كتب عربية ودولية

الإمبراطورية الإقليمية والسياسة الخارجية الأمريكية الكاتب : المؤرخ دانيال إميرواهر الكتاب : “كيف تخفي إمبراطورية: تاريخ الولايات المتحدة العظمى”

عرض: بلال منظور

يتمحور السؤال الرئيسي لكتاب “كيف تخفي إمبراطورية: تاريخ الولايات المتحدة العظمى”How To Hide An Empire: A History Of The Greater United States للمؤرخ دانيال إميرواهر Daniel Immerwahr بجامعة Northwestern University في الولايات المتحدة، حول المناطق الحالية من الجزر المرجانية والأرخبيل والتي حكمتها الولايات المتحدة وقطنتها.

حيث يطلق عليها إمبراطورية أمريكا الإقليمية “الولايات المتحدة العظمى” ، والتي تضم الفلبين وهاواي وألاسكا وبورتوريكو وغوام. ويجادل بأن تاريخ الولايات المتحدة لم يحدث فقط في اتحاد الولايات المعترف بها رسميا والمتكافئة سياسيا، ولكن أيضا في مجموعة من المناطق غير المتكافئة الخاضعة لحكم أمريكي تعسفي. ويؤكد أن تاريخ المناطق هو جزء أساسي من تاريخ الولايات المتحدة، وليس “حلقة”  مقتصرة على فترة زمنية معينة فقط.

كما فرق الكاتب – بسؤاله- عن فكرتين مرتبطتين بمفهوم الامبراطورية وحدود الدولة. حيث أن حدود الدولة الأمريكية في ذهنية المواطنين الأمريكيين مرتبطة بخريطتها وعلمها الذي يسكنه خمسون نجمة، وأما عن مقصود الإمبراطورية  فهو بأن الولايات المتحدة تمارس قوتها على المستوى الدولي. وبالتالي يفتح المؤرخ آفاقا جديدة في النقاش من خلال تقديم تعريف عملي للإمبراطورية الأمريكية: وهي المناطق والشعوب الخاضعة للولاية القضائية الأمريكية Jurisdiction والتي لم تختر هذا الوضع وتفتقر إلى المواطنة والتمثيل الكاملين.

كما يعد الكتاب جزءا من الاتجاه الأوسع لمعظم المؤرخين المركزين على العناصر القسرية للعلاقات الخارجية الأمريكية على حساب العلاقات التعاونية. حيث دفع هذا الاهتمام على “القسرية” و”الإمبريالية” دراسات حديثة تركز على المصالح المادية وممارسات القوة، متجاهلة التيارات المناهضة للإمبريالية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة وكذلك تاريخ الولايات المتحدة باعتباره منشئا للمعايير والمؤسسات الدولية.

                                  (البداية التاريخية)

يتتبع الكاتب توسع الولايات المتحدة منذ أيام “دانيال بون” إلى الشبكة الحديثة للقواعد العسكرية اليوم، والتي تبين كيف كانت الولايات المتحدة دائما وبأشكال مختلفة “إمبراطورية”. وعلى الرغم من عرض المؤلف هذا التعريف الأكثر دقة للإمبراطورية، يستخدم أيضا إطار الإمبراطورية لتفسير الكثير من العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، وخاصة شبكة القواعد العسكرية التي أنشأتها الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وبالتالي، فإن استعارة الكاتب لمصطلح “إمبراطورية النقطية” Pointillist Empire من المؤرخ بيل رانكين Bill Rankin، يظهر كيف أن الولايات المتحدة قامت ببناء شبكة من القواعد والمهابط ومحطات الاتصالات التي سمحت بإدخال قوتها ونفوذها إلى مناطق رئيسية في العالم. ويستنتج الكاتب أن الطبيعة المتغيرة للقوة، ومركزية الدور الأمريكي في الاقتصاد العالمي، سمحت للولايات المتحدة بجني فوائد الإمبراطورية دون امتلاك مناطق شاسعة.

 ففي وقت مبكر من ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة تسيطر على الجزر غير المأهولة، وبحلول عام 1898، كانت الولايات المتحدة تجري مناقشات عامة حول مزايا القوة الإمبريالية، وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة تسيطر على عدد أشخاص خارج حدودها، 135 مليون نسمة، أكبر مقارنة بإقليمها الرئيسي، حوالي 132 مليون نسمة. فضلا عن أن ما لم يتغير طوال تلك الفترة هو الطريقة التي تجاهلت بها الولايات المتحدة أو حجبت أو رفضت الفظائع المرتكبة ضد إنسانية الأشخاص الذين يعيشون في هذه المناطق، مشيرا إلى أنه عندما نرى تاريخ الولايات المتحدة من خلال عدسة هذه المناطق والشعوب، تبدو القصة مختلفة بشكل ملحوظ عما يروي الكثير من الناس.

                      (ممارسات الإمبراطورية الإقليمية)

إن معاملة الكاتب للإمبراطورية كمفهوم إقليمي يفيد في إيضاح عواقب الحكم الإمبراطوري التعسفي الذي لا يمكن محاسبته. حيث يظهر كيف أصبحت المستعمرات الأمريكية مناطق تجارب للصحة العامة والهندسة المعمارية والأعمال التجارية وغيرها من المشاريع، لأن السكان المستعمرين كانوا يفتقرون إلى الحقوق الكاملة للمواطنة. على سبيل المثال، استخدم الأطباء وشركات الأدوية الأمريكية بورتوريكو لأبحاث تنظيم النسل وبرامج التعقيم الطوعية بطرق غير مسموح بها في إقليم الولايات المتحدة الرئيسي.

بالإضافة، جاء العرق في هذا التاريخ، ليس كمبدأ منظم للمجتمع المحلي فحسب، بل كمبدأ يمكن أن تصبح فيه المناطق المستعمرة دولا مع استمرارها تحت السيطرة الإمبريالية. وأشار تعليق على الكتاب إلى أن نادرا ما اعتبر الباحثون قبول ولاية ألاسكا وهاواي بمثابة انتصارات للحقوق المدنية والإدماج العرقي، لكن ينبغي عليهم ذلك، لأنه لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة لم يحدد “اللون الأبيض” أهلية الدولة.

وفي الجزء الثاني من الكتاب، يتساءل المؤرخ عن سبب عدم ضم الولايات المتحدة في أوج قوتها لأراضي مستعمراتها، بل ومنحت الاستقلال لأكبر مستعمرة في الفلبين. وجاءت حجته الأساسية في أن تغيير مفهوم القوة في العالم في فترة ما بعد الحرب وعدم اعتماده على مبدأ السيطرة على الأرض، بل على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجيا والعولمة. حيث جعل التقدم في إنتاج المواد الاصطناعية -مثل البلاستيك والمطاط الصناعي- مهمة السيطرة على الموارد الطبيعية في الخارج أقل أهمية. وفي الوقت نفسه، جعلت الابتكارات -في مجال النقل والاتصالات- حركة التجارة العالمية أكثر سهولة وكفاءة وأكثر ربحية، مما أدى إلى تجنب الحاجة إلى الاستعمار.

كما كانت التغييرات في قواعد النظام الدولي وتولد الحركات والأفكار مهمة بشكل واضح من حيث نزع الشرعية عن فكرة الإمبراطورية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ حيث يذكر المؤلف ظهور القومية المناهضة للاستعمار كأحد هذه الأفكار. ومع ذلك، يأتي تعليق من حيث إغفال الكاتب لنقد الكثير من الأمريكيين، ولا سيما فرانكلين روزفلت، ليس فقط تجاه الإمبراطوريتين النازية والسوفياتية بل للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية أيضا.

فقد انتقد روزفلت الحكم الإمبراطوري لحلفائه في زمن الحرب، وتعهد بأن تعارض الولايات المتحدة أي خطة لاستعادة المستعمرات الفرنسية والبريطانية، ودعا بأن مناطق التجارة الإمبراطورية المغلقة يجب أن تُفتح بعد انتهاء الحرب. وأضاف التعليق بأن حذف هذا التاريخ يخلق انطباعًا مضللًا بأن الزعماء الأمريكيين أرادوا أن تظل الإمبراطورية شكلاً رئيسيًا من النظام السياسي الدولي في فترة ما بعد الحرب. حيث يشرح دانيال إميرواهر أن رفض الولايات المتحدة للإمبراطورية كان بشكل رئيسي من خلال التغيير التكنولوجي والقومية المناهضة للاستعمار وليس للطبيعة التوافقية حول القوة العالمية للولايات المتحدة منذ عام 1945 والتي لعبت أيضًا دورا.

                                      الولايات المتحدة ليست إمبراطوية!

قام الباحث Joseph Stieb  باستدعاء أفكار لمفكرين أخرين للرد على فكرة دانيال إميرواهر . حيث يقول ج. جون إيكينبيري  ohn Ikenberry بأن النظام الدولي الليبرالي الذي ساعدت الولايات المتحدة في صياغته بعد الحرب العالمية الثانية هو نظام “هرمي” لكنه ليس إمبراطوريا. كما أنه عرف التسلسل الهرمي على أنه حكم ونظام قائم تم إنشاؤه من قِبل دولة رائدة تحمي فيه السيطرة الأمريكية هذا النظام وتوفر له المنافع العامة ولكنها لا تلغي سيادة الدول التأسيسية، ولا تملي شروط التفاعل كما في الإمبراطورية، ولكن يتم التفاوض و”الموافقة المتبادلة” على قواعدها بين الأطراف. كما يتم دمج تلك الدول في هذا النظام، مثل ما في منطقة شمال الأطلسي، اقتصاديًا وسياسيًا من خلال مؤسسات مثل حلف الناتو.  

كما تقترح المؤرخة إليزابيث كوبس-هوفمان Elizabeth Cobbs-Hoffman  مصطلح “الحَكَم” Umpire باعتباره وصفًا أكثر دقة للدور العالمي للولايات المتحدة فيما وراء الإمبراطورية الإقليمية المباشرة. فالولايات المتحدة هي اللاعب والحكم في السياسة العالمية، لكنها تظهر في وظيفة الحكم في إمكانيتها إلزام الإذعان حسب الضرورة للقواعد التي اكتسبت شرعية واسعة، كما أنها تؤكد على دور الولايات المتحدة كضامن للتجارة الحرة ووسيط للتحكيم غير المسلح للنزاعات وزعيمة نظام دولي أكثر شفافية وقائم على القواعد والقيم الليبرالية والديموقراطية. وبالمثل يؤكد المؤرخ النرويجي Geir Lundestad على الجوانب التوافقية لسلطة الولايات المتحدة من خلال مصطلح “إمبراطورية الدعوة” Empire Of Invitation، في إشارة إلى حقيقة أنه في أوروبا الغربية، تم الدعوة الترحيب بالولايات المتحدة كضامن للأمن ضد الاتحاد السوفيتي والانتقام الألماني المحتمل.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى