وهى:

الأول نجاح الزرفي في تشكيل الحكومة، والعبور بالدولة من الأزمات التي تشهدها على المستوى الاقتصادي، وكذلك الصحي جراء وباء كورونا.

الثاني أنه في حالة توافق الكتل السياسية على الحكومة ربما تواجه هذه الحكومة تحديًا من المحتجين بعد أن حجمتها الأسابيع الماضية أزمة فيروس كورونا، ومن ثم استمرار العراق في أزماته كثيرًا.

الثالث عدم الموافقة على الحكومة وعدم نجاح الزرفي في الحصول على الموافقة من البرلمان، ومن ثم الاستمرار على حكومة تصريف الأعمال برئاسة عادل عبد المهدي، وتكليف مرشح آخر من قبل رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة خلال مدة 15 يومًا.

لكن حقيقة الأمر أن الوضع في العراق لا يستدعي كل هذه السيناريوهات، في ظل تأزم الوضع الاقتصادي والصحي وكذلك السياسي والتدخل الخارجي به، فالعراق بحاجه إلى حكومة وطنية قادرة على إدارة الدولة بطريقة تختلف عن سابقتها، والعبور بها إلى مرحلة جديدة تحقق وحدة الدولة وتلبي مطالب مواطنيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى