اتجاهات وسائل التواصل الإجتماعي

فخ الاخوان: “السوشيال ميديا” بين افتتاح الأمم الأفريقية وأبو تريكة

نجحت مصر في إخراج مشهد افتتاح بطولة كأس الأمم الأفريقية في دورتها الثانية والثلاثين بشكل أسطوري أبهر أكثر من مليار ونصف المليار شخص شاهدوه حول العالم، كما كان المشهد محط اهتمام كل وسائل الإعلام، ليس فقط على المستوى الداخلي والإقليمي، ولكن على مستوى العالم. وكان واضحًا أن القائمين على مشهد الافتتاح وتنظيم البطولة تعاملوا مع الملف باعتباره تحديًا جديدًا يواجه الدولة المصرية التي قبلت تنظيم البطولة رغم قصر المدة الزمنية المتاحة أمامها.

ومما لا شك فيه أن مما يزيد من أهمية ذلك التحدي أن الإخفاق في التعامل معه على أي مستوى سيتم استغلاله من قبل المتربصين بالدولة المصرية، والذين يعملون بكل السبل لإفشال أي مشاهد إيجابية، وتشويه أي إنجازات للدولة. باختصار، فإن محاولات هؤلاء لتسييس المشهد واستغلاله من جانبهم للنيل من الدولة كانت حاضرة باستمرار خلال الستة أشهر الماضية منذ قبلت مصر استضافة البطولة.

وبينما كان التعامل مع تحدي تنظيم البطولة وإخراج الافتتاح بذلك الشكل المبهر جاريًا على أرض الواقع، فإن رواد السوشيال ميديا دشنوا هاشتاج “شجع مصر”، الذي تصدر قائمة “الأكثر تداولًا”. بينما كان آخرون ممن يسعون لإفساد مشهد الافتتاح والتنظيم يدشنون “هاشتاج” آخر بعنوان “اهتف لتريكة”. في محاولة لاستغلال حب مشجعي كرة القدم للاعب محمد أبو تريكة لإفساد المشهد الرئيس وهو الافتتاح ومباراة مصر الافتتاحية. فأثناء تلك المباراة التي جمعت منتخبي مصر وزيمبابوي، وتحديدًا في الدقيقة 22، هتفت جماهير مصرية باسم اللاعب “محمد أبو تريكة” المتهم حاليًا في قضية تمويل الجماعة الإرهابية، في إشارة إلى رقم القميص الذي كان يرتديه، تكريمًا له، وذلك بناء على ترتيب مسبق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال هاشتاج “اهتف لتريكة“، مبدين تعاطفهم معه إثر شن بعض الإعلاميين انتقادات واسعه، واصفين إياه بالإرهابي، وذلك بعد تغريدته التي قدم فيها التعازي في وفاة الرئيس المعزول محمد مرسي؛ حيث اعتبروها دليلًا واضحًا على انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين.

وحتى يكتمل سيناريو خلق مشهد فرعي لجذب الأضواء الساطعة عن المشهد الرئيس “الافتتاح المبهر”، سارع أبو تريكة بالرد على الهتافات باسمه بعدة كلمات عاطفية وحماسية، مؤكدًا أن الشعب المصري هو من صنع اسمه، موجهًا الشكر للجماهير المصرية كافة، وأضاف محاولًا استقطاب أكبر قدر ممكن من التعاطف قائلا “مصر في القلب ولو طلبت عينيا وقلبي أنا تحت أمرها”.

وقد أطلق أبو تريكة تلك التصريحات من مقر إقامته الذي اختاره وهو قطر ومن الشاشة الإعلامية التي يعمل بها في قطر وهي قناة “بي إن سبورت” التي تحتكر إذاعة تلك البطولة والبطولات المماثلة، والتي لا يتردد العاملون بها في النيل من مصر والهجوم عليها من بوابة كرة القدم، مستغلين نسبة المشاهدة العالية لها من عشاق مباريات كرة القدم.

وقد أثارت تصريحات “أبو تريكة” جدلًا واسعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الجدل الذي تنشط الخلايا الإليكترونية لجماعة الإخوان في تغذيته واستدراج رواد السوشيال ميديا له، وبالطبع تناسى هؤلاء الناشطون فعاليات افتتاح البطولة، أو تراجع مشهد الافتتاح على قائمة أولوياتهم، حيث لوحظ اهتمام مغردي السوشيال ميديا بتصريحات تريكة، بينما لم تلق الفعاليات نفس القدر من الاهتمام. وباتت القضية الأساسية التي تشغل رواد السوشيال ميديا هي تصريحات أبو تريكة، ويشارك في جعلها كذلك معارضي أبو تريكة جنبًا إلى جنب مع المتعاطفين معه.

إنه باختصار فن صناعة القصة الموازية، خاصة إذا فشلت محاولات إفساد القصة الرئيسية أو منعها من التداول. فالإخوان فشلوا في استغلال وفاة محمد مرسي لتعطيل أو تعكير أجواء تنظيم البطولة، ولم يتسن لهم جعل الوفاة قصة موازية تخصم من الزخم الإعلامي حول تنظيم البطولة، ومن ثمّ لم يعد أمامهم سوى محاولة استغلال المباراة الافتتاحية، خاصة في ظل الاحتشاد الجماهيري (ما لا يقل عن 75 ألف متفرج في الاستاد) وأكثر من مليار متابع.

وتم اختيار “أبو تريكة”، باعتباره أحد أبرز نجوم كرة القدم، ليظهر وكأن الحدث مجرد هتاف رياضي، بينما تستخدمه هي وقتما تشاء بطريقة سياسية، كأداة تثبت بأنها مازالت قادرة على الحشد، مصدرة صورة كاذبة مفادها أن هؤلاء الذين استجابوا لدعوات الهتاف لـ”أبو تريكة” هم من مناصري الجماعة.

باختصار فإن هدف الجماعة من استغلال أبو تريكة هو العزف على الجانب العاطفي لدى مشجعي كرة القدم لنجم قدّم أداءً متميزًا أثناء تواجده في الملاعب، وتسييس ذلك التعاطف باعتباره تعاطفًا مع الجماعة وأحد أعضائها أو المتعاطفين معها على أقل تقدير. وسواء كان الأمر بدافع أيديولوجي دعمًا للجماعة الإرهابية أو بدافع رياضي لتشجيع لاعب سابق أحبته الجماهير، فإن الحقيقة المؤكدة أن رواد وسائل التواصل الاجتماعي ما زالوا غير قادرين على الفرز وتحديد الأولويات، الأمر الذي يجعل منهم “فريسة” للحملات المنظمة على تلك الوسائل، بل ويجعل منهم في أحيانٍ كثيرة وقودًا لتلك الحملات التي ترفع مع كل مناسبة أو إنجاز مهم شعار “كرسي في الكلوب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى