الصحافة الدولية

الاحتجاجات في طهران

اشتعلت مدن الجمهورية الإسلامية الإيرانية باحتجاجات واسعة، منذ اعلان التليفزيون الرسمي عن دخول سياسات حكومية جديدة حيز التطبيق، والتي تتعلق بأسعار الوقود وحصص المحروقات المدعومة لكل مركبة، وهو ما يتصل ايضًا بحالة الاحتقان واتجاهات بالداخل رافضة للنظام وسياساته. وحيث واجه النظام الإيراني حركات احتجاجية عدة خلال السنوات الأخيرة، ونجاحه في تخطى تلك الاحتجاجات عبر أدواته المختلفة، تصاعدت مؤشرات ذات دلالة كبرى أن النظام أصبح يمتلك من المرونة ما سيمكنه من تجاوز خطر الاحتجاجات، إلا أن بروز العديد من المتغيرات على الصعيد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في إيران، والعواصم التي أعلنت فيما قبل أنها تتواجد بها وتسيطر عليها، وكذلك طبيعة الاحتجاجات المتأججة في الوقت الحالي، تتبلور أهمية كبرى بحث وبيان محفزات تلك الاحتجاجات والتعاطي الرسمي المُرجح معها؛ للوصول الى السيناريوهات المُحتمل أن تصل إليها تلك التظاهرات، وتأثيرها على سلامة هيكل وبنية النظام الإيراني. وهو ما ستسعى هذه الورقة لتناوله.

نمط ودوافع الاحتجاجات

Image result for ‫احتجاجات ايران‬‎

شهدت عدة مدن إيرانية مظاهرات حاشدة رافضة لقرار الحكومة برفع أسعار الوقود وتقنين تداوله، ومن أبرز تلك ومن بينها مدن سيرجان وطهران وشيراز وأصفهان وتبريز والأهواز ومشهد وبهبهان والكرج وبوشهر وبندر عباس وخرمشهر وماهشهر وبيرجند وإقليم كرمان وفي إقليم خوزستان. وتنوعت مظاهر الاحتجاج حيث أضرم المحتجون النار في “المصرف الوطني” بمدينة “بهبهان”، وقد واجهت عناصر الشرطة المحتجين بإطلاق الرصاص باتجاههم لتفريقهم. وفي مدينة “كرج” خرج المتظاهرون مطالبون بإسقاط نظام المرشد، كما حاول المحتجون مهاجمة وإضرام النيران في مستودعات النفط ورفضوا تدخل طهران في شؤون الدول العربية بمدينة “سيرجان”، وخرجت تظاهرات منددةً بسياسات النظام في دعم المجموعات الشيعية بالخارج ورددت شعارات كـ “إلى متى ستبقى أموالنا تذهب إلى جيوب غزة ولبنان؟” في مدينة “بيرجند” قرب مشهد بشمال شرقي إيران، وأنضم إليهم محتجون في مدينة “بوشهر” منددين بإنفاق عائدات البلاد على قوات الحرس الثوري دون تحقيق تنمية للمواطنين.

وتتصاعد وتيرة الاحتجاجات، منذ يوم الجمعة 15نوفمبر الجاري، حيث تراجعت أوضاع الداخل الإيراني على كافة المستويات، وهو الأمر الذي لا ينفصل عن متغيرات السياسات الخارجية للنظام الإيراني، والمتصل باتجاهات تعاطي السلطة مع مطالب المواطنين -على اختلاف وسائل التعبير عنها- وبالتدقيق في المشهد الاحتجاجي الحالي وتوقيته، تتصدر مجموعة من الدوافع قائمة أسباب التظاهرات في صورتها الراهنة، ويمكن تناولها فيما يلي:

1- سياسات الوقود الجديدة: اندلعت الاحتجاجات بعد اعلان وسائل الاعلام الرسمية عن زيادة أسعار الوقود ووضع ضوابط جديدة لتداوله، ووفقًا للأسعار الجديدة سيرتفع سعر لتر البنزين العادي ليبلغ (15) ألف ريال (12.7 سنت أميركي) بعدما كان في حدود 10 آلاف ريال، وهو سعر ال (60) لترًا الأولى في الشهر للسيارات الخاصة، وبعدها يتم احتساب اللتر الإضافي بسعر (30) ألف ريال. وبينما برر النظام سلسلة الإجراءات بداعي الحاجة لسيولة نقدية لتغطية الاحتياجات العاجلة لـ 18 مليون أسرة فقيرة، وتأمين المساعدات المستمرة لأكثر من 60 مليون إيراني، إلا أن الشارع الإيراني يراها توجه عام للدولة مفاده الاتجاه نحو زيادة الضرائب على الشركات والمواطنين؛ لتعويض العجز الناجم عن حظر صادرات النفط الإيراني.

2- تردي الأوضاع الاقتصادية: تصاعدت موجة الاحتجاجات مقترنةً تدهور الاقتصاد الإيراني، حيث توقع صندوق النقد الدولي -في أكتوبر 2019- انكماشه بنسبة 9.5 % خلال العام 2019، وارتفاع معدل التضخم السنوي بنسبة 35.7%؛ بتأثير مباشر من تشديد العقوبات الأميركية. وهو ما تزامن مع تراجع سعر صرف الريال ليصبح سعر الصرف الرسمي (42) ألف مقابل الدولار الأميركي بعد أن كان (32) ألف قبل الغاء الاتفاق النووي، بينما أصبح داخل السوق السوداء حوالي 115 ألفا للدولار؛ مع استمرار السياسات التي يتبناها النظام كما هي، وتدفع بإيران الى تلقي المزيد من العقوبات. والجدير بالذكر أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد هبط إلى -3.9 % في عام 2018 وتقدر بنحو -6% في عام 2019، إلى جانب معدل تضخم شهري قدره 40 %، وبطالة وطنية حوالي 12 %، وبطالة شباب بحوالي 25 %. 

3- التضييق على الأنشطة السياسي: يعاني الإيرانيون من القبضة الأمنية المشددة على الأنشطة السياسية، وخصوصًا ذات التوجه القومي والمناطقي، فضلاً عن التدابير الأمنية القسرية للرقابة وتحجيم الحراك المجتمعي والسياسي والاقتصادي. وقد واجهت المناطق التي شهدت حراكات سابقة والعناصر المعارضة بالداخل والخارج لملاحقات أمنية. وفيما أمكن لتلك الأنشطة الأمنية تحجيم الحراكات والتظاهرات السابقة، فقد خلّفت حالة من الاحتقان المتزايد بين صفوف الإيرانيين، قابل للاشتعال بشكل كبير مع تصاعد الإجراءات الحكومية وخصوصاً المتعلق بالشق الاقتصادي منها.

4- التدخلات الخارجية: يتزايد الاتجاه الرافض لتبني النظام الإيراني استراتيجية إقليمية تستهدف فرض نفوذها بعدد من العواصم الإقليمية، بشكل مباشر عبر وحدات الحرس الثوري كالتدخل في الصراع السوري، أو بشكل غير مباشر عبر مجموعات متعددة من الوكلاء، وهو الامر الذي ينعكس على قدرات الدولة الاقتصادية -سواء النفقات أو تأثير العقوبات- ويتصل بالضرورة بإضعاف الخدمات وفرص التنمية وتوفير موازنات الدولة لصالح الداخل والمواطن. ومع اشتعال تظاهرات ببغداد ولبنان -العاصمتين التي استثمرت فيهما إيران بشكل كبير لتصبحا تحت سيطرتها- رافضةً للتدخلات الإيرانية، ودخول المرجعية الدينية بالنجف على خط الازمة ضد التدخل الإيراني في العراق، أصبح الداخل الإيراني أكثر غضبًا من استراتيجية الحكومة في الخارج. 

تعاطي النظام من الاحتجاجات

يمكن الاستدلال على كيفية تعاطي النظام الإيراني مع الاحتجاجات الحالية، انطلاقًا من تحليل الإجراءات الرسمية التي واجه بها الاحتجاجات التي كانت خلال الفترة السابقة مهددةً لبقائه ووجوده، وإن كانت اشتملت محاولات لإظهار التضامن مع المحتجين عبر الاعتراف بشرعية بعض مظالم المحتجين، في تظاهرات سابقة، إلا أن السمة الغالبة للتعاطي الرسمي كانت عبر تعزيز القبضة الأمنية، وفرض مزيد من القيود على وسائل الاحتجاج والتعبير عن الرأي. وهو ما يمكن تناوله كالتالي:

  • تعزيز وتطوير القدرات الأمنية: يعتمد النظام الإيراني على القوة الأمنية بشكل أساسي في مواجهة الاحتجاجات، واتجه لإعادة تأهيل المنظومة الأمنية بشكل عام، وجهاز الشرطة -قوة إنفاذ القانون- وهيئاته بشكل خاص، وهو ما ظهر في اعقاب احتجاجات عام 2009 بوضوح. ومن أبرز مظاهر هذا التعزيز التوسع في إنشاء مراكز الشرطة ووحدات الدوريات الأمنية، والتي وصلت الى 400 وحدة في طهران وحدها. كما ظهر هذا الاتجاه في رفع موازنة الشرطة بشكل عام بمعدل 200% خلال العام 2018، والتي ارتفعت بنسبة 400% في بنود التسليح منعكسةً على توسع الهيئة في امتلاك عربات مدرعة وبعض الأسلحة الثقيلة ورذاذ الماء. فضلاً عن زيادة أنشطة الاستخبارات المدنية للدخول الى قلب التظاهرات والقبض على العناصر المحتجة. وانعكس هذا التعزيز الى الوصول بهيئة الشرطة الى القدرة على احتواء كافة الاحتجاجات السابقة دون الحاجة لاستدعاء ونشر وحدات الحرس الثوري الإيراني.
  • التحديث التكنولوجي: بعد احتجاجات عام 2009، أنشأت شرطة الفضاء الإلكتروني في عام 2011؛ لمراقبة المحتوى عبر الإنترنت، والتحقيق في جرائم الإنترنت، واتخاذ إجراءات صارمة ضد الناشطين عبر الإنترنت والمحتوى المحظور، كما توسع النظام في استخدام الكاميرات وتقنية التعرف على الوجه؛ للتعرف على المحتجين وضبطهم. وحاول النظام إنشاء نظام معلومات الكتروني مغلق نسبياً يُعرف بـ “شبكة المعلومات الوطنية” أو “الإنترنت الحلال”؛ لتسهيل ضبط المحتوى، كما تم حظر تطبيقات مثل Viber وTelegram وInstagram وTwitter وFacebook وYouTube وGoogle، بالإضافة إلى منصات استضافة المدونات الرئيسية مثل WordPress وBlogSpot وBlogger؛ لتقويض قدرة المتظاهرين على التواصل وتنظيم الفعاليات، بالإضافة الى حظر ومصادرة وسائل استقبال القنوات الفضائية، وقطع خدمات الانترنت والاتصالات في المناطق التي شهدت احتجاجات لفترات مختلفة. 

وجاء التعاطي الرسمي مع الاحتجاجات الحالية متسقًا مع ذات الإجراءات السابقة؛ حيث اعتبر النائب العام الإيراني، محمد جعفر منتظري، أن قرار رفع أسعار البنزين جاء ضمن القانون وأعمال الشغب في البلاد لها “صلة بأطراف خارجية وانه سيتم التصدي بحزم للمخلين بالأمن والنظام العام”، فيما أكدت السلطات الإيرانية، خلال اجتماع للمجلس الاقتصادي الأعلى، على ضرورة التعاون بينها لتطبيق خطة تقنين ورفع أسعار البنزين، في خطوة تفيد بتمسكها بالقرار وعدم وجود نية لديها للتراجع. وكشف عدة تقارير عن أن قوات الأمن تطلق الرصاص على المحتجين في عدة مدن كمدينة “ساوة” وسط إيران ومدينة “بهبهان” بالجنوب الغربي، ومدينة ” بوشهر” بالجنوب. وقامت السلطات العراقية بناء على طلب من طهران بإغلاق معبر “شلامجة” الحدودي الجنوبي أمام حركة المسافرين إلى حين إشعار آخر، كما قطعت السلطات الإيرانية خدمة الإنترنت عن مناطق الأهواز،   

ومُجمل القول، فإن التظاهرات في إيران تأتي في سياقات متداخلة تدفع جميعها الداخل الإيراني نحو مزيد من الاشتعال والتأجج. ومن المُرجح، أن يُقابل تصاعد وتيرة الاحتجاجات إجراءات أمنية مشددة كاحتجاز النشطاء، والتصدي الحازم بقوة مُفرطة لمواجهة التظاهرات، كذلك فرض حالة الطوارئ وحظر التجول بالمدن التي تشهد احتجاجات، لاسيما العاصمة “طهران”. وبالمقابل، ستتصاعد وسائل الاحتجاج بالتزامن مع حالة التحشيد الداخلي ضد النظام، وما سيعتمده النظام من مسارات قمعية عنيفة ضد المحتجين، فضلاً عن التعاطي الخارجي الداعم للاحتجاجات في العواصم التي طالما اعتمدت إيران على إيجاد نفوذ قوي فيها، لتُصبح الاحتجاجات في تلك العواصم مغذياً رئيسياً لمشاعل الاحتجاج في طهران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى