كورونا

“كورونا” وتجديد الخطاب الديني.. الفرصة الذهبية

في الوقت الذي ينتظر فيه العالم العلاج أو اللقاح لفيروس “كوفيد-19″، حتى تستعيد الشعوب مرة أخرى حريتها وتستعيد الدول تنميتها، لا يزال الوضع العربي والإسلامي يئِن بسبب الخطاب الديني المتشدد الذي يعانيه جميع البلدان الإسلامية، في ظل المطالبات المستمرة التي ينادي بها القادة والسياسيون والمثقفون منذ عشرات السنوات من تقديم الصورة الصحيحة للشريعة الإسلامية وألا نترك الدين في يد جماعات متشددة بعيدة عن الدين وعن الأفكار الوسطية، لهذا كان من الطبيعي ظهور تنظيمات كالقاعدة وداعش والإخوان والسلفيين. كل هؤلاء يقدمون الدين بصورة تخدم مصالحهم وأهدافهم ولا ينظرون إلى المصلحة العامة؛ ولكن الأهم مصلحتهم وأهدافهم الخبيثة.

ولكن الآن بعد أن أخذ جميع الدول العربية؛ وفي مقدمتها مصر قرارات احترازية للحد من انتشار وباء كورونا، وأهم هذه القرارات هو غلق المساجد وتعليق صلاة الجمعة، أصبح أمام الجهات الدينية من الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء الفرصة الآن لتقديم الصورة الصحيحة عن الدين، إذ لم يعد هناك دعاة متشددون يحتلون منابر الزوايا والمساجد وتضييع الفرصة أمام أي خطاب وسطي يعبر عن الصورة الحقيقية للدين.

دعوة الرئيس السيسي

لا يترك الرئيس عبد الفتاح السيسي أية فرصة؛ سواء أكانت في احتفالات دينية أم المؤتمرات الرسمية إلا وكان تجديد الخطاب الديني أحد أهم المحاور الرئيسية في كلمته؛ للحد من انتشار التطرف والإرهاب وخطاب الكراهية الذي تبنته وروجت له التنظيمات الإسلامية وأصبح من سمات السنوات. وفي آخر خطاب للرئيس خلال مؤتمر الأزهر العالمي لتجديد الخطاب الديني في يناير الماضي، الذي ألقاه نيابة عنه رئيس الوزراء

الدكتور مصطفي مدبولي، دعا السيسي المؤسسات الدينية؛ وعلى رأسها الأزهر، إلى أن تولِي أهمية لتجديد الخطاب الديني، مؤكدًا أن التراخي عن الاهتمام بهذا الأمر من شأنه ترك الساحة لأدعياء العلم يخطفون عقول الشباب، ويدلسون عليهم أحكام الشريعة السمحة، وينقلون لهم التفسير الخاطئ للقرآن والسنة. وطالب الجميع بأن يكونوا على قدر التحديات التي تواجه الأمة، وعلى رأسها الإرهاب الذي يحول دون المضي قدمًا في مسيرة التقدم، مؤكدًا أن التجديد الذي نتطلع إليه ليس في ثوابت الدين ولا العقيدة ولا الأحكام التي اتفق عليها الأئمة، وأن ما ننتظره هو التجديد في فقه المعاملات ومجالات الحياة العلمية، وقال إنه من رحمة الله بنا أن شرع لنا أحكامًا ثابتة، وأحكامًا تتغير وَفقًا للتطور، وأن الفتوى تتغير من بلد إلى بلد، ومن عصر إلى

عصر، ومن شخص إلى شخص.

 ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي وضع الرئيس المؤسسات الدينية أمام رسالة التجديد والتطوير للأفكار الدينية؛ ولكن منذ أن جاء الرئيس إلى منصب الرئاسة في 2014 كان تطوير الخطاب الديني أحد الأهداف الرئيسية لبرنامجه الرئاسي، ففي يوليو 2014 قال الرئيس هناك مَن يقتلنا، وهم للأسف من حفظة القرآن الكريم، الإسلام هو دين الصدق والإتقان والسماحة، الخطاب الديني يتطور بالتطور الإنساني مع التسليم بثوابت الدين، وفي يناير 2015 وضع مصطلحًا جديدًا لأول مرة يعبر عنه رئيس عربي وهو “الثورة الدينية” عندما طالب الأزهر الشريف، إمامًا ودعاة، بتجديد الخطاب الديني والدعوة بالحسنى وتصحيح الأفكار والمفاهيم التي ليست من ثوابت الدين وتغيير المفاهيم الخاطئة.

كيف نستفيد من أزمة فيروس كورونا؟

تعاني مصر منذ عشرات السنوات اختلافات عدة في المنهج الشرعي على الرغم من وجود أهم مؤسسة دينية في العالم وهي الأزهر الشريف، ويرجع هذا الاختلاف منذ الأربعينيات بظهور جماعة الإخوان المسلمين التي كان لها الدور الأكبر في محاولة تغيير الحالة الوسطية للشعب المصري، ومن رحم جماعة الإخوان بدأت تظهر الجماعات السلفية وجماعات تحمل السلاح. وعلى الرغم من محاربة الدولة هذه الأفكار؛ فإنه كان هناك شبه تفاهمات بين الدولة وهذه الجماعات وظل الأمر هكذا حتى ثورة 30 يونيو التي كانت ضد الإخوان وكل ما يمثلها من أفكار إسلامية متطرفة، وكانت الرسالة الأهم في المسيرات الشعبية ضد حكم “المرشد” هي رفض الشعب المصري كل ما تمثله هذه الجماعة من أفكار وأن سياسة السمع والطاعة للمرشد لا تقدر الجماعة تطبيقها على الشعب، ومن هنا فهمت الدولة بعد 30 يونيو أنه لم يعد هناك حوار أو تفاهمات سرية أو علنية بين المنهج السياسي للدولة وهذه الجماعات بقيادة تنظيم الإخوان، وأن ثورة الشعب ضدهم أثبتت أن

هذه الجماعات مرفوضة تمامًا، ولهذا لجأ معظم هذه الجماعات إلى طريق الإرهاب وبث الفتنة في المجتمع. وعلى الرغم من تراجع الوجود الفعلي لهذه التنظيمات الإسلامية؛ فإن أثر أفكارها لا يزال موجودًا، ولهذا كانت دعوات التجديد لتصحيح هذه الأفكار الخاطئة هو الحل الأهم في سلسلة القضاء على الإرهاب والأفكار المتطرفة التي يظنها البعض موجودة في الشريعة الإسلامية وأنها الرؤية السليمة للدين؛ ولكن مع كل تقدم كان يظهر في الخطاب الديني كان يستطيع شيخ رجعي أن يعتلي المنبر في أية قرية أو مدينة ويغير ما

تحاول الدولة إصلاحه، لهذا كانت رقابة كل مَن يعتلي منبرًا هو أمر في غاية الصعوبة.

وعلى الرغم من أن جميع مؤسسات الدولة الآن تعمل بكل جهد لمحاربة فيروس كورونا ومراجعة الإجراءات الاحترازية المفروضة لحماية المواطنين؛ فإنه هناك فرصة حقيقية الآن أمام الدولة كي تبث الخطاب الصحيح للدين وأن تراجع جميع الأفكار المسمومة التي حاولت هذه الجماعات بثها للناس خلال العقود الماضية، الآن لا يخرج الشعب إلا في توقيتات ضيقة للغاية ولم يعد هناك شيوخ متشددون يعتلون المنابر، ومعظم الشعب يقضي وقته أمام شاشات التليفزيون وعلى مواقع التواصل الاجتماعي؛ فعلى كل مؤسسات الدولة وليس المؤسسات الدينية فقط أن تضع خطة كيف نستغل هذا الوقت في تغيير هذه الأفكار المضللة التي لا تمثل الدين ولا الشريعة في أي شيء وأن نقدم خطابًا للدين الصحيح مناسبًا للوقت ويقبل الآخر ولا يرفض الاختلاف ويسمح بالحوار.

الآن على الدولة أن تضع خطة تتبناها المؤسسات الدينية ويرعاها المثقفون وأصحاب الفكر في استغلال هذه الفترة عبر:

1- تقديم برامج تليفزيونية تخاطب العقول ولا تعتمد على لغة الأمر والطاعة.

2- تنظيم حوارات على مواقع التواصل الاجتماعي للوصول إلى الفئة الأكبر من الشباب.

3- حوار بين المثقفين والدعاة للوصول إلى مبادئ تنويرية متفق عليها بين الطرفَين.

4- عدم رفض أصحاب الديانات المختلفة وأن القيمة الحقيقية للإنسان دون النظر إلى الدين.

5- التجديد سمة رئيسية في كل شيء حتى الأفكار الدينية، ويتم تطويره حسب كل عصر.

تعاون الدول لإيجاد علاج لـ”كورونا”

بالنظر إلى ما يحدث الآن في العالم من التعاون للوصول علاج فعال لفيروس “كوفيد-19″، وأيضًا التعاون في أبحاث بين الدول في عمليات التجارب السريرية التي تشترك فيها مصر مع 47 دولة، وأيضًا عمليات التصنيع الكبرى التي تقوم بها الدول لإنتاج أكبر عدد من أجهزةالتنفس الصناعي لإنقاذ حياة المصابين، نرى الآن من الواجب توافر مبدأ أن الآخر لا يقف ضد الإسلام أو المسلمين وأن عند توافر الفرصة للتعاون يقوم الجميع بالتعاون معًا للوصول إلى علاج ينقذ حياة الإنسان، وأن المبدأ الذي يقوم بتقديمه المتشددون بأن دول العالم ما هي إلا دول صليبية أو استعمارية تريد أن تنهي على الدين الإسلامي ومن ثَمَّ أصبح هناك أيضًا خطاب عنصري من جماعات يمينية بالخارج تقدم خطابًا متطرفًا ضد الإسلام والمسلمين، وكان نتاج هذا الخطاب العام الماضي بالعملية الإرهابية ضد مساجد نيوزيلندا ومن بعدها ردت جماعات إسلامية متطرفة بعمليات إرهابية ضد مسيحي سريلانكا، وهنا كان التحذير الذي قاله الرئيس السيسي “إن هناك 1.6 مليار مسلم هيقتلوا الدنيا كلها التي يعيش فيها 7 مليارات عشان يعيشوا همَّ”، وبهذا التخوف الذي أعلنه الرئيس منذ سنوات علينا أن نستثمر  التضامن الإنساني في الكرة الأرضية للحماية من آثار فيروس كورونا؛ لتكون مرحلة التعاون واحترام الأديان والثقافات والحقوق الإنسانية وأن لا يكون هناك ما يفرق بين البشر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى