كورونا

الاصطياد في ماء كورونا.. كيف تعيد الصين وروسيا صياغة علاقاتهما الخارجية في خضم أزمة كورونا؟

في الوقت الذي يواصل فيه “الشيطان العبقري” فيروس كورونا المستجد، مهاجمة أجهزة المناعة للبشر وفك شيفراتها وبدء تدمير ممنهج ونظامي لخلايا الجهاز التنفسي؛ تنفك على نحو مقارب سلاسل الإمداد لبنية الاقتصاد المُعولم، وتنحل نقاطها العابرة للإقليمية، وتنكشف التكتلات الأمنية والاقتصادية الغربية، كما تنكشف وتسقط دفاعات وخلايا مناعة الإنسان، أمام السرعة الفائقة لاستنساخ الفيروس نفسه داخل الجسم بعدما يستحوذ على الخلايا، وتبنيه استراتيجية “خداع” من خلال كمونه داخل اجسام المصابين دون ظهور أية أعراض.

 لكنّ ثمة كيانات أخرى بدا واضحًا سعيها لاكتساب مناعة إضافية من الفيروس، ومناعة كذلك من التكتلات الأمنية المعادية لها، حيث أنتهجت الصين وروسيا سياسات إيجابية نشطة خارجيًا في خضم الأزمة ولاسيما في الجزء الخاص بالمساعدات الطبية للدول الأكثر تضررًا من تفشي الوباء وخاصة الدول الواقعة بالدائرة الأوروبية.

الصين .. مِن متهم لمنقذ

ثلاثة أشهر، كانت الإطار الزمني لإعلان الصين انتصارها على الوباء الأكثر فتكًا منذ معركة “سارس”، على الرغم من الأنتقادات التي تحمل قدرًا من المنطقية، وتشكك في مصداقية الأرقام المعلنة في الصين من حيث أعداد الوفيات والإصابات، إلا أن ذهاب الرئيس الصيني لـ “ووهان” وتفقده الأحياء، في العاشر من الشهر الجاري، وتشغيل الكفاء التشغيلية القصوى للقدرات الدفاعية الصينية، وأستخدام وسائل الذكاء الاصطناعي للحد من الانتشار، قد منح الصين هامش مناورة أوسع للتحرك خارجيًا ضمن استراتيجية احتواء تهدف للاتي:

  • تحسين صورة الصين الخارجية بعدما تعرضت للإهانة من قِبل الدوائر الغربية والأمريكية.
  • إبراز القوة الصينية والإسراع في إعادة تموضعها في النظام الدولي كزعيم بديل في وقت باتت تكافح فيه الولايات المتحدة انتشار الفيروس على أراضيها بمعدل إصابات هو الأول في العالم.

كما التفتت الصين لمحيطها الآسيوي، وقدمت قرضاً بقيمة 500 مليون دولار لمساعدة سريلانكا علي مكافحة الفيروس، وتبرعت بمئات الآلاف من الأقنعة والكثير من المعدات الطبية لدول الفلبين وباكستان، كما أرسلت فرق طبية لإيران والعراق، جاء الانخراط الصيني بالدائرة الأوروبية سخياً بعض الشئ، ومدركاً للمشكلات العميقة التي يعاني منها الاتحاد، وتمثل في:

  • الاهتمام بدائرة شرق أوروبا وتقديم مساعدات عاجلة لصربيا، علي شكل فِرَق ومعدات طبية، وخاصة بعدما أعلن الاتحاد الأوروبي – الذي لا يُضم صربيا – حظراً علي تصدير المعدات الطبية، في خطوة انتقدها الرئيس الصربي، الذي استقبل المساعدات الصينية بتقبيل العلم الصيني، والقول بـ ” اتضح أنه بدونكم لا يمكن لأوروبا أن تدافع عن نفسها كثيراً”. 
  • دائرة غرب أوروبا، وفيها هبطت طائرات صينية في مطارات فيينا والمجر والنمسا وفرنسا واليونان، وإيطاليا “الأكثر تضرراً”، وزودت تلك البلدان بنحو مليوني قناع ومعدات طبية وأجهزة للتنفس، و50 ألف جهاز اختبار سريع للفيروس،  فضلا عن التبرع بمبلغ 20 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية، وقد غردت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورزولا فون دير لاين” في رسالة لها في وقت سابق من الشهر الجاري، أن رئيس الحكومة الصينية تعهد بإرسال مساعدات طبية للاتحاد الأوروبي.

على وقع تبادل بكين وواشنطن الاتهامات حول كيفية التعاطي مع أزمة تفشي كورونا، انخرطت الولايات المتحدة في تدابير وقائية من تفشي الوباء، وانكفت علي الداخل أكثر من مسؤولياتها الأخلاقية التي سوقت لها علي مدار عقود في مضمار المساعدات الإنسانية لدول العالم، وأنتهزت الصين هذه الفرصة للانتقال من حيز تبادل الاتهامات، لإثبات قدراتها ومحاولة التموضع في النظام الدولي كزعيم بديل.

روسيا .. أسرع جسر جوي بالعالم

بعدما انخرطت الصين من واقع مسؤولية أخلاقية تعكس ذهنية صانع القرار في بكين ونظرته لبلاده كونها القطب الأجدر بقيادة النظام الدولي على الأقل على المدي المنظور، حلت موسكو هذه المرة، في ديناميكيات المساعدات الطبية العاجلة للدول الأوروبية الأكثر تضرراً، من واقع القوة الدولية الكبرى في النظام الدولي، كما انتقت روسيا إيطاليا باحترافية، لتكن بوصلة مساعداتها، لعدة اعتبارات بجانب كونها الدولة الأكثر تضرراً، أبرزها:

  • موقع إيطاليا الهام في حلف الناتو، الرامي إلى تطويق وعزل روسيا عن جوارها الأوروبي، حيث تشارك إيطاليا في العقوبات المفروضة علي روسيا. 
  • موقع أوروبا في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية للانتشار العسكري علي صعيد القوة البحرية والجوية، حيث يوجد بها مقر الاسطول السادس الأمريكي، وقاعدة كبيرة في صقلية للطيران المسير الغير مأهول، الذي يختص في مهامه الرئيسية للتجسس علي الأهداف الروسية في شرق المتوسط، ومراقبة حجم القوة البحرية قبالة سواحل طرطوس.

انطلاقاً من هذه الاعتبارات الاستراتيجية، بجانب الوازع الأخلاقي والإنساني، نفذت موسكو أسرع جسر جوي بالعالم، قوامه أسطول طائرات الشحن العملاقة “إليوشن” التي نقلت قرابة 100 من خبراء وجنرالات الجيش الروسي مع آليات وعناصر قوات الحماية الإشعاعية والكيميائية والبيولوجية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن موسكو طورت هذه الوحدات في العام 2012، فيما غفلت عنها العديد من الدول الأوروبية بعد انخفاض تهديدات الحرب الكيميائية والبيولوجية بعد الحرب الباردة، كما تقلص الطب العسكري في هذه البلدان. 

وأضحت الصورة أكثر غرابة، بعدما شوهت آليات الجيش الروسي تجوب شوارع إيطاليا، الدولة صاحبة العضوية الهامة في حلف الناتو. 

وبدا لافتاً الجهوزية العالية لقدرات الجيش الروسي، في وقتِ خفض فيه فيروس كورونا من الاستعداد القتالي للقوات في الدول الغربية، حيث سحبت فرنسا وألمانيا قواتهما من العراق، فيما خفض الفيروس قليلاً من ديناميات  التحرك و الاستعداد القتالي للقوات الأمريكية، وأعلن البنتاجون تجميد تنقلات العسكريين الأمريكيين لمدة شهرين، وخاصة بعدما ضرب فيروس كورونا حاملة الطائرات الأمريكية “روزفلت” وحدّ من مواصلة مهامها بنفس الوتيرة السابقة. 

أظهر الجيش الروسي استعدادًا ينأي عن التأثر بحركة الفيروس السريعة، علي صعيد عمليات النقل التعبوي الاستراتيجي خارج الحدود، وحطت طائرات الجسر الجوي الروسي في قاعدة ” براكتيكا دي ماري “، التابعة لسلاح الجو الإيطالي، حيث للقاعدة رمزية كبيرة لدي قادة الجيش الروسي، فهي القاعدة التي استضافت أول اجتماعات مجلس “روسيا – الناتو” بعد انشائه في 2002، بمبادرة إيطالية في محاولة لخفض احتمالات التصعيد بين روسيا والحلف.

وعلي صعيد إثبات موضعها كقوة كبري في النظام الدولي، واقتناص فرصة الانكشاف الأمني والاقتصادي بدول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، جاء الانخراط الروسي في المساعدات لإيطاليا، ليكتسي بنمط “العسكرة”، ويعكس الذهنية الأمنية لصانع القرار في موسكو عن تلك الرغبة المُلحة في إضعاف حلقات حلف الناتو. 

بيد أن موسكو تحركت بسرعة لتحقيق السالف ذكره مع جملة أهداف أخري، أبرزها:

  • دراسة الفيروس عن كثب في نسخته الأكثر فتكاً في إيطاليا وخاصة في ظل عدم  انتشاره وتفشيه في روسيا علي نفس معدلات أوروبا.
  • تقصير الإطار الزمني أمام القوة الروسية في إيطاليا للمساعدة في الاقتراب من الحصول علي لقاح فعال ضد الفيروس.
  • منع انتشار الفيروس في روسيا.

خاتمة

ضرب الفيروس ووهان الصينية، بعدما قطعت الصين شوطاً طويلاً في تعزيز مشروعها الحضاري، وبدء تسويق ركيزته الثقافية بنطاق واسع، تمثل في الأنخراط الكبير بإنتاج الأفلام السينمائية في هوليوود وخاصة منذ بداية العام 2018. حيث تري بكين في نفسها صاحبة إرث ثقافي وحضاري لا يقوم بفضل الآلة الميكانيكية الحربية كما تري في الغرب والولايات المتحدة، لتتلقي بكين ضربة أشبه بقنبلة نووية انفجرت في ركيزتها الثقافية قبل الاقتصادية، ما دفعها نحو الإسراع بتنفيذ استراتيجية تشمل قارات العالم القديم، لتصحيح الصورة وإثبات الجدارة بموضع عالمي قيادي بالنظام الدولي. 

فيما وفر الظرف الراهن، في أوروبا، بيئة أمنية لا تُعوض من وجهة نظر موسكو، التي سارعت عبر سلاحها الجو الفضائي للتواجد في قلب دولة تُدار من خلالها عمليات حلف شمال الأطلسي الرامي لتحجيم النفوذ الروسي في دوائر عدة منها شرق المتوسط وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، مما يؤشر على أستمرار نمط عسكرة المساعدات الإنسانية، وتطوير سياسات قطبية لا عالمية لاحتواء الأزمة، وهو ما يضع منظومة العولمة أمام أصابع الاتهام بخذلان الانسان في معركته الحامية مع كائنِ يصغره بخمسة ملايين مرة، ويمهد لاحتمالات بزوغ نظامِ ثانِ معولم يراعي اعتبارات القوة الجديدة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى