كورونا

ظلام “كورونا” يخيم على نيويورك.. والنظام الصحي يقاوم

نيويورك المدينة العالمية التي لا تنام أو كما يحلو لمحبيها تسميتها “التفاحة الكبيرة” تعاني هذه الأيام من أزمة غير مسبوقة تخطت كل التوقعات والحدود، حيث فاق حجم جائحة كورونا من حيث الأضرار الناجمة عنه الضرر الذي أصاب المدينة يوم 11 سبتمبر على جميع المستويات، حيث تفوق عدد الوفيات في نيويورك الناتجة عن الوفيات التي نتجت عن حادث 11 سبتمبر الإرهابي ، مسؤول بإدارة الطوارئ الوطنية بفرعها في نيويورك صرح لصحيفة “نيويورك تايمز” بأن عدد اتصالات الاستغاثة التي ترد يوميًا على رقم الطوارئ الشهير (911) فاق عدد الاتصالات التي وصلت لإدارته يوم 11 سبتمبر.

تعتبر ولاية نيويورك هي الأكثر تضررًا ضمن كل الولايات الأمريكية من فيروس كورونا حيث وصل إجمالي الإصابات فيها حتى لحظة كتابة التقرير ل83901 كما وصل عدد الوفيات المعلن عنها ل2219 أي أن ولاية نيويورك وحدها تجاوزت الصين من حيث عدد الإصابات وهو ما يدلل على حجم المأساة التي تعيشها الولاية العالمية.

نسب الإصابة بولاية نيويورك

يرصد هذا التقرير مجموعة من المشاهد التي من خلالها يمكن للقارئ فهم حجم المأساة التي تعيشها نيويورك.

منذ الأربعاء 1 أبريل، بدأت شاحنات المثلجات بالتحول للعمل كمشارح مؤقته للجثث انتظارًا لصدور قرار الدفن بعد أن امتلأت مشارح المستشفيات تمامًا، مما دعا السلطات لاتخاذ هذا القرار غير المسبوق.

حديقة “سنترال بارك” المعلم الشهير للولاية تحولت لمستشفى ميداني كبير لعدم كفاية سعة المستشفيات، بدورهم الأطباء وبسبب تدهور الوضع قام بعضهم بأتخاذ إجراءات احترازية إضافية وهي عدم معالجة أو مخالطة الحالات المتأخرة خشيتاً من انتقال الإصابة لهم وللأطقم الطبية المعاونة لهم.

هذه التحولات في طريقة تعامل الأطباء مع الموقف هي جزء من سلسلة من التغيرات التي تجريها المستشفيات يومياً بسبب هول الموقف والتي تضمنت عدة إجراءات غير مسبوقة، منها تأجيل كل العمليات الجراحية حتى الطارئ والعاجل منها، التخلي عن غرف العزل الفردية بسبب حاجة المستشفيات للأماكن المتاحة لاستقبال الحالات الجديدة ، كما طالبت إدارة المستشفيات عاميلها الذي اختفت لديهم أعراض الحمى بالعودة فوراً للعمل حتى قبل انتهاء ال14 يوم المقررين للعزل المنزلي وذلك بسبب النقص في مقدمي الخدمة الطبية في الولاية وكثرة حالات الإصابة.

الأسوأ من ذلك أن سياسة “عدم إنقاذ الحالات المتأخرة” والتي يتم العمل بها في الحالات القصوى فقط، تمت مناقشتها في عدد من المستشفيات وبين عدد من الخبراء الطبيين في الولاية. هذه السياسة تعني امتناع الأطباء من علاج الحالات المتأخرة والتي إنقطعت عن التنفس أو في حالة الوفاة السريرة، وقد تمت مناقشة هذه السياسة كجزء من خطة ” السيناريو الأسوأ” خلال الأسبوع الماضي.

مركز “مايمونيدس الطبي” الواقع بضاحية يروكلين بالولاية قال إنه وبشكل رسمي يناقش حاليًا مع الجمعيات المجتمعية والقادة الدينيين بالولاية لمعرفة مدى صحة تطبيق مثل هذه السياسة في ظل الظروف الراهنة لكن نفس المركز أشار إلى أنه لم يطبقها بعد.

وبالرغم من عدم وجود أي قرار رسمي بتفعيل مثل هذه الإجراءات القصوى والتي تعني انهيار المنظومة الصحية بالولاية إلا أن عدد من المستشفيات والأطباء بالفعل بدأ بتطبيقها بشكل غير رسمي خوفاً على أنفسهم، مع العلم أن أعلى مستوى للجائحة لم يحدث بعد حيث أشار الرئيس الأمريكي ترامب الأربعاء، أنه من المتوقع أن تصل جائحة كورونا لذروتها في الولايات المتحدة خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع القادمة.

وبالرغم من عدم مركزيتها، إلا أن هذه القرارات توضح فداحة الموقف، كما أنها انعكاس للواقع الذي يختبره العاملون بالقطاع الصحي بنيويورك كل يوم منذ بدء الأزمة، حيث سجلت الولاية عددًا كبيرًا من الإصابات بين العاملين بمجال الرعاية الصحية.

حتى على مستوى المعدات والجاهزية، ظهر بشكل جلي تفوق أرقام الإصابات على استعدادات الولاية لدرجة أن المستشفيات أضحت تضع كل مريضين مصابين بالفيروس على جهاز تنفس صناعي واحد، كما وجد نقص حاد في الأدوات الوقائية كالأقنعة والقفازات، لدرجة أن بعض الممرضات يستخدمن أقنعة طبية من صنع أيديهن.

“جودي جونزالس”، وهي رئيسة اتحاد الممرضين بولاية نيويورك، صرحت مطلع الأسبوع بأن ما تشهده مستشفيات الولاية “يشبه مشاهد ما بعد نهاية العالم التي نراها في الأفلام السنيمائية” ملخصةً المشهد العام بالولاية وفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز”.

بدوره أعلن حاكم الولاية “أندرو كومو” أن مستشفيات الولاية سواء الحكومية أو الخاصة، ستبدأ في العمل  كشبكة واحدة لتبادل ومشاركة الأطباء والممرضات وتوزيع الحالات فيما بين المستشفيات وفقًا لسعتها لتخفيف الحمل وتوزيعه فيما بينها، بجانب تبادل المواد والأجهزة الوقائية، أما “كين راسكي” رئيس اتحاد مستشفيات نيويورك والذي يضم 250 مستشفى ووحدة صحية بالولاية، فقال إنه يأمل بأن تشمل هذه الخطوة تبادل الأجهزة بالأخص أجهزة التنفس الصناعي والتي تعاني المستشفيات من نقص حاد فيها كما أنها أساسية للتعامل مع الحالات المصابة .

تجدر الإشارة إلى أن القانون يدعم توقف الطبيب عن إنقاذ مريض وإنعاشه عن طريق التنفس الصناعي أو عن طريق إنعاش القلب الرئوي حال عدم وجود جدوى أو استجابة طبية بعد استئذان أسرة المريض، لكن في هذه الحالة الجدلية لا يمكن استذان أهل المريض ويتوجب اتخاذ القرار بشكل لحظي وهو ما يثير جداً كبيراً في الأوساط الطبية في الولاية.

يقول الأطباء والممرضات المحاصرون في نيويورك، إن بعض المستشفيات وبشكل غير رسمي قد غيرت بالفعل كيفية تعاملها مع إنعاش الحالات الميؤوس منها والمتأخرة، مما أجبر الأطباء على اتخاذ قرارات على شاكلة “من يموت ومن يمكن إنقاذه وفي التو واللحظة”، بعض من الأطباء تحدوا الإجراء ورفضوا الانصياع لهذه التعليمات الجديدة، حيث يقولون إن القسم الطبي الذي أقسموه يتعارض تماماً مع سياسة “عدم إنقاذ الحالات المتأخرة” لأنه يتم دون أي معرفة من أهل المريض.

أما في “ولاية نيو جيرسي” المجاورة لنيويورك، فقد أمرت الإدارة الصحية المستشفيات من خلال مذكرة وزعت على كل المستشفيات، بألا يقوم الأطباء بإجراءات الإعاشة وإنقاد المرضى، إلا إذا كانوا صغاراً بالسن أو يوجد أمل في شفائهم وهو ما رفضه عدد من الأطباء كذلك.

المعطيات السابقة تشير لفداحة الموقف وهوله أمام أحد أهم الولايات الأمريكية على الإطلاق بل أحد أهم مدن العالم وأشهرها وهي نيويورك، فقد أضحى انهيار القطاع الصحي وشيكًا لدرجة كبيرة ويمكن التدليل على ذلك من خلال شهادات الأطباء والممرضات داخل مستشفيات الولاية، يكفي الإشارة إلى أمر أصدرته الإدارة العناية المركزة بالولاية بالامتناع عن إدخال أي حالات للعناية المركزة وذلك بسبب قلة الإمكانات والغرف المتاحة كما الحاجة لأجهزة وحدة الرعاية المركزة لمعالجة باقي المرضى كأجهزة التنفس الصناعي.

نسب الوفيات بولاية نيويورك باليوم 

لا أحد يعلم ماذا يمكن أن يحدث خلال الأسابيع القادمة في نيويورك، لكن من المتوقع أن تصل جائحة كورونا في الولايات المتحدة إلى أوجها في الأسبوعين القادمين. وإذا ما صحت التوقعات سيكون مصير نيويورك التي تعاني بالفعل، ربما يتجاوز عدد الوفيات فيها إيطاليا التي تتفوق على نيويورك بما يقرب من 10 ألاف حالة وفاة، وقد تتفوق عليها في معدلات الإصابة فالفارق ليس بكبير  “30 ألف مصاب”، لكن معدل الإصابة وسرعة انتشار الفيروس في نيويورك أكبر من معدلاته في إيطاليا حاليا، فقد سجلت إيطاليا يوم أمس الأربعاء 4782 حالة إصابة جديدة بينما سجلت نيويورك 8115 حالة إصابة في نفس اليوم.

في تصريحات خاصة لها لصحيفة “واشنطن بوست ” قالت “شيرون جونزاليس” رئيسة إتحاد العاملين بالتمريض بمدينة مونتيفيوري بولاية نيويورك “أنها بنفسها منعت ممرضات من الإنتحار”، بسبب الهلع والخوف وهول اللحظة الراهنة، في شهادة منها على ما وصل له الوضع في الولاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى