
كاتب سوداني يطالب بلاده بالتحرك قبل أن تستيقظ على كارثة كبرى بفعل سد النهضة
أعرب الكاتب السوداني جمال عنقرة عن تحفظه على الطريقة التي يفكر بها السودانيون حيال مسألة سد النهضة الاثيوبي.
وقال عنقرة – في مقال له بصحيفة المدنية، مقالا تحت عنوان “سد النهضة.. الطريق الى الهاوية”، :” ويعني عنقرة بكلمة “السودانيون” هنا، ليس فقط ممثلو الحكومة، وإنما كذلك الخبراء والصحفيون والكتاب والإعلاميون وجميع من تعامل مع الأزمة من هذا البلد، الذين جعلوا السودان تبدو كما لو كأنها مجرد مراقب أو وسيط”.
وأضاف :” كان كثيرون ممن مثلوا الحكومة السودانية في المفاوضات يركزون جهدهم كله على تقريب وجهات النظر بين الجانبين المصري والإثيوبي، ويتحدثون عن المخاوف المصرية، والتطمينات الاثيوبية، ونادرا ما تجد من يتحدث في حقيقة الأمر عن المصالح والمخاوف السودانية”.
وألقى عنقرة الضوء على تقرير صحفي نشرته الأسبوع الماضي صحيفة أخبار اليوم السودانية، والذي أثار مخاوف عظيمة من دخول الولايات المتحدة باعتبارها راعيا للمفاوضات بين الجانبين، وأن الجولة المقبلة للمفاوضات ستكون هي الأخيرة في العاصمة الاثيوبية ثم ستنتقل بعد ذلك الى الولايات المتحدة، والتي ستلعب دورها باعتبارها الكلمة الفاصلة في المسألة.
ومما يثير مخاوف الكاتب كذلك، أنه ليس من بين الاهتمامات الأمريكية ما أشار إليه تقرير الخبراء السودانيين، والذي حذر من مواصلة التفاوض الحالي مع اثيوبيا حول سد النهضة، بذات النهج المتبع منذ عام 2011، وقالوا إنه يغفل جوانب أساسية لها تداعيات خطيرة للغاية على السودان، من بينها أمان السد، وأخرى قانونية كان ينبغي أن تكون هي الأساس للتفاوض وليس اللجنة الفنية.
وألقى عنقرة الضوء على تصريحات بعض الخبراء السودانيين، التي كان من ضمنها تصريح الخبير الاستراتيجي أحمد المفتي والذي أعرب عن دهشته من كون مسألة أمان السد أثيرت من قبل لجنة دولية وليس من الجانب السوداني أو المصري!، محذرا من أن انهيار السد سوف يكون بمثابة تسونامي كاسح سوف يقضي على السودان بأكمله. فيما أكد الناشط السوداني حاتم أبو سن أن الكميات المختزنة من المياه كافية لمسح السودان من على الخريطة بالكامل.
ولفت عنقرة إلى رأي أحمد المفتي والذي استمرت عضويته في مفاوضات دول حوض النيل من عام 1994 حتى عام 2012، واستقال من الوفد السوداني بعد أن أبدى اعتراضه على كثير من النقاط الخلافية التي يأتي رفض اثيوبيا للتوقف عن متابعة انشاء السد اثناء سير المفاوضات.
وأضاف قائلا “إثيوبيا لا تعترف باتفاقية 1959 لكن حتى لو اعترفت فإن نصيب السودان سينخفض على الأقل بنسبة عشرة في المئة مع الملء الأول.. ظنا أن السودانيين سيموتون إما غرقا أو عطشا”.
ويتهم الناشط السوداني حاتم أبو سن إثيوبيا بمخالفة القانون الدولي من أجل تشييد سد النهضة، وقال من قبل لأحد المواقع الإخبارية، إن “إثيوبيا قامت ببناء السد بإرادة منفردة مخالفة لأبجديات القانون الدولي والاتفاقيات التاريخية، مستغلة فرصة ضعف الدول السودانية وارتباك مصر إبان ثورة 2011”.
النظام السابق في عهد الرئيس السوداني عمر البشير كان يتهم بالانحياز لصالح إثيوبيا في مفاوضات سد النهضة ربما لمكايدات سياسية بالنظر إلى اختلاف الرؤى الإيديولوجية. لكن ما يدعو إلى الدهشة حسب المفتي “هو أن حكومة عبد الله حمدوك “تتبع ذات النهج، فوزير الري الحالي ياسر عباس كان عضوا في مفاوضات السد السباقة وكذلك المستشار القانوني”.
فيما سلط عنقرة الضوء كذلك، على تصريحات الناشط السوداني محمد أدم والذي يقول ” إن حكومة حمدوك “خيبت ظن الشباب الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل التغيير ومن أجل العيش بكرامة وحرية”. واستطرد بأن دعا ناشطون لتنظيم احتجاجات شعبية للضغط على حكومة حمدوك لتغيير نهج التفاوض الحالي والذي ظل يراوح مكانه منذ سنوات على الرغم من دخول واشنطن كوسيط.
وعليه تابع عنقرة استعراض رأي الخبير في شئون المياه أحمد المفتي، والذي يرى أن الحل يكمن في عدة خيارات محددة. أولها سحب التوقيع من إعلان المبادئ، ثم إعادة التفاوض خلال شهرين على ضوء اتفاقية الـ 15 مبدأ المنصوص عليها في اتفاقية عنتبي الموقعة في عام 2004 التي وافقت عليها كل دول حوض النيل بما فيها إثيوبيا إضافة الى 13 جهة دولية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي والأمم المتحدة.
ثانيا وفي حال أي رفض إثيوبي، يمكن للسودان أن يدعو الجهات الثلاثة عشر للتوسط، كما حدث من قبل في عام 2009 عندما حدث خلاف بين 6 من دول حوض النيل من ناحية، ومصر والسودان من ناحية أخرى. أما الخطوة الأخيرة في حال فشل الخطوات السابقة، فهي رفع شكوى لمجلس الأمن الدولي باعتبار أن خلافا بين دول حوض النيل يمكن أن يمثل تهديد كبيرا للسلم والأمن الدوليين.
ولفت المفتي في حديثه إلى عدة نقاط أخرى، من ضمنها إخلال اثيوبيا باتفاقية 1902 والتي حصلت من خلالها على أراضي بني شنقول –التي يقام عليها السد حاليا- في مقابل عدم انجاز أي مشروعات على هذه الأراضي دون الحصول على موافقة الحكومة السودانية. علما بأن سكان بني شنقول يطالبون الحكومة السودانية وليس اثيوبيا بتعويضات مالية حال تعرض مناطقهم الى الغرق جراء بناء السد.
وقال المفتي أنه يحترم حقوق اثيوبيا في سد حاجاتها من الكهرباء والغذاء بسبب استمرار تعرضها للجفاف، إلا أنه يؤكد في نفس السياق أنه ليس من العدل أن تأخذ دولة الكهرباء وتحقق لنفسها التنمية على حساب دمار دولة أخرى بأكملها.
وفي ختام موضوعه عقب عنقرة قائلاً، أنه لا يجد الخيارات التي قام المفتي بطرحها كافية لحل الأزمة ولضمان أمن السودان. وأضاف أنه لا بد من تحرك سوداني قوي قبل الجولة القادمة المقرر انعقادها في اثيوبيا.
وأوضح عنقرة أن الحكومة السودانية الحالية لن تكون قادرة على اتخاذ أي موقف قوي، لاسيما في ظل ما تعانيه هذه الأيام بسبب الخلافات حول الميزانية، فضلاً عن عجزها عن اتخاذ أي موقف من شأنه أن يشعر “ماما أمريكا” بالغضب- على حد وصفه.
وأكد عنقرة أن المفاوضات القادمة تعتبر فرصة لأن يتوحد السودانيون، وليس أمامهم أي خيار أخر سوى التوحد في مواجهة الخطر الذي يمكن أن يمحو بلادهم من على الوجود. ولابد من تصد شعبي قومي وطني للمفاوضات الجارية قبل أن تجد السودان نفسها تقف وجها لوجه أمام كارثة كبرى.



