كورونا

هارفارد: دروس من أخطاء إيطاليا في مجابهة فيروس كورونا

نشرت مجلة هارفارد بزنس ريفيو تقريرًا حول تعامل الحكومة الإيطالية مع أزمة انتشار فيروس كورونا، والدروس المستفادة منها، بهدف مساعدة صانعي السياسة في الولايات المتحدة وأوروبا على جميع المستويات على التعلم من أخطاء إيطاليا حتى يتمكنوا من التعرف على التحديات غير المسبوقة التي تمثلها الأزمة سريعة الانتشار ومعالجتها.

تكرار الأخطاء

D:\مرصد\نوعي\عرض\Mar20_30_1207568834-768x432.jpg

ففي الوقت الذي نجحت فيه دول مثل الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان في تحجيم الوباء، كررت إيطاليا أخطاء السابقين، مما أدي تحول الوباء إلى كارثة، ففي غضون أسابيع (من 21 فبراير إلى 22 مارس)، انتقلت إيطاليا من اكتشاف أول حالة مصابة بفيروس كورونا Covid-19 رسميًا إلى قرار حكومي بحظر تجوال جميع الأشخاص داخل الأراضي بأكملها، وإغلاق جميع الأنشطة بغير الأنشطة التجارية الأساسية. فالأزمة التي تضرب البلاد ليست أقل قوة من تسونامي، من حيث عدد الوفيات التي تخلفها، فهي بلا شك أكبر أزمة تواجه إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية.

بعيدًا عن سوء الحظ، إلا أن قادة إيطاليا أخطأوا في تقدير حجم تهديد فيروس كورونا، وتنظيم سبل مواجهة منهجية له، والتعلم من نجاحات التنفيذ المبكرة لهذه السبل، والأهم من ذلك، الفشل في استيعاب إجراءات الدول (كالصين وغيرها) الاحترازية لمواجهة تفشي الفيروس، والتصرف بسرعة وفعالية لتأمين المواطنين.

وما زاد الأمر تعقيدًا، حالة التشكيك من خطورة الأمر من قبل المواطنين، وعدد من الساسة الذين انخرطوا في المصافحات في ميلانو لإثبات أن الاقتصاد لا يجب أن يشعر بالذعر ويتوقف بسبب الفيروس، لكن وللأسف بعد أسبوع، تم تشخيص أحد هؤلاء السياسيين كحالة إيجابية مصابة بفيروس كورونا.

وتأتي صعوبة القرار في هذه الازمة، لكونها تتطور بطريقة أسية (تبدأ صغيرة ولكنها تتضاعف بشكل كبير)، فالقرار الناجح في هذه الحالة يكون باتخاذ إجراءات قوية عند ظهور عدد قليل من الإصابات أو حتى قبل حدوث أي إصابات، وهو ما يبدو أحيانًا أنه رد فعل مبالغ فيه، وهو ما يرفضه عديد من السياسيين أن يسلكوا هذا الطريق، خاصة في ظل اعتماد أصحاب القرار على دوائرهم المقربة، وعدم الاستماع إلى أهل الخبرة في المجالات المعنية، لأن قراراتهم تبدو صعبة وذات تكلفة باهظة، على الرغم من زيادة أمانها.

تجنُب الحلول الجزئية

الدرس الثاني الذي يمكن استخلاصه من التجربة الإيطالية، هو أهمية الطرق المنهجية ومخاطر الحلول الجزئية، فمع بداية انتشار الفيروس بدأت إيطاليا باتخاذ إجراءات احترازية وتقيدية بالمناطق الأكثر خطورة، فعلى الرغم من أن القرار يبدو حكيمًا في الظروف العادية، إلا أنه لم يكن متسق مع حجم وطبيعة الازمة التي تنتشر بشكل أسي، بل ساهم في نشر الفيروس في كافة ارجاء البلاد، فبعد إغلاق شمال إيطاليا لانتشار الفيروس بكثير من المناطق، تسبب القرار في نزوح جماعي كبير إلى جنوب إيطاليا، مما أدى بلا شك إلى انتشار الفيروس إلى مناطق لم تكن موجودة فيها.

كما يرى المراقبون للأوضاع الحالية، أنه للسيطرة على انتشار المرض لابد من اتخاذ حزمة من القرارات وليس قرارات فردية أو انتقائية، فمثلا في الصين وكوريا الجنوبية، فقد تم دمج آلية اختبار المصابين، بالاتصال والتتبع الدقيق بذوي الصلة خلال فترة حضانة المرض، كذلك انشاء منظومة لجمع ونشر معلومات تحرك الأشخاص واحتمالية اصابتهم.

هذا فضلًا عن، ضرورة تنظيم الرعاية داخل المستشفيات، والتحول من نماذج الرعاية التي تركز على المريض، إلى نهج النظام المجتمعي الذي يوفر حلولًا وبائية لجميع السكان (مع التركيز بشكل خاص على الرعاية المنزلية)، فهناك حاجة ماسة إلى إجراءات منسقة بشكل خاص الآن في الولايات المتحدة.

التعلم بسرعة

يعد التعلم من تجارب المحيطين أمر بالغ الأهمية في هذه الآونة، وذلك نظرًا لأن نظام الرعاية الصحية الإيطالي يتسم باللامركزية إلى حد كبير، فقد طبقت كل منطقة قرارات سياسية مختلفة، وأبرز مثال على ذلك هو التباين بين المناهج التي اتخذتها لومباردي وفينيتو، وهما منطقتان مجاورتان لهما سمات اجتماعية واقتصادية متشابهة.

فقد تعرضت منطقة لومباردي، والتي تعد كواحدة من أغنى المناطق وأكثرها إنتاجية في أوروبا، لضربة قاسية من فيروس كورونا، ففي 26 مارس، تم تسجيل حوالي 35000 حالة إصابة بفيروس كورونا و5000 حالة وفاة في عدد سكان يبلغ 10 ملايين.

على النقيض من ذلك، كانت حالة فينيتو أفضل بكثير، حيث سجلت 7000 حالة إصابة و287  حالة وفاة بين السكان البالغ عددهم 5 ملايين. وكان الأثر في هذا التباين نتيجة السياسات الصحية المتباينة التي تم اتخاذها والتي كانت بمعزل عن القرارات الحكومية.

ففي الوقت الذي تم فيه تطبيق نفس إجراءات العزل وإغلاق محلات بيع التجزئة، بكلا المنطقتين، اتخذت منطقة فينيتو مسارًا استباقيًا أكثر بكثير تجاه احتواء الفيروس، فكانت استراتيجية فينيتو ترتكز على عدة جوانب أهمها:

  • اختبار مكثف للحالات ذات الاعراض الواضحة وغير المصحوبة بأعراض.
  • تتبع استباقي للنتائج الإيجابية، فإذا كانت نتيجة الاختبار إيجابية لأحد المصابين، فسيتم اختبار كل شخص مخالط في منزل المريض وكذلك جيرانه، وفي حال عدم توفر أدوات الاختبار اللازمة، يتم عزلها ذاتيًا.
  • تركيز الجهود للرصد وحماية عاملي الرعاية الصحية وغيرها من العاملين الأساسيين ذوي الاختلاط المباشر بالجمهور (على سبيل المثال ، الصرافين في السوبر ماركت ، والصيادلة ، وموظفي خدمات الحماية).

على العكس تمامًا اختارت لومباردي اتباع ارشادات سلطات الصحة العامة للحكومة المركزية، كما يتم تركيز الاختبار المعملي فقط على حالات الاشتباه المصاحبة بأعراض، ولم توجه اختبارات استباقية سوى لعمال الرعاية المنزلية والصحية.

وبعد شهر من تفشي المرض في إيطاليا، بدأت لومباردي ومناطق أخرى تتخذ خطوات لمحاكاة بعض جوانب “نهج فينيتو” ، والتي تشمل الضغط على الحكومة المركزية لمساعدتها على تعزيز القدرة التشخيصية.

وهو ما يشير إلى ضرورة نشر المعرفة والمعلومات بين المناطق والدول المختلفة، بدلا من أن يقوم كل بلد بإعادة اختراع العجلة، وغض الطرف عن المعارك السياسية والشخصية، فغالبًا ما يعمد القادة إلى إظهار النجاحات ونشر التقدم، وإخفاء المشكلات واعتبارها انها مشاكل واخفاقات فردية.

وقد عانت إيطاليا بشكل كبير من ندرة البيانات، فقد ساهم الانتشار الواسع وغير الملحوظ للفيروس في الأشهر الأولى من العام، بالتزامن مع نقص الكفاءات القادرة على مكافحة الوباء، كذلك عدم تسجيل الحالات المصابة بشكل منهجي في بعض المستشفيات.

وعلى الرغم من حرص إيطاليا مؤخرًا على تحديث البيانات بشكل دوري، إلا أن، التباين الكبير في معدلات الوفيات بين إيطاليا وبلدان أخرى وداخل إيطاليا نفسها، صعب من عملية تخصيص الموارد وفهم ما الذي يعمل أين (على سبيل المثال، ما يمنع التتبع الفعال للسكان).

نهج مختلف لصنع القرار

لا يزال هناك الكثير من عدم اليقين بشأن ما يجب فعله بالضبط لوقف الفيروس، ولا تزال العديد من الجوانب الرئيسية للفيروس غير معروفة وتثير جدلاً حادًا، ومن المرجح أن تظل كذلك لفترة طويلة من الوقت، فنحن بحاجة إلى قبول أن هناك حلول قاطعة قد يستغرق عدة أشهر، إن لم يكن سنوات.

ومع ذلك، هناك جانبين لا يمكن اغفالهما، الأول ، ليس هناك وقت نضيعه ، نظرا للتقدم المتسارع للفيروس، ثانيًا، يتطلب التعامل مع هذا الفيروس حشد يشبه الحرب لكافة الموارد البشرية والاقتصادية، والتنسيق الجيد بينها واستغلالها الاستغلال الأمثل، على مستوى القطاعين العام والخاص، والمجتمع ككل.

فيمكن القول، لمكافحة هذا الفيروس أنه على صانعي القرار، أخذ القرار بطرق غير معتادة، وتبني تجربة منهجية واضحة، وإعطاء أولوية للتعلم، وتفعيل ونشر التجارب الناجحة ووقف التجارب غير الفعالة، ونعلم أن الامر صعب خاصة في خضم هذه الأزمة الهائلة، ولكن بالنظر إلى المخاطر، يجب القيام بذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى