كورونا

فيروس كورونا ….فرصة جديدة للجريمة المنظمة

“المافيا مثل الكورونا، ستحل معك أينما تكون” جاء هذا التصريح على لسان “سيرجيو نازارو” المتحدث باسم رئيس اللجنة البرلمانية المناهضة للمافيا في إيطاليا، للتعبير عن حجم التداخل بين عصابات الجريمة المنظمة وجائحة تفشي فيروس كورونا المستجد، حيث بات العالم يواجه واحدة من أهم الأزمات، إن لم تكن الأهم على الإطلاق، المتمثلة في جائحة تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19). 

وقد أعلنت جامعة جون هوبكنز الأمريكية أن عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا على مستوى العالم – حسب الإحصاءات التي تجريها – تجاوزت المليون حالة، وترتب على ذلك اتجاه الدول الأكثر تضررًا إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لمواجهة هذا الوباء وصلت إلى حالة الإغلاق الكامل وشبه الكامل، وهو الأمر الذي أثار التساؤلات بشأن تأثير تفشي كوفيد -19 على جماعات وعصابات الجريمة المنظمة، وكذا النظر في اتجاه دورها نحو الاتساع أم الانحصار.  

تطور الجرائم المنظمة:

      انحصرت قديمًا الجرائم المنظمة في عدد محدود من الصور ونطاق ضيق من التأثير كجرائم قطع الطرق والقرصنة البحرية والإغارات الجماعية، إلى أن أدى التقدم التكنولوجي إلى اتساع صور الجريمة المنظمة مثل تجارة المخدرات وغسيل الأموال والإتجار بالبشر والأعضاء والاتجار غير المشروع في الأسلحة والذخيرة والمتفجرات فضلًا عن الجرائم السيبرانية، وهو الأمر الذي أدى بالجريمة المنظمة أن تصبح خطرًا جسيمًا يهدد الأمن الوطني والدولي على السواء عبر نشر الرعب والفوضى والقتل من جانب، واحتكار الأسواق وسرقة الأموال والمنتجات من جانب آخر، علاوة على تزايد قدراتها على التجسس على الأجهزة الأمنية والسياسية والمالية والإدارية داخل الدول. 

وفي هذا السياق، أتاح الفضاء السيبراني لعصابات الجريمة المنظمة ساحة جديدة لممارسة جرائهما بشكل أكثر دقة وأقل تكلفة، بطريقة أدت إلى اتساع دورها وتزايد تأثيرها. ويمكن بلورة أهم استخدامات الفضاء السيبراني لدي عصابات الجريمة المنظمة في: (تحسين كفاءة العمليات – تأمين اتصالاتها – تجنيد أعضاء جدد – تبييض وغسيل الأموال)، إضافة إلى القيام بالجرائم الإلكترونية التي توفر قدرة أكبر على التخفي وتجاوز المسافات وأيضًا محدودية الأدلة المادية. 

الجريمة المنظمة في ظل جائحة كورونا:

قالت مديرة وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول) “كاثرين دي بول” خلال مقابلة مع وكالة فرانس برس في 28 مارس الماضي “أن الجريمة المنظمة ستوظف مخاوف الناس من جائحة كورونا لبيع منتجات دون المستوى المطلوب أو غير مطابقة للمواصفات، أو الاحتيال عليهم والاستيلاء على أموالهم عبر الإنترنت”، وأفادت المنظمة الأوروبية في تقرير لها أن أجهزة الشرطة حول العالم قد ضبطت 34 ألف قناع جراحي مزيف في عملية كبيرة استهدفت ما يسمى “مجرمي كورونا”، وأضاف التقرير: “كان المحتالون سريعين للغاية في تكييف مخططات الاحتيال المعروفة للاستفادة من المخاوف التي تراود الضحايا جراء تفشي الأزمة”.

وفي السياق ذاته، قال رئيس المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) “يورجن ستوك” ليورونيوز في 31 مارس الماضي، إن جائحة فيروس كورونا “أفرزت أساليب جديدة للجريمة”، لافتًا إلى أن جماعات الجريمة المنظمة عدلت أنشطتها للاستفادة من الأزمة الصحية العالمية. مشيرًا إلى عدد من التكتيكات التي تستخدمها هذه العصابات مثل التجارة بالمواد الطبية المزيفة كالأقنعة الواقية والمحاليل والمعقمات، وكذا التوسع في عمليات الاحتيال عبر الهاتف من خلال الاتصال ببعض الأسر وإبلاغهم بإصابة أحد أقاربهم بفيروس كورونا وحاجته للمال من أجل العلاج، علاوة على التوسع في عمليات القرصنة الإلكترونية من خلال الادعاء بأنهم مسؤولون في وزارة الصحة أو أطباء بطريقة تشجع الناس على فتح الملفات المرفقة بالرسائل الإلكترونية ونشر برامج إلكترونية خبيثة. 

وارتباطًا بذلك، قامت منظمة الإنتربول مؤخرًا بعملية “بانجيا 12” والتي تضمنت إجراء 121 عملية اعتقال في جميع أنحاء العالم ضد المبيعات غير المشروعة للأدوية والمنتجات الطبية عبر الإنترنت فاقت قيمتها 14 مليون دولار. وشاركت في هذه العملية أجهزة الشرطة والجمارك في 90 دولة. كما أفاد الإنتربول في بيان له “تم العمل على حوالي 30 قضية احتيال تتعلق بـفيروس كورونا بآسيا وأوروبا، مما أدى إلى حظر 18 حسابًا مصرفيًا وتجميد أكثر من 730 ألف دولار أمريكي في المعاملات الاحتيالية المشتبه فيها”.

ومن جانبه، قال “جيريمي دوجلاس” الممثل الإقليمي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ في 2 أبريل الجاري أن “جائحة فيروس كورونا المستجد ستسبب فوضى كبيرة وستؤثر على الحياة بطرق حقيقية وملموسة”. معتبرًا أن أحد الآثار التي لم تحظ باهتمام كبير هو “كيف يضر انتشارها بجهود الحكومات لمكافحة الجريمة المنظمة”.

الجريمة المنظمة: معادلة مختلطة من التكيف الاستغلال:

يمكن القول بشكل عام أن جائحة فيروس كورونا، ألقت بظلالها على كافة مناحي الحياة بطريقة أثرت بدورها على أداء وعمليات عصابات الجريمة المنظمة بطريقة إما دفعتها للتكيف مع المتغيرات الجديدة وإما أتاحت لها فرصًا إضافية للاستغلال والتوظيف وتحقيق مزيدًا من المكاسب، يُمكن توضيحها على النحو التالي:

  • تراجع وانخفاض في العمليات التقليدية:

شهدت مرحلة تفشي فيروس كورونا إجراءات استثنائية من قبل الدول المتضررة من الأزمة كوقف الاستيراد، وحظر الطيران، وخفض الإنتاج، وغلق الحدود، وفرض حظر التجوال والحجر الصحي، بمعني آخر اتجهت الدول إلى حالة إغلاق شبه تام. 

وهو الأمر الذي أدى إلى تغير في شكل وحجم عمليات عصابات الجريمة المنظمة المرتبطة بهذه الأمور مثل تراجع تجارة المخدرات ولاسيما التي تعتمد على مدخلات مستوردة، وكذا تراجع عمليات السطو المسلح وسرقة السيارات وغيرها. 

بعبارة أخرى، تؤدي القيود المفروضة على الحركة العامة وفرض الحجر الصحي إلى تقليل عدد الأهداف المحتملة لعمليات الاختطاف السريع للأفراد وسرقة السيارات والسطو عن المنشآت. ومن المتوقع أن يؤدي التأثير على سلاسل التوريد والبنية التحتية اللوجستية والاقتصاد العالمي الأوسع إلى تغيير ملحوظ في عمليات الجماعات الإجرامية المنظمة، كما يؤثر إغلاق الحدود والتأخير في نقل البضائع – عن طريق الجو والبر والبحر – سلبًا على تدفقات الإيرادات لعصابات الجريمة المنظمة، كما سيعيق انخفاض الإيرادات المرتبطة بالتباطؤ الاقتصادي قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على دفع رسوم الابتزاز التي اعتادت أن تدفعها للعصابات في بعض المناطق من العالم، مما يؤدي إلى أيضًا إلى انخفاض الإيرادات.

وفي هذا الصدد، لفتت الشرطة الإسبانية إلى انخفاض وصل إلى ما يقرب من 50% في الجرائم الجنائية مقارنة بالعام السابق، منذ أن وضعت البلاد في حالة إغلاق شبه تام في 14 مارس الماضي، كما أشار نائب مدير قوة الشرطة الإسبانية المدنية “لورينتينو سينا” إلى أنه “لا شك في أن الحجر المنزلي يجعل تنفيذ الجريمة أكثر صعوبة”. ومن جانبها، أعلنت السويد عن تراجع في عمليات السطو، وكذا اتجهت بعض الأنباء إلى انخفاض في مبيعات المخدرات في الشوارع بشكل كبير في العديد من البلدان منذ تفشي المرض جراء اغلاق الحدود وتقييد حركة السكان. 

  • تزايد الجريمة الإلكترونية:

أدت حالة الإغلاق التي اتجهت إليها بعض الدول إلى الاعتماد بشكل موسع على الفضاء السيبراني سواء في الاستخدامات الشخصية أو في أغراض العمل والدراسة، وهو نفس ما اتجهت إليه عصابات الجريمة المنظمة حيث اعتمدت على الفضاء السيبراني بشكل أكثر اتساعًا في الحدة والنطاق. ومن بين أبرز نشاطاتها في هذا الصدد التوسع في الاعتماد على الهندسة الاجتماعيةSocial Engineering، وكذا تزايد عمليات الاحتيال إما بانتحال صفة رسمية للحصول على بعض الأموال أو زرع برامج خبيثة، أو الادعاء بتوفير مواد طبية. 

وارتباطًا بذلك، أوضح “ريتش جاكوبس” الوكيل الخاص المساعد المسؤول عن فرع الجرائم الإلكترونية في مكتب التحقيقات الفيدرالي بنيويورك “وجود فئتان عريضتان من عمليات الاحتيال المرتبطة بتفشي كورونا”، “الاحتيال العام المرتبط بالتماس الأموال لأشياء مثل مجموعات الاختبار واللقاحات والعلاج”، أما الجزء الآخر هو “هجوم إلكتروني خالص، يتضمن رسائل بريد إلكتروني تصيدية ومواقع ويب مزيفة، تم تصميمها لتثبيت برامج خبيثة للوصول إلى للأجهزة أو الحسابات المصرفية”.

وفي هذا السياق، أوضح وزير الداخلية النمساوي “كارل نيهامر” أن: “هناك انخفاضًا في عمليات السطو والسرقة، لكن في الوقت نفسه هناك ازدياد في نسبة الجرائم الإلكترونية”. كما لفتت وكالة مكافحة الجريمة الوطنية البريطانية إلى إن المجرمين “باتوا يستهدفوا الأشخاص الذين يسعون لشراء الإمدادات الطبية عبر الإنترنت ويرسلون رسائل إلكترونية تتضمن دعمًا طبيًا مزيفًا وتحتال على الأكثر ضعفًا وشعورًا بالعزلة في منازلهم”. بينما في التشيك تم الإبلاغ عن هجوم إلكتروني على مستشفى جامعة برنو بطريقة أجبرت المستشفى على إغلاق الشبكة الإلكترونية بالكامل، وتأجيل العمليات الجراحية العاجلة، وتحويل المرضى إلى المستشفيات القريبة. 

  • استغلال حالة الخوف والارتباك التي نجمت عن تفشي كورونا:

عمدت عصابات الجريمة المنظمة على مدى عقود إلى نشر حالة الخوف والاستفادة منها، وكذا الاستفادة من حاجات الناس والمتاجرة فيها، لذلك، مثلت جائحة كورونا فرصة إضافية أمام عصابات الجريمة المنظمة لاستغلال حالة الخوف المرتبطة بتفشي الوباء، وكذا الاحتياجات اللازمة لمواجهته للقيام أنشطتهم الإجرامية، ومن المرجح أن تُشجع ندرة السلع الأساسية، نتيجة لاختلال اللوجستيات وحالة الذعر العام، الجماعات الإجرامية على الانخراط في سرقة البضائع – كوسيلة لإمداد العمليات القائمة أو لأغراض إعادة بيع السلع المسروقة التي يزداد الطلب عليها.

ومن المتوقع أن يستهدف الجناة البضائع المنقولة على طول الطرق السريعة الرئيسية وكذلك مستودعات التخزين والموانئ، إلا أن هذا النوع من النشاط الإجرامي لديه فرص أكبر للظهور في البلدان التي توجد بها مجموعات إجرامية متخصصة في سرقة البضائع، مثل المكسيك وفنزويلا والبرازيل وجواتيمالا وهندوراس والسلفادور.

ومن ناحية أخرى، حذرت الشرطة في بعض الدول المواطنين من المجرمين الذين يضعون أقنعة واقية ويدعون القيام بإجراء فحص لفيروس كورونا من أجل سرقة المنازل، خصوصًا تلك التي يعيش فيها مسنون. كما ظهرت سلسلة من حيل الخداع المتعلقة بالفيروس التاجي والتي انتحل فيها مجرمو الإنترنت هوية منظمة الصحة العالمية لنشر البرامج الضارة أو سرقة المعلومات الشخصية.

  • استغلال أزمة الشرعية، وتعزيز الحاضنة الشعبية:

يعد من بين الأمور الأكثر لفتًا للنظر في استغلال عصابات الجريمة المنظمة للأزمة المرتبطة بتفشي فيروس كورونا، هو استغلال أزمة الشرعية التي باتت مهددًا لعدد من الحكومات انطلاقًا من تواضع أدائها في مواجهة الوباء وتداعياته.

لذا، اتجهت بعض التحليلات إلى اتجاه هذه العصابات لتوفير الدعم المادي لبعض الشركات والأعمال المتضررة لضمان ولائها، وكذا اتجهت بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي للإشادة بدور هذه العصابات في فرض حظر التجوال الذي عجزت أجهزة الشرطة عن فرضه بالطريقة المناسبة في بعض المناطق في البرازيل والأرجنتين.

وبالنظر إلى التجارب التاريخية، يتضح أن عصابات الجريمة المنظمة استطاعت أن توظف وتستغل الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008 من خلال الاستيلاء على الشركات المتضررة ماليًا، فضلًا عن استغلال الضائقة المالية التي وقع فيها ملايين المواطنين جراء فقدانهم لوظائفهم إما بالضغط عليهم في أمور بعينها أو استغلالهم في القيام ببعض العمليات الإجرامية.

 وارتباطًا بذلك، قال المدعي العام الوطني لمكافحة المافيا في إيطاليا “فيديريكو كافييرو دي راؤو” في تصريحات أطلقاها في 31 مارس الماضي أن: “حيثما يكون هناك ضيق اجتماعي وصعوبات تفكر المافيا بالتغلغل”. وأكد أنه “في ظل حالات الطوارئ الراهنة، يكون مستوى حذرنا عند أقصى حدوده إزاء هذا النوع من العطايا الظاهرية، التي تحاول المافيا تقديمها للفقراء”، مبينًا أنه “ليست الفئات الاجتماعية الأكثر فقرًا هي الأكثر عرضة للخطر فقط، بل وكذلك الأعمال التجارية أيضا”.

ختامًا، يمكن القول بشكل عام أن الإجراءات الاستثنائية التي اتجهت الدول لتبنيها في أعقاب تفشي فيروس كورونا، قد ساهمت بشكل أو بآخر في تراجع الجرائم التقليدية وفقًا لبعض التحليلات، إلا أن تنظيمات الجريمة المنظمة استطاعت أن تبدي قدرًا من التكيف مع هذه المتغيرات مكنها من استغلال الأزمة وتوظيفها لتحقيق أهدافها والاستمرار في سلوكها الإجرامي. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى