الصحافة المصرية

لقاء “الطيب” وبابا الفاتيكان.. خطوات حثيثة لتعزيز السلام

تأتي مشاركة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب – شيخ الأزهر الشريف ورئيس مجلس حكماء المسلمين – في مؤتمر قمة قادة الأديان تحت عنوان “تعزيز كرامة الطفل في العالم الرقمي”، والذي أُقيمت فعالياته بالمقر الرئيسي للأكاديمية الباباوية للعلوم بالفاتيكان خلال يومي 14-15 نوفمبر 2019، ضمن الدور الفعال الذي يلعبه الأزهر الشريف للتعاطي مع كافة القضايا والمشكلات التي تواجه الإنسانية. حيث أكد فضيلة الإمام أنه على الرغم من الفوائد الجمة والفرص الكثيرة التي وفرتها التكنولوجيا الرقمية، إلا أن هناك جملة من المخاطر المتعلقة بها، أبرزها، أن الأطفال ممن هم دون الـ18 باتوا يعانون الاضطراب الشديد، بطريقة تنذر بفجوة عميقة بينهم وبين أسرهم، فضلًا عن ميلهم إلى العزلة واللامبالاة والكسل والخمول، وبوادر عنف وعداء محتمل، وغير ذلك مما ينذر بأمراض نفسية واجتماعية. مشددًا على أن المؤتمرات التي تناقش مستقبل الطفولة المحفوف بالمخاطر لا تعد ترفًا أو مجرد كلمات تلقى خلال اجتماع، بل هي دعوة جدية للتصدي والمواجهة والبحث الجاد عن مخرج، وذلك بعد ما بات واضحًا لرجال الدين والمفكرين والسياسيين ولكل ذي قلب وضمير أن هذا التطور الرقمي قد سَرق من الأطفال، براءتهم وأحلامهم، وسهل كذلك من توفير ساحات لتجنيدهم لدى التنظيمات الإرهابية، فضلًا عن إتاحة منصات لاستغلالهم وإبتزازهم جنسيًا. 

لقاءات متعددة 

C:\Users\DELL\Desktop\133-231522-al-azhar-vatican-italy_700x400.jpeg

يُمثل اللقاء الأخير الذي جمع بين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان خلال مؤتمر”تعزيز كرامة الطفل في العالم الرقمي” اللقاء السادس، فقد سبقه 5 لقاءات في مناسبات مختلفة. تمثل اللقاء الخامس في مشاركة فضيلة الإمام الأكبر في المؤتمر العالمي للأخوة الانسانية، الذي انعقد في أبو ظبي بالإمارات خلال يومي 4-5 فبراير 2019. سعى المؤتمر إلى التصدى للتطرف الفكرى، وتعزيز العلاقات الإنسانية واحترام الاختلاف بين أتباع الأديان والعقائد المتعددة، من خلال إعادة بناء جسور التواصل والتعارف والاحترام، ومحاولة تعزيز الأمان والاستقرار والسلام وتحقيق التعايش المنشود. 

عُقد اللقاء الرابع بين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان فى 16 أكتوبر 2018 بالفاتيكان، أكد خلاله البابا فرنسيس أن الفاتيكان يتطلع لمزيد من التعاون مع الأزهر الشريف. كما أعرب شيخ الأزهر عن سعادته بهذا اللقاء الودى الذى يجمعه بالبابا فرنسيس، الذى يجسد أنموذجًا لرجل الدين المتسامح والمعتدل، والمهموم بقضايا ومعاناة الفقراء والمستضعفين والمشردين حول العالم، وهو أمر يشاطره الأزهر الشريف الاهتمام به؛ كونه يمثل جوهر تعاليم الأديان.

وجاء اللقاء الثالث بين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان فى 7 نوفمبر 2017 فى المقر الباباوي بالفاتيكان، حيث حرص البابا فرنسيس على استضافة الإمام الأكبر على مائدة غداء، فيما شدد الإمام الأكبر على استعداد الأزهر لتقديم “كل ما يملك من خبرة من أجل تعزيز التعاون غير المحدود لنشر فكرة السلام العالمي، وترسيخ قيم التعايش المشترك وثقافة حوار الحضارات والمذاهب والأديان.

بينما جاء اللقاء الثانى بين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان في القاهرة فى أبريل 2017، حيث شارك قداسة البابا فى مؤتمر الأزهر العالمى للسلام، حيث شدد شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان فى كلمتيهما خلال المؤتمر على القيم الإنسانية التى تحملها تعاليم الأديان، ورفضها للعنف والكراهية.

في حين، عُقد اللقاء الأول بين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان فى 23 مايو 2016، وقد أشار البيان الصادر عقب اللقاء إلى أنه ركز على تنسيق الجهود من أجل ترسيخ قيم السلام ونشر ثقافة الحوار والتسامح والتعايش بين مختلف الشعوب والدول، وحماية الإنسان من العنف والتطرف والفقر والمرض، حيث يقع على المؤسسات الدينية العالمية مثل الأزهر والفاتيكان عبء كبير فى إسعاد البشرية ومحاربة الفقر والجهل والمرض.

جهود الأزهر الشريف بين الداخل والخارج

      يزخر تاريخ الأزهر الشريف بالعديد من الجهود والمبادرات التي قام بها دفعًا للتسامح ودرءً للعنف والتطرف ومحاولاته الدائمة للتعاطي مع كافة القضايا والمشكلات التي تواجه البشرية. فوفقاً للقانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر، يحمل الأزهر الشريف أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب، ويعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره في تقدم البشر ورقى الحضارة وكفالة الأمن والطمأنينة لكل الناس. كما يهتم ببعث الحضارة العربية والتراث العلمي والفكري للأمة العربية. 

       من هنا، سيتم التركيز على أبرز الجهود التي قام بها الأزهر الشريف في الداخل والخارج خلال فترة تولي فضيلة الإمام الأكبر الدكتور/ أحمد الطيب لمشيخة الأزهر منذ 2010. من أبرز الجهود على المستوى الداخلي، العمل على تطوير التعليم الأزهري؛ إدراكاً منه أن التعليم هو حجر الزاوية في وأد التطرف ونشر ثقافة السلام. ولذلك، تم تأسيس لجنة إصلاح التعليم ما قبل الجامعي 2016 على شاكلة لجنة تطوير التعليم الجامعي2007، كما دشن مادة “الثقافة الإسلامية” (للمراحل الإعدادية والثانوية والجامعية) والتي يسعى لإقرارها في كل الجامعات المصرية. إضافة إلى؛ العمل على تجديد الخطاب الديني الذي يراه الإمام الأكبر حقيقة شديدة الوضوح نصًا وشريعةً وتاريخًا، ودعوته إلي (الاجتهاد الجماعي) للنظر في قضايا الأمة، وأخطرها علي الإطلاق قضايا التكفير وتحديد مفهوم “دار السلم ودار الحرب”، واستنهاض الأمة لاستصدار فتاوى توجب العمل وتحرم التقاعس والكسل، وغيرها. وفي السياق ذاته؛ قام الأزهر بمجموعة من المبادرات لتعزيز دوره الداخلي، علي رأسها: عقد مجموعة من الحوارات الموسعة لتصحيح المفاهيم المغلوطة (مثل: لقاء فضيلة الإمام الأكبر بجامعة القاهرة)، بجانب إنشاء مرصد الأزهر بلغات أجنبية متعددة لتفنيد الفتاوى المتطرفة والأفكار الداعشية.  إضافة إلى إنشاء ما يقرب من 765 مكتبة علمية للوعاظ الجدد في 15 محافظة علي مستوي الجمهورية. فضلاً عن؛ إرسال قوافل دعوية وتنموية لمختلف المحافظات بلغ عددها في 2016 حوالي 2100 قافلة ضمت 3400 واعظ. وأخيراً؛ إنشاء المقهي الثقافي التابع للأزهر بالتعاون مع قصور الثقافة، والذي بدأ في (الأقصر/ أسوان/ البحر الأحمر/ أسيوط/ سوهاج).

       على الجانب الآخر؛ يعد فضيلة الإمام الأكبر صاحب فكرة إنشاء “بيت العائلة المِصرية”، وقد حازت الفكرة ترحيب قداسة البابا شنودة الثالث، في أعقاب واقعة “كنيسة سيدة النجاة بالعراق” فى 31 أكتوبر عام ٢٠١٠، والاعتداء على “كنيسة القديسَين” بالإسكندرية في الساعات الأولى لعام ٢٠١١. ويعمل “بيت العائلة المصرية” على تأكيد القيم العليا والقواسم المشتركة بين الأديان والثقافات والحضارات الإنسانية المتعددة، وبلوَرة خطاب جديد يناسب الشباب والنشء، ويشجع على الانخراط العقلى فى ثقافة السلام ونبذ الكراهية والعنف، من خلال التعرف على الآخر، وإرساء أسس التعاون والتعايش بين مواطنى البلد الواحد.

        أما فيما يتعلق يتعلق بالبعوث الإسلامية التي تضم طلاب من ما يقرب من 120 دولة حول العالم، أطلق الإمام الأكبر في عام2007 مبادرته، حين كان رئيسا لجامعة الأزهر، بتأسيس الرابطة العالمية لخريجي الأزهر من مختلف دول العالم، فتأسست لها أفرع في19 دولة (ماليزيا، إندونيسيا (فرعان)، تايلاند، الهند، فلسطين، الصومال، السودان، تشاد، بريطانيا، جزر القمر، مالي، كينيا، جنوب إفريقيا، تنزانيا، باكستان، رواندا، كوت ديفوار، سلطنة بروناي دار السلام)، إضافة إلى عدة فروع تحت التأسيس في (كُردستان العراق، اليمن، النيجر، أفغانستان، نيجيريا، أوكرانيا، والفلبين). كما يدرس الأزهر الشريف تعيين طلاب البعوث الإسلامية كدعاة تابعين إداريا وفكرياً للأزهر الشريف في دولهم الأم (جاء ذلك في المؤتمر الأول لبرلمان الطلاب الوافدين إبريل 2017).

     أما عن الدور الخارجي؛ يرسل الأزهر العديد من البعثات الخارجية، حيث بلغ عدد مراكز الأزهر بالخارج ما يقرب من87 مركزًا، بجانب 15 معهداً أزهرياً (13 أفريقيا/ 1 كندا / 1باكستان). فضلا عن؛ تدشين مجلس حكماء المسلمين 2014 في الإمارات. إضافة إلى التوسع في الزيارات الخارجية التي يقوم بها فضيلة الإمام الأكبر إلى عدد من الدول (نيجيريا، الفاتيكان، باريس، ألمانيا، الشيشان، البحرين، الإمارات، البرتغال، موريتانيا، سويسرا، كازاخستان، أوزبكستان، بروناى دار السلام، اندونيسيا، سنغافورة،).  إضافة إلى عقد اللجنة المشتركة للحوار بين مركز الحوار بالأزهر الشريف والمجلس البابوي للحوار بين الأديان، جاء في أعقابها عقد ندوة بعنوان “دور الأزهر والفاتيكان في مواجهة ظواهر التعصب والتطرف والعنف”. بجانب عقد والمشاركة في عدد من المؤتمرات الدولية، أبرزها: المشاركة في المؤتمر الدولي لوقاية الشباب من التطرف والإرهاب الذي انعقد في مقاطعة “كيبك” بكندا في 2016. كما شارك الأزهر الشريف في أعمال مؤتمر”التنوع الديني: التعددية والتسامح والتماسك الاجتماعي في المنطقة العربية”، الذي انعقد في2016 في العاصمة الأردنية عمّان.  كما عقد الأزهر ومجلس حكماء المسلمين المؤتمر الدولي “الحرية والمواطنة .. التنوع والتكامل” في 2017، وذلك بمشاركة أكثر من 50 دولة. بجانب اقامة المؤتمر العالمي لنصرة القدس في مصر خلال 17-18 يناير 2018، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور ممثلين من 86 دولة على رأسهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وأخيراً، إقامة “منتدى شباب صناع السلام” في لندن، تحت رعاية الأزهر ومجلس حكماء المسلمين وكنيسة كانتربيري البريطانية، بمشاركة شباب من مختلف الجنسيات. وكذا إرسال قوافل السلام للعديد من دول العالم لنشر صحيح الإسلام، بجانب إرسال العديد من القوافل الطبية وقوافل الإغاثة للمناطق الفقيرة والمكنوبة في أفريقيا. 

       وفي السياق ذاته؛ يسعى الأزهر الشريف إلى لعب دور خارجي نشط لاحتواء الأزمات ودرء العنف، أبرزها: ما قام به وفد “بيت العائلة المصرية” في أفريقيا الوسطى من التوصل للمصالحة الوطنية بين الفرقاء وبحضور رئيسة الجمهورية في “منتدى بانجي” عام 2015. كما نجحت جهود مجلس حكماء المسلمين بقيادة شيخ الأزهر في جمع فرقاء الأزمة في ميانمار في مؤتمر وملتقي حواري للسلام في 2017 بالقاهرة. 

وختاماً، فإن ما يقوم به الأزهر الشريف لدعم وتعزيز السلام هو حلقة ضمن تاريخ حافل من الجهود الحثيثة التي تتم وفقاً لنهج ورؤية لمكانة الأزهر الشريف ودوره العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى