كورونا

لماذا ألمانيا الأكثر قدرة أوروبيا على مواجهة جائحة كورونا؟

تعد ألمانيا الدولة الأوروبية الأكثر تفوقًا في مواجهة فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19″، ولعل ما يدلل صحة هذا الفرض هو الإجراءات المتخذة من قبل الحكومة الألمانية، وسرعة الاستجابة لمواجهة هذه الأزمة والتي أدت إلى انخفاض عدد حالات الوفاة مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى. وقد عبرت المستشارة الألمانية في كلمة سابقة لها على أن السلوك الألماني كان العامل الأكثر فعالية في كبح معدلات الإصابة بهذا الوباء، لذا سنحاول في هذا العرض فهم طبيعة إدارة الأزمة من قبل الدولة الألمانية، من خلال الإجراءات المتبعة لمواجهة هذا الوباء العالمي على كافة المستويات، وآخر الاحصاءات التي شهدتها ألمانيا مقارنة بكل من إيطاليا وإسبانيا.

تطورات فيروس كورونا في ألمانيا

وفقًا لآخر الإحصاءات الخاصة بالدولة الألمانية، فإن معدل الإصابات في ربوع ألمانيا ونسبة الوفيات جراء فيروس كورونا المستجد، بلغ مستويات ضعيفة ومتدنية بالمقارنة مع إيطاليا وإسبانيا اللتين تتصدران قائمة دول العالم في نسبة الإصابات والوفيات.

وفقا لرؤية بعض الأطباء في ألمانيا، فإن السبب وراء انخفاض الوفيات مقارنة بالمصابين يعود إلى إجراء عدد كبير من الاختبارات المعملية والاستعداد المبكر لمواجهة حالات الطوارئ، حيث قام فريق للطبيب كريستان دروستن فى مجال الفيروسات بإجراء أول اختبار للفيروس الجديد في مستشفى Charité في برلين، وتوصل إلى أن ألمانيا قادرة على إجراء 500 ألف اختبار أسبوعيًا، بينما إيطاليا 200 اختبار وإسبانيا ما بين 105-140 ألف كل أسبوع.

طريقة إدارة الأزمة من قبل الحكومة الألمانية

C:\Users\hesham\Desktop\milan.jpeg

اتخذت الحكومة الألمانية عددًا من القرارات لمواجهة فيروس كورونا المستجد على كافة المستويات كما يلي:

أولا: على المستوى الصحي:

تتمتع الدولة الألمانية بنظام صحي كفء، فهناك أكثر من 28000 سرير للعناية المركزة، وعدد كافٍ من أجهزة التنفس داخل المستشفيات، كما تعمل الحكومة في ألمانيا على زيادة هذه الأعداد كإجراء احترازي في حالة سرعة انتشار العدوى. كما أن هناك اهتمامًا من جانب الحكومة الألمانية بالميزانية المخصصة للقطاع الصحي؛ ضمانًا لتوفير الرعاية الصحية للمواطنين، حيث تقدم وزير المالية الألماني “أولاف شولتس” بالميزانية التكميلية للبرلمان في 25 مارس 2020 بهدف تمويل التدابير اللازمة للتعامل مع الأزمة بمبلغ 122.5 مليار يورو، كما نص قانون المستشفيات رقم 19 على زيادة تمويل المستشفيات حتى نهاية سبتمبر، لتتلقى المستشفيات تمويل مالي قدره 560 يورو لليوم عن أي سرير مجانًا، ومبلغ 50000 يورو لكل سرير إضافي للعناية المركزة، إضافة إلى 50 يورو لكل مريض.

أيضا سيتم رفع رسوم التمريض المؤقتة بمقدار 38 يورو إلى 185 يورو يوميًا، كذلك التكفل بالتدابير الاستثنائية مثل إنشاء عيادات خارجية للمرضى المصابين بالحمى، إضافة إلى تعديل قانون التدريب الاتحادي للشباب المتدربين الذين يساهموا في تخفيف الضغط على النظام الصحي. 

ثانيا: على المستوى الاجتماعى

حظرت ألمانيا التجمع للمجموعات المكونة من ثلاثة أفراد أو أكثر في الأماكن العامة، وتراقب الشرطة وتعاقب أي مخالف هذا، كما أغلقت المدارس حتى 24 أبريل والمحلات التجارية والمسارح ويسمح للمطاعم فقط بفتح أبوابها لخدمة الوجبات الجاهزة، بينما تطبق جميع القيود على كل المقاطعات الألمانية، وحثت المواطنين على الحفاظ على مسافة لا تقل عن 1.5 متر بين الشخص والآخر في الأماكن العامة.

عملت الدولة على حماية كبار السن وحظرت الزيارات لهم، حيث تشكل نسبتهم 7% من السكان، ويبلغ متوسط عمر المصابين منهم 46 عامًا. أيضًا تم إجراء اختبارات مبكرة لعدد من الشباب فكانت أحد العوامل الهامة التي ساعدت في انخفاض عدد الوفيات في ألمانيا.

ثالثا: على المستوى التعليمى

أغلقت ألمانيا عددًا من الجامعات، وقامت بتأجيل بداية الترم الصيفي حتى 20 أبريل 2020 وخاصة في مناطق بافاريا وبادن فورتمبيرغ، ويحظر على أي شخص دخول التعليم العالي في بافاريا لمدة 14 يوم، وأعلنت الهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي “German Academic Exchange Service” وقف المنح الدراسية لهذا الترم الصيفي 2020، وتقديم الدعم للطلاب الذين حصلوا على منح دراسية في ألمانيا ولم يستطيعوا العودة إلى بلدانهم، إضافة إلى إلغاء الدورات الصيفية لعام 2020.

رابعا: على المستوى العلمى

يهدف العلماء في ألمانيا إلى زيارة 500 أسرة ورياض الأطفال والمستشفيات لدراسة كيفية انتشار العدوى من خلال التعاملات اليومية عن طريق الهاتف أو مقابض الأبواب أو الأكواب وأجهزة التحكم عن بعد الخاصة بالتلفزيون أو من الأطفال للكبار، وهل ينتقل عبر أنواع معينة من الطعام أم لا، بهدف التوصل إلى كيفية التحرك بحرية في البيئة المجتمعية.

خامسًا: على المستوى الاقتصادي

دعمت الحكومة المشروعات الصغيرة التي تأثرت اقتصاديًا جراء هذا الوباء، واعتمدت برنامجًا اقتصاديًا في 23 مارس قيمته 50 مليار يورو، وأنشأت صندوق لتحقيق الاستقرار الاقتصادي لضمان سيولة الشركات القادرة على المنافسة قبل انتشار الوباء، ومن المقرر إقرار بدل عمل قصير الأجل لدعم الموظفين، إضافة إلى استحقاقات الأطفال التكميلية لفترة محدودة للأسر التي تضرر دخلها من الأزمة، وحماية المستأجرين غير القادرين على سداد الأقساط في الوقت المحدد لهم. إضافة إلى تبسيط إجراءات العمل لوقت قصير لدعم الموظفين، ودعم المستشفيات والعيادات الخاصة، كما وافق مجلس الوزراء على تعويض خسائر الايرادات والحد من الروتين.

سادسًا: على المستوى الخارجى

قدمت ألمانيا مساعدات طبية لإيطاليا ولفرنسا، حيث استقبل عدد من الولايات الألمانية بعض حالات مرضى العناية المركزة التي تشكل ضغطًا على النظام الصحي في إيطاليا، وصدرت موافقات لأكثر من 70 شخص في إيطاليا وأكثر من 50 شخص في فرنسا. كما قدمت ألمانيا في 19 مارس7 أطنان من إمدادات الإغاثة لإيطاليا، بما في ذلك العديد من أجهزة التنفس الصناعي والأقنعة الواقية وغيرها من المستلزمات الطبية، فضلا عن ذلك تم تسليم معدات حماية إلى سويسرا والنمسا ورومانيا والسويد.

وساهمت الحكومة الألمانية كذلك في عودة المواطنين الأوروبيين العالقين إلى أوطانهم حول العالم، ويسافر في المتوسط 17 مواطناً من الاتحاد الأوروبي على متن كل رحلة طيران تسيرها الحكومة الألمانية. كما أن رحلات منظمي الرحلات السياحية المدعومة من وزارة الخارجية الألمانية متاحة أيضًا لمواطني الدول الأخرى، إضافة إلى ذلك قيام طائرات سلاح الجو الألماني بنقل مرضى من إيطاليا وفرنسا لعلاجهم في ألمانيا.

ختامًا يمكن القول إن التضامن بين كافة مؤسسات الدولة في ألمانيا، إضافة إلى الالتزام والوعي المجتمعي وسرعة الاستجابة العلمية لمواجهة الفيروس هي عوامل مهمة ساعدت ألمانيا على احتواء الأزمة سواء بالداخل الألماني أو في تقديمها مساعدات إلى دول أخرى، وهو ما يدفع إلى ضرورة التنسيق العلمي الألماني المصري بهدف الوصول إلى علاج لهذا الوباء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى