كورونا

مستقبل النظام العالمي بعد أزمة كورونا والسيناريوهات المتوقعة

بدأت العديد من مراكز الأبحاث تتحدث عن مستقبل النظام العالمي بعد أزمة كورونا، باعتبار أن هذه الأزمة هي حدث مفصلي لدول العالم، وسيترتب عليه العديد من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المحتملة، ويأتي على رأسها أن العالم مقدم على أزمة اقتصادية كبيرة، وتأثر العديد من القطاعات بهذه الأزمة، ويأتي على رأسها شركات السياحة والطيران وتراجع التبادل التجاري بين الدول، فضلا عن تأثر البورصات العالمية وتراجع سعر الطاقة وإحداث تغير في سعر العملات، وهو ما يتطلب التساؤل: هل نحن فعلا أمام نظام عالمي جديد، وما هي طبيعته؟:

بداية، يصعب القول إن النظام العالمي الحالي هو إحادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية أو أنه نظام متعدد الأقطاب بين أمريكا والصين وروسيا وألمانيا وفرنسا، ولكن التوصيف الأدق للنظام العالمي الحالي أنه منذ ظهور الصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية، وعودة روسيا سياسيًا وعسكريًا، يمكن القول إن النظام العالمي يمر بفترة صراع بين كل الكتل وهم أمريكا وبريطانيا من ناحية والصين وروسيا من ناحية ثانية وفرنسا وألمانيا اللتين عادتا بالتدريج للعب دور سياسي وأمني في العديد من الملفات الدولية وخاصة في المنطقة العربية فضلا عن سعيهما لبناء جيش أوروبي قوى في مقابل حلف الناتو.

أثناء فترة الصراع، تكيفت هذه القوى ولجأت لتحالفات منها المعلن مثل ما بين الصين وروسيا أو ما بين أمريكا وبريطانيا أو ما بين فرنسا وألمانيا، وبالتالي شهدنا تحالف استراتيجي بين الصين وروسيا بعد تعرض الأخيرة لعقوبات من أمريكا والاتحاد الأوروبي بسبب ضمها لجزيرة القرم وموقفها من سعي دولة أوكرانيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقد كان موقف هذه الدول تجاه روسيا لإضعافها اقتصاديا وبالتالي التأثير على نفوذها السياسي في دول العالم.

وقد كان الهدف من تحالف أمريكا مع بريطانيا هو إضعاف أمريكا للاتحاد الأوروبي وللحيلولة دون تقويته عسكريًا كما كانت ترغب ألمانيا وفرنسا، ولذا شجعت أمريكا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبناء عليه توقع العديد من المحللين أن ثورة فرنسا كانت بسبب سعي الرئيس الفرنسي إلى تبني سياسة فرنسية مستقلة، وعودتها كقوة كبرى في النظام العالمي وبالأخص سعيها لبناء جيش أوروبي موحد، مما يمهد للانسحاب من حلف الناتو والخروج من عباءة الهيمنة الأمريكية.

وتتمثل نتيجة فترة الصراع في فشل هذه القوى في فرض طبيعة للنظام العالمي، بل ساد التنافس بين الدول والإصرار على استنزاف بعضهم البعض، وإطالة فترة الصراع لإضعاف كل طرف للآخر، مما ترتب على ذلك إنهاك لميزانيات دول العالم، بسبب الصراع على النفوذ في العديد من مناطق العالم وعلى رأسها المنطقة العربية، التي لم تنجح أي دولة في بسط نفوذها عليها بالكامل أو تقسيم النفوذ فيما بينهم، الأمر الذي ترتب عليه تراجع النمو الاقتصادي في كل دول العالم فيما عدا الصين، التي استطاعت أن تتقدم اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا، وقدّمت استراتيجيتها الحزام والطريق للتعاون مع العديد من دول العالم.

حصيلة فترة الصراع، أن كل الدول الكبرى متمسكة بضرورة احتلال مكانة في النظام العالمي حتى لو ترتب على ذلك خسائر للدول الأخرى المنافسة لها، فألمانيا تحالفت مع روسيا لمد خط أنابيب للغاز (السيل الشمالي) ضد المصلحة الأمريكية التي كانت ترغب في إمداد أوروبا بالغاز الأمريكي رغم ارتفاع سعره عن الغاز الروسي، ورغبة في فرض نفوذها على القارة الأوروبية ولذا اتجه الاتحاد الأوروبي ليكون شريكا معها في المشروع لوقف نفوذها، أيضا سعي أمريكا لتأجيج الصراعات في الدول التي تم اكتشاف البترول والغاز فيها للسيطرة على حجم الكميات المصدرة للصين للتحكم في التنمية الاقتصادية فيها والنيل من نفوذها في النظام العالمي.

وقد كانت أزمة انتشار فيروس كورونا اختبارًا لطبيعة النظام العالمي التي تتسم بالصراع وعدم وضوح هيكله، وقد كانت المفاجأة بأن إعلام الدول الغربية وظف الأزمة بما يخدم الصراع بين القوى الكبرى، وأصبح “الكل ضد الكل”، فضلا عن أن أزمة كورونا لم تعكس التحالفات بين الدول في مواجهتها، فلم تساعد أمريكا حليفتها بريطانيا كما لم تساعد ألمانيا وفرنسا بعضهما البعض ولكن كان ثمة تعاون بين الصين وروسيا في هذه الأزمة.

يمكن القول إن استمرار الصراع بات مستحيلًا الآن، وأن ضرورة الاتفاق بين الدول باتت أيضًا أمرًا ملحًا؛ لأن الأزمة سوف تظهر بتداعياتها من الأزمات الاقتصادية المتوقعة والتي باتت ظاهرة للعيان والتي حاولت كافة حكومات العالم إخفاءها أو إعلانها للشعوب، ولأن العالم بعد أزمة كورونا سوف يشهد كشف حسابات من الشعوب للأنظمة على سوء إدارتها لأزمة كورونا وانكشاف حقيقة القوة التي ادعتها هذه الأنظمة أمام شعوبها ووهم دولة الرفاه، يمكن توقع عدد من السيناريوهات عن طبيعة النظام العالمي منها:

السيناريو الأول: إطالة الوضع الراهن وهو تزايد انتشار الفيروس دون انحساره

لأن استمرار انتشار الفيروس من وجهة نظر الحكومات سوف ينهك الشعوب سواء خوفًا من الإصابة وقربها من كل فرد على حده أو فقد الأقارب والأصدقاء والجيران وما سيستتبعه من ألم نفسي كبير، ومن ثم تعجيز الشعوب أمام المرض وظهور الحكومات بمظهر المنقذ للوصول لحلول من خلال البحث العلمي لاكتشاف علاج أو مصل، ولذا سوف تلجأ الحكومات إلى إنهاك الشعوب بالمرض لحين ظهور مؤشرات تطمينية للحكومات بعدم قدرة الشعوب للدخول في ثورات ضدها أو المطالبة بسقوط الحكومات في الأنظمة البرلمانية، فضلا عن محاولة الدول للوصول إلى تفاهمات بين الدول الكبرى لإدارة الأزمة الاقتصادية الموجودة والتي تفاقمت بعد أزمة كورونا، وسوف يستمر النظام العالمي في مرحلة الصراع كما هو.

السيناريو الثاني: مراجعة الشعوب لطبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية الحالية:

فقد ظهر أمام الشعوب أن أزمة من شأنها اسقاط اقتصاديات دول فضلا عن انهيار اقتصادات الدول التي تعتمد على القطاعات الخدمية، وخاصة التي تعتمد على قطاع السياحة وما يتعلق بها من قطاعات خدمية أخرى مثل الطيران المدني ووسائل النقل النهرية والبحرية، وبالتالي سيكون ضغط الشعوب لصالح تنويع مصادر دخل هذه الدول، فضلًا عن الاهتمام بالمنظومة الصحية والتعليمية والتكنولوجية، بالإضافة إلى أن مكونات الأنظمة السياسية كان أداؤها متخاذلًا، وخاصة السلطات التشريعية والأحزاب السياسية في حين أدى المجتمع المدني دورًا تكافليًا جيدًا في العديد من الدول مما سيزكي دوره في هذه الدول، وسوف يستمر النظام العالمي في مرحلة الصراع كما هو.

السيناريو الثالث: سيناريو الفوضى في العديد من دول العالم

أن تثور العديد من الشعوب على أنظمتها وحكوماتها المتخاذلة، ومن المحتمل أن يحدث ذلك في الدول التي شهدت نسب إصابة عالية وكذلك نسب وفيات أعلى مثل أمريكا وفرنسا وألمانيا وأسبانيا وإيران وتركيا وإسرائيل، وبالتالي يتم إدارة هذه الثورات بالشكل الذي يضمن عودة الاستقرار في هذه الدول المنهكة اقتصاديًا وأمنيًا، وبما يعيد تشكيل النظام العالمي من خلال ما تبقى لهذه الدول من مقدرات للقوة الشاملة لدولها، وقد ينتج عن هذه الفوضى نظام متعدد الأقطاب لخروج كل الدول منهكة من هذه الفوضى.

السيناريو الرابع: سيناريو التفاوض بين القوى الكبرى

هذا السيناريو من المتوقع أن يكون دائرًا الآن، خاصة وأن مؤشراته كانت واضحة قبل أزمة كورونا، فقد كانت هناك مفاوضات بين أمريكا وروسيا على نفوذهما في منطقة الشرق الأوسط، ومفاوضات بين الصين وأمريكا حول دورهما الاقتصادي في النظام العالمي، ومفاوضات بين ألمانيا وفرنسا وأمريكا وروسيا والصين حول تقسيم النفوذ في شمال أفريقيا وأفريقيا، وكانت البداية بمؤتمر برلين الخاص بالقضية الليبية، وكما يبدو أن هذه المفاوضات لم تصل لتسويات بين القوى الكبرى بعد، بدليل استمرار القتال في كل مناطق النفوذ وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، ومن ثم من المحتمل الدخول في مرحلة أخرى من الصراع في المنطقة أكثر شراسة لحين استسلام قوى وخروجها طواعية من هذه المناطق ولعل إعلان فرنسا سحب قواتها من العراق بسبب حربها لفيروس كورونا أحد المؤشرات على نجاح أمريكا وروسيا في تقليل نفوذ الدول الأوروبية كمرحلة أولى في المنطقة، وهذا السيناريو سوف يأخذ وقتًا أكبر واستنزافًا لمقدرات الدول، وسوف يستمر النظام العالمي في ظل هذا السيناريو في مرحلة الصراع الحالية.

السيناريو الخامس: سيناريو إدارة العالم تكنولوجيا

يبدو أن هناك تجهيزات لهذا السيناريو والتي بدأت مؤشراتها تتضح من نجاح الصين في إدارة أزمتها مع فيروس كورونا من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي التجربة التي لم تشهد باقي دول العالم مثيلًا لها، مما زادت نسب الإصابة بأعداد تخطت أعداد الإصابة في الصين، وهذا ما يطرح أمامنا فكرة المقابلة بين الحكم الرقمي من خلال التكنولوجيا والحكم الديمقراطي الليبرالي من خلال المؤسسات المتعارف عليها من أحزاب وبرلمانات والتي ثبت فشلها في إدارة الأزمة، فضلًا عن سعي شركات التكنولوجيا الكاسب الوحيد في هذه المعركة في الترويج لأهمية لجوء الإنسان لاستخدام التكنولوجيا لتحقيق أمنه Stay Safe واستخدام الروبوت الذي قام بدور التطهير للهواء المحمل بالفيروسات في الصين، والدرونز التي قامت بمراقبة المواطنين ومدى التزامهم بالإجراءات الاحترازية، وبالتالي ترسخ في أذهان المواطنين القبول بالمراقبة على حساب حرياتهم الشخصية في مقابل أمنهم الشخصي (الحرية مقابل الأمن).

كما يتم الترويج من قبل هذه الشركات لقبول المواطنين بديكتاتورية التكنولوجيا، سواء في دول العالم الليبرالي الذي انكشف أمام المواطنين بادعاء اعلائه للقيم الإنسانية والحريات الشخصية والتي ثبت زيفها، وعجزهم عن انقاذ كافة المواطنين وتقديم الخدمات للجميع على قدم المساواة، أو في الأنظمة الشمولية التي من خلال إدارتها لأزمة كورونا أثبتت أن الإنسان هو الأولوية الأولى لديها، وسخرت كل مقدراتها وعلى رأسها التكنولوجيا للحفاظ على حياته وعودتها إلى طبيعتها، والذي اعتاد بطبيعة أنظمته على الديكتاتورية ومن ثم فهو سيقبل بديكتاتورية التكنولوجيا والآلة طالما تحافظ على حياته وتحقق له أمنه.

فضلا عن تحرك شركات التكنولوجيا (الحاكمة للعالم في المستقبل القريب) على تشجيع العمل من المنزل الذي أصبح أكثر أمنًا للإنسان، وقد رسخت هذه الفكرة من خلال الترويج لجملة Stay Home، فضلا عن أن شركات الانترنت ستروج لهذا التوجه من خلال التركيز على مميزات العمل من المنزل من تقليل للمجهود في المواصلات والحفاظ على الصحة وزيادة الإنتاجية والدخل من خلال توفير زمن الذهاب للعمل، ولذا تجني هذه الشركات المزيد من المكاسب من وراء تحول المواطن إلى “المواطن الرقمي” القابل لتنفيذ الأوامر.

أصبح هناك اتجاه تروج له شركات التكنولوجيا بضرورة إدارة الأزمات بالتعاون بين المؤسسات المدنية والعسكرية؛ تمهيدًا لتغيير الصورة الذهنية عن دور المؤسسات العسكرية، وقد يكون توجه لانتفاء دور الجيوش في المستقبل وإحلال جيوش إلكترونية محلها.

ولذا يمكن القول، أن التنافس الآن بين شركات التكنولوجيا في الدول الكبرى لأنها القادرة الآن على تحقيق المكاسب عن غيرها وحل العديد من الأزمات الاقتصادية لدى الدول الكبرى، ولكن من المتوقع أن يكون هناك مفاوضات أخرى بين هذه الشركات العملاقة على توزيع حصصها في أسواق العالم المختلفة وما سيتبع ذلك من مكانة الدول في النظام العالمي، وبالتالي طبيعة النظام العالمي القادم ومن ثم فإن مكانة الدول في النظام العالمي سيكون بناء على قدراتها التكنولوجية وتحولها رقميًا لإدارة الدولة بمفهوم جديد.

وأخيرًا 

يمكن القول أن كافة السيناريوهات مرجحة للحدوث حسب إدارة كل دولة لوضعها الحالي وكيفية احتواء الشعوب من عدمه، ولكن يعد السيناريو الأخير هو السيناريو الأكثر ترجيحا للحدوث؛ لأن العالم سوف يتحول لعالم تحكمه التكنولوجيا، وستتحدد مكانة الدول حسب قدراتها في الاختراع والابداع عن غيرها من الدول مما يمكن توقع أن يستمر الصراع مستمرًا في هذا المجال بين الدول، وتعد الصين الدولة الأكثر تقدمًا فيه، فضلا عن قدراتها التكنولوجية والاقتصادية التي تؤهلها لاعتلاء المكانة الأعلى في النظام العالمي، ولكن هذا ما سيقود لحروب أكثر شراسة مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي سيكون منها بالوكالة أو بشكل مباشر لوقف تقدم الصين وتفرض أمريكا هيمنتها على النظام الدولي من خلال شركاتها التكنولوجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى