كورونا

نحرك أسطولنا من أجلك .. مصر تنفذ أكبر عملية إجلاء لرعاياها في الخارج

عادة ما يشكل رعايا الدول في الخارج تحدياً كبيرًا لها في خضم الأزمات بمختلف أنماطها، كالأزمات الدبلوماسية والسياسية والتهديدات الإرهابية واندلاع الحروب وتفشي الأمراض والأوبئة، كما تعد اختبارًا للقدرات اللوجستية والنقل التعبوي الاستراتيجي خارج الحدود، وقبلهم يجئ اختبار جدية القرار السياسي، وصدقية تبني الدول للقيم التي تستند إليها في الحرص علي أمن وصحة مواطنيها دون الالتفات لأية اعتبارات مادية.

وعليه، مثلت أزمة تفشي وباء كورونا المستجد منذ ديسمبر الماضي، وانتقاله من البر الصيني الرئيسي لأكثر من 177 دولة ومنطقة بالعالم، وتحويله أوروبا لبؤرة جديدة لتفشي الوباء؛ تحديًا إضافيًا للدولة المصرية التي باتت تعالج العديد من التحديات والتهديدات بطول جميع اتجاهاتها الاستراتيجية لأول مرة في تاريخها المعاصر.

 كما رفع زيادة انخراط مصر في منظومة العولمة وبنية الاقتصاد المعولم من سقف التحدي المصري ولاسيما بعدما ساهمت العولمة وعبر تقنيات النقل الحديث والسفر حول العالم وتقاسم انتاج السلعة الواحدة عبر أقاليم متخلفة، وتموضع مصر كنقطة ترانزيت لغالبية مسارات الرحلات الجوية القادمة من أوروبا للشرق الأقصى والأوسط، وإفريقيا، فجاءت الاستجابة المصرية لذلك التحدي مغايرة بعض الشئ عما اتسمت به طريقة استجاباتها لمخاطر مثيلة. فكيف جاء ذلك؟

الإجلاء المبكر

تعاملت الصين مع أزمة تفشي الوباء قبل شهري ديسمبر ويناير الماضيين، بالكثير من التكتم، حيث باتت تتعامل من منطلق القوى العظمي صاحبة القدرات الدفاعية القادرة على احتواء الأزمات دون اللجوء لمساعدة الغرب المناوئ لها ولمشروعها الحضاري، إلا أن شهر يناير الماضي شهد تسجيل وتيرة متسارعة للإصابات والوفيات بالفيروس في بؤرته الأولي، مدينة ووهان، عاصمة الصناعات العسكرية الصينية.

 وهو ما دفع بتبادل الشجب والادانات بين بكين والعواصم الغربية التي انتقدت عبر قنواتها الصحافية والرسمية سبل تعامل الصين مع الأزمة، ما دفع الأخيرة بتبني سياسات أكثر قمعية للوباء والصحفيين الأجانب.

في هذه الأثناء وتحديدا الثاني من فبراير قررت القيادة المصرية إجلاء كافة المصريين المقيميين في مدينة ووهان التي ضمت نحو 350 مصرياً يعمل غالبيتهم في البحث العلمي، لتصبح أول دولة بالعالم تقوم بعملية إجلاء رعاياها من البر الصيني، كما جاءت طريقة تنفيذ خطة الإجلاء لتراعي الجوانب الاحترازية لمجابهة الفيروس فكلفت السفارة المصرية في بكين، كوادرها بتجهيز نحو 20 حافلة في عدد من الجامعات في ووهان لتقل المصريين العالقين.

 كما وجه الرئيس السيسي بتحمل الدولة كافة نفقات إجلاء المصريين من مدينة ووهان الصينية، واستكمالاً للإجراءات الاحترازية للحد من تفشي الوباء، دخل كافة العائدون من الصين مطلع فبراير الماضي، لحجر صحي مدة 14 يوماً في مستشفي النجيلة بمحافظة مطروح، بعد أن حطت طائرة الإجلاء التابعة لأسطول مصر للطيران في مطار العلمين غربي البلاد. 

الغرب يتخبط .. والدفع مقابل الإجلاء

على الرغم من عدم تصدر مصر وحدها لمشهد إجلاء رعاياها، حيث نفذت العديد من دول العالم عمليات اجلاء لمواطنيها، إلا أن اللافت كان انتهاج الحكومات الغربية ولاسيما البريطانية والأمريكية لأسلوب يُقدم الاعتبارات المادية على التأمين والحفاظ علي رعاياها بالخارج. 

حيث نظمت الخارجية الأمريكية رحلات إجلاء رعاياها من المغرب، ونوهت علي ضرورة تحمل الرعايا ثمن التذكرة البالغ حوالي 1500 دولار، أما السفارة البريطانية في الرباط، فقالت على تويتر إنّ “كل الرحلات المرتقبة، محجوزة تماماً، نحاول البحث عن حلول”.

أما في الكويت، فقد طالبت السفارة البريطانية من رعاياها العالقين مما لا يملكون مالاً، السعي للحصول عليه من الأصدقاء أو من الجمعيات والهيئات الخيرية مثل بيت الزكاة أو جيش الخلاص.

 أثارت التغريدة التي حذفتها السفارة البريطانية لاحقًا جدلًا واسعًا وسط اتهامات الجالية البريطانية بتخلي حكومتهم عنهم بصورة صادمة، كما أبلغت سفارة فرنسا بالجزائر، أو مزدوجي الجنسية، أنها لن تقوم بإجلائهم ودعتهم إلى إلتزام أماكنهم مدة 30 يوماً. 

وجاء في بيان لسفارة فرنسا بالجزائر، أن ” الفرنسيين المقيمين بالجزائر مدعوون لعدم مغادرة مقرات إقامتهم وتجنب التنقلات الكثيرة وتفادي الرجوع إلى بلدهم خلال 30 يومًا، وضرورة تبرير أسباب تنقلهم في رسالة بالبريد الإلكتروني مع ذكر أسمائهم وتاريخ ميلادهم ورقم جواز سفرهم وموقع اقامتهم بالجزائر”. 

مصر .. استمرار عمليات الإجلاء من أي مكان بالعالم دون مقابل

في هذه الأثناء أنتقلت جهود الإجلاء المصرية من ووهان الصينية لتُركز مع دائرة التفشي الجديدة، أوروبا، والمناطق الأكثر تسجيلاً للإصابات في الأقاليم، كمنطقة الخليج العربي.

حيث قال محمد منار، وزير الطيران المدني، أن أسطول مصر للطيران جاهز لإجلاء المصريين من أي مكان في العالم، وعليه، فقد نظمت مصر للطيران 33 رحلة لإعادة المصريين من هذه الدوائر بعد توقف حركة الطيران. كان أبرزها رحلة “القاهرة – الكويت” حيث استقبل مطار القاهرة السبت الماضي الموافق 28 مارس، ثالث رحلات مصر للطيران لإجلاء المصريين المقيمين في الكويت، وكان علي متنها نحو 340 راكباً ليرفع عدد الذين وصلوا من الكويت إلى مصر لـ 990 شخصًا، وكان اللافت استخدام طائرات بوينج 777 في رحلات الإجلاء لاستيعاب أكبر عدد من الراغبين في العودة إلى البلاد.

كما واصل أسطول مصر للطيران تسيير رحلاته الاستثنائية للندن، التي كان آخرها في 22 من مارس، حيث قامت البعثة الدبلوماسية المصرية في لندن بتسيير رحلة استثنائية لمصر للطيران لإعادة 150 من المصريين الموجودين فى بريطانيا والراغبين فى العودة إلى مصر، وقد أقلعت الرحلة الاستثنائية من مطار هيثرو متجهة إلى مطار القاهرة، وذلك بالتنسيق مع وزارة الطيران المدني، وشركة مصر للطيران، والسلطات البريطانية.

كما طال اسطول مصر للطيران مالطا لإجلاء مواطن مصري من الجزيرة، ضمن خطط الإجلاء بكامل القطر الأوروبي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مصر تمتلك قدرات نقل استراتيجي خارج الحدود الدولية، معزز بحاملتي المروحيات ميسترال، وعشرات من طائرات النقل والشحن التابع لسلاح الجو المصري، بيد أن عمليات الإجلاء إثر تفشي وباء كورونا بأوروبا والعالم، تتم بواسطة جهاز مدني “وزارة الطيران المدني”، دون تدخل من الجيش المصري صاحب الأسطول المعتبر من طائرات الشحن والنقل العسكري. 

وهو ما يؤشر على الاستعداد الجيد للأجهزة المدنية في التعامل مع التهديدات الفجائية وغير النمطية دون تدخل استباقي من الجيش المصري الذي تولى معالجة العديد من التهديدات والتحديات بعدما خاضت البلاد معترك ثورتين متتاليتين أثرت علي مجمل القدرات الدفاعية للبلاد لفترة من الزمن، التي سرعان ما استعادت عافيتها مع إجراءات التحرر الاقتصادي وتنفيذ خطة تحديث شاملة لكافة الأفرع الميدانية بأحدث المنظومات التسليحية بالتوازي مع برامج تدريبية مع الدول صاحبة الخبرة في ارتياد أعالي البحار ومكافحة الإرهاب. 

ففي الوقت الذي يجوب فيه أسطول مصر للطيران عواصم العالم لإجلاء المصريين مجانًا، تجوب طائرات الشحن والنقل التابعة لسلاح الجو المصري عدة عواصم بعضها لتقديم المساعدات الطبية، إذ تؤشر حالات الإشغال لطائرات النقل العسكري المصرية لإنجاز القطاع المدني للطيران مهامه في الإجلاء دون الحاجة لقاطرات الشحن الثقيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى