الصحافة الدولية

نشاط الاستخبارات التركية في شرق أوروبا..أنبوب أسلحة بالمليارات لبؤر صراع في الشرق الأوسط

تعد منطقة شرق ووسط أوروبا من أكثر المناطق التي تحتوي دولها علي قدرة معقولة للتصنيع العسكري الخفيف – المتوسط، ومخزون هائل من الأسلحة السوفيتية القديمة والفائض عن حاجاتها الدفاعية، مما حولها لحلقة هامة في دورة معقدة لتصدير السلاح لبؤر الصراع في الشرق الأوسط.

“على الرغم من تشدد مواقف دول شرق ووسط أوروبا تجاه استقبال اللاجئين من مناطق الصراعات في الشرق الأوسط، إلا أن هذه الدول تسهم بصورة كثيفة في تأجيج هذه الصراعات المسلحة من خلال تصدير الأسلحة السوفيتية القديمة للفاعلين المسلحين من غير الدول”.. هذا هو الاستنتاج الرئيسي الذي تضمنه التقرير الصادر عن كلٍّ من “شبكة البلقان للتحقيقات الإخبارية” و”مشروع تقارير الجريمة المنظمة والفساد”، حيث يؤكد التقرير تحول دول شرق ووسط أوروبا إلى فاعلين مركزيين في سوق تصدير الأسلحة الصغيرة والمتوسطة إلى بؤر الصراعات الإقليمية عبر تعاقدات بلغت قيمتها حوالي 1.2 مليار دولار خلال الفترة بين عامي 2012 و2016. 

كانت تركيا من بين الدول المتعاقدة علي تلك الصفقات التسليحية وعبر وسطاء محليين في إقليم شرق أوروبا بحسب مركز بحوث النزاعات المسلحة(CRA). بيد أن تركيا لم يكن لديها اهتمام البتة بأسلحة من إنتاج أوروبي شرقي لأنها لا تتناسب مع تجهيزاتها الغربية والأمريكية علي الصعيدين التسليحي والتخطيطي. ومع انتهاج تركيا لسياسات التوسع الإقليمي، تولي حقان فيدان رئيس جهاز استخباراتها تأسيس نطاقات عازلة للتهديدات ونقاط التماس بعد التوغل في الإقليم بصورة مباشرة في الحالة السورية والعراقية، وبالوكالة في الحالة الليبية. وفي إطار هذه السياسة تقدم تركيا دعماً عسكرياً متواصلا للجماعات المسلحة والإرهابية المنضوية فكريا تحت لواء الإسلام السياسي بنسخته السُنية وتحت إداراتها العسكرية والاستخباراتية والتي بلغت عشرات الجماعات والفصائل المسلحة المنتشرة في بؤر تمتد من إدلب السورية وطرابلس الليبية.

وعلى الرغم من أن صادرات السلاح من دول وسط وشرق أوروبا تتم بصورة قانونية ودون أي اختراق لمعايير الاتحاد الأوروبي، إلا أن المفترض -وفق القواعد الأوروبية- أن تقوم هذه الدول بتقييم مخاطر التصدير، ومراجعة مدى التزام المستوردين بتسلم الأسلحة، والامتناع عن نقلها إلى مناطق الصراعات المسلحة، وفي المقابل تركز الحكومات في دول وسط وشرق أوروبا على استيفاء المتطلبات الشكلية للتصدير دون مراجعة مسارات انتقال شحنات الأسلحة، والتحقق من عدم وصولها إلى الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية.

وعليه فإن النشاط الاستخباري التركي في شرق أوروبا انحصر في ثلاثة أهداف استراتيجية

1- تأمين العمل كـ “ترانزيت” لنقل صفقات السلاح  لـ الولايات المتحدة في شرق أوروبا لصالح “المعارضة السورية”.

تدعم الولايات المتحدة الأمريكية بصورة مباشرة عمليات تصدير الأسلحة من دول شرق ووسط أوروبا إلى منطقة الشرق الأوسط، حيث تقوم قيادة العمليات الخاصة بوزارة الدفاع الأمريكية (SOCOM) بدور مركزي في عمليات تصدير الأسلحة ونقلها إلى ساحة القتال في سوريا. التقارير الرسمية الصادرة عن إدارة المشتريات التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية فقد كشفت عن شراء الولايات المتحدة أسلحة من بلغاريا بحوالي 27 مليون دولار ومن صربيا بحوالي 12 مليون دولار خلال الفترة بين عامي 2014 و2016، وهي الأسلحة التي تم الاعتماد عليها في دعم فصائل المعارضة السورية. وصلت هذه الشحنات إلي ما يسمي فصائل “المعارضة المعتدلة” من موانئ كونستانتا في رومانيا وبرجاس في بلغاريا، إلي سوريا عن طريق الحدود التركية. 

2- ضمان تدفقات السلاح لهذه الجماعات والفصائل المسلحة عبر وسطاء محليين.

تدير تركيا منفردة وأجهزتها الاستخباراتية عشرات الجماعات والفصائل المسلحة الموالية لها من الشمال الغربي السوري وصولا للعاصمة الليبية طرابلس وميليشياتها الأربعة الرئيسية والتي تتفرع منها هي الأخرى عشرات التنظيمات والمفارز الأمنية، ما يتطلب تأمين تدفق تسليحي لهذه الجماعات في الذخيرة والعتاد، ولاسيما بعدما واجهت تلك الجماعات مؤخراً جهوداً مشتركة كبيرة لدحرها من قبل الدول الوطنية المستقرة في المنطقة ولاسيما الثنائي العربي (مصر – الإمارات).

بيد أن تسليح الفرد المقاتل في الجماعات والفصائل الموالية لتركيا في الإقليم يتميز بالتجهيز السوفيتي القديم بدءا من البندقية الآلية وصولا للقنابل والمواد المتفجرة، فيما عدا السلاح النوعي “المدرعات والطائرات المسيرة”.

ففي عام واحد ممتد من 2018 لـ 2019، ضُبطت أكثر من أربعة سفن قادمة من الموانئ التركية ومتهجة للسواحل الليبية وعلي ظهرها أطنان من المتفجرات والبنادق الآلية التشيكية والذخائر. الجدير بالذكر أن مخزونات الأسلحة التي يتم تداولها في منطقة البلقان وشرق أوروبا تتم عبر عصابات تهريب السلاح وجماعات الجريمة المنظمة بأسعار محدودة وبصورة غير شرعية، وهو ما تؤكده دراسات معهد الدراسات الأوروبية وتقارير منظمة مراقبة الأسلحة الصغيرة والمتوسطة في شرق ووسط أوروبا التابعة للأمم المتحدة، ما يعطي صورة أوضح عن توغل النظام التركي وأجهزة استخباراته في تلك المنطقة وشبكة علاقاته مع عصابات التهريب والجريمة المنظمة

3- تأمين جسر جوي للإمداد عبر شركات شحن مشبوهة

اختصاراً للعامل الجغرافي، ولضمان دعم الميليشيات الموالية لها في العاصمة الليبية طرابلس، لجأت تركيا إلي تعزيز ارتباطاتها الاستراتيجية مع شركات شحن أوكرانية مشبوهة تورطت في نقل الحمولات المجهولة والأسلحة لمناطق متفرقة من العالم. ففي البداية استبق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الجهود الرامية لتعزيز الارتباطات “التوافقية” مع عواصم شرق أوروبا بزيارة رسمية لأوكرانيا في أكتوبر عام 2017، فتحت الزيارة الباب أمام العديد من التفاهات التجارية والأمنية ومهدت لتسهيل إجراءات استخدام الاستخبارات التركية لشركات الشحن الأوكرانية لنقل الإرهابيين والعتاد والذخيرة إلي العاصمة الليبية طرابلس واختصاراً لعامل البُعد الجغرافي بين أنقرة وطرابلس.

حيث سيّرت شركة ” Ukraine Air Alliance ”  الأوكرانية للشحن الجوي رحلات مكثفة خلال الآونة الأخيرة بين مطارات تركية مختلفة ومطار مصراتة الدولي بواقع رحلة يومية تقريباً في بعض الأحيان مستخدمة في هذه الرحلات مجهولة الحمولة والركاب طائرات شحن من طراز ” أنتينوف ” ، وهي الشركة ذاتها التي إتهمتها أندونيسيا نهاية العام 2017 بنقل وتهريب أسلحة إلى حركة إرهابية متمردة في الأرخبيل  .

تملك هذه الشركة وفقاً لبيانات تسجيل دولية بموقع Flight Radar 24  عشر طائرات شحن تعمل بين مختلف دول أوروبا وآسيا أما على صعيد دول منطقة الشرق الأوسط فأن ثلاثة منها على الأقل وفقاً لما هو متاح من بيانات فتعمل في مطارات تركيا و إسرائيل ومؤخراً إلى ليبيا .

البداية مع الطائرة ” أنتينوف 12 بي كي ” ذات رمز التسجيل ” UR-CAH ” التي يبدوا من بيانتها أنها كانت متوقفة عن الخدمة منذ شهر ديسمبر الماضي ثم عادت للعمل مطلع مايو المنصرم وكانت أول رحلاتها خارج أوكرانيا إلى مصراتة إنطلاقا من مطار أنقرة يوم 1 يونيو الماضي وحملت الرحلة رقم ( UKL4073 ) قبل أن تسير رحلة أخرى أيضاً بذات الرقم إلى مصراتة اليوم الإثنين 3 يونيو  ومنها غادرت مساءً إلى مطار المنستير في تونس.

أما الطائرة الثانية فهي أيضاً من طراز ” أنتينوف 12 بي كي ” وتحمل رمز التسجيل ” UR-CNT ” وقد قامت هي الأخرى برحلات من مطارات تركية إلى مصراتة منذ إندلاع المعارك في طرابلس وكان من اللافت أن بعض هذه الرحلات تحركت بدون أرقام أو قامت الطائرة خلال الرحلة بإغلاق نمط التتبع الخاص بها .

ظلت الطائرات تسلك نفس المسار بتكتيك الطيران الصامت تجنباً لرصدها، حتي نجح أخيراً سلاح الجو الليبي في تدمير واحدة منها في مهبط الكلية الجوية في مصراتة، أغسطس الماضي، وكانت محملة بأطنان من الذخيرة والعتاد بحسب تصريحات اللواء المسماري المتحدث الرسمي للجيش الوطني الليبي.

دفعت حالة السيولة الأمنية في دول شرق ووسط أوروبا وضغط الآداء الاقتصادي لهذه الدول لظهور اقتصادات السلاح الموازية في ظل الربحية العالية لتصدير الأسلحة، وعودة صناعة الأسلحة للإنتاج بكثافة، كما أن التنظيمات الإرهابية باتت قادرة على الحصول على هذه الأسلحة بأسعار زهيدة، ووفقًا للتحقيقات الأوروبية فإن مُنفِّذي الهجمات الإرهابية في باريس وبروكسل قد استخدموا بنادق من طراز زاستافا تم إنتاجها خلال فترات الحرب الأهلية في يوغسلافيا، وهو ما ينطبق على الخلايا الإرهابية التي تم تفكيكها في إيطاليا كذلك. ما مهد لنشاط أجهزة استخبارات القوي الإقليمية الفاعلة في الإقليم في هذه المناطق الهامة ولا سيما تركيا، وأفرز ارتباطات استراتيجية بينها وبين تنظيمات الجريمة المنظمة والمافيا والفصائل المسلحة تحت راية الإسلام السياسي، ارتباط تتكشف أبعاده كلما زادت وتيرة التنافس والصراع في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى