الصحافة العربية

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وملفات شائكة

تدل زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لدولة الإمارات العربية المتحدة على عمق الروابط والقواسم المشتركة بين الدولتين، ولم تكن هذه العلاقة الوطيدة وليدة اللحظة وإنما تمتد جذورها إلى حقبة ما قبل عام 1971، حيث تعتبر مصر من أوائل الدول التي ساندت المشروع الإماراتي الذاهب لتأسيس وإعلان اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971 ومنذ ذلك الحين وقد قدمت مصر كافة سبل وأشكال الدعم لوحدة واستقرار الامارات، وقد مرت العلاقة بين البلدين بعدة مراحل بين التنسيق والشراكة في عدد من القضايا والملفات المشتركة حتى أصبحت العلاقة بين البلدين قائمة على الشراكة والحوار الاستراتيجي بهدف مواجهة التحديات ومجابهة المخاطر المُشتركة.

ترتيباً على ما سبق تأتي أهمية زيارة الرئيس السيسي لدولة الامارات (13 نوفمبر2019) والتي تستغرق يومين لبحث التطورات على الساحة العربية والإقليمية والدولية وكذلك القضايا ذات الاهتمام المشترك، وعليه يمكننا الوقوف على أهمية تلك الزيارة من خلال الوقوف على محددات العلاقة بين مصر والامارات مرورا بالسياق الإقليمي والدولي المرتبط بتوقيت الزيارة وذلك فيما يلي:

C:\Users\feps\Desktop\محمد بن زايد.jpg

محددات الشراكة الاستراتيجية وحدود العلاقات المتينة

   تُعد العلاقات المصرية الإماراتية من أوثق العلاقات وأكثر صلابة نظرا لما تتمتع به الدولتين من قوة وفاعلية سواء في المحيط الإقليمي أو الدولي، وقد اتخذ التعاون المصري الإماراتي نهجا استراتيجيا على كافة الأصعدة والمستويات وفي مختلف المجالات، سياسيا، اقتصاديا، عسكريا الامر الذي يمكن الإشارة اليه فيما يلي:

  • على الصعيد السياسي، تشكلت العلاقة المصرية الإماراتية على أُسس تعاونية وتكاملية بين الجانبين خاصة في مرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو، إذ شهدت هذه الفترة درجة عالية من التنسيق في عدد من الملفات، الأمر الذي انعكس على حجم الزيارات المتبادلة بين الطرفين، حيث قام الرئيس السيسي بزيارة الإمارات في 6 مناسبات قبل هذه المرة، وجاءت الزيارة الأولى في (يناير2015) عندما شارك الرئيس السيسي بالقمة العالمية لمستقبل الطاقة في أبوظبي، وكانت آخر هذه الزيارات في ( فبراير2018)، ضمن جوله خارجية شملت كل من الإمارات وسلطنة عمان، من ناحية أخرى زار ولي عهد أبوظبي مصر في ما يقرب من 11 مناسبة بدأت في ( يونيو 2014) أثناء حضور حفل تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيسا للجمهورية، الأمر الذي يعني أن حجم الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى بين البلدين بداية من 2014 حتى الآن بلغ نحو 18 زيارة، ناهيك عن قيام الطرفين بتدشين آلية للتشاور السياسي بين الجانبين (2017)، وتنطلق فلسفة هذه الآلية من خلال عقد اجتماع كل 6 أشهر بين كبار المسؤولين من الدولتين،  مما يدل على قوة العلاقة وأهميتها لدى صانع القرار ورأس السلطة في البلدين.
https://www.shorouknews.com/uploadedimages/Other/original/xdfhfdhzsdhgfdhfd.jpg
  • على الصعيد الاقتصادي، شكل المحور الاقتصادي دليلا على رسوخ ومتانة العلاقة بين الجانبين، إذ تأتي الامارات في مقدمة الدول العربية والعالمية من حيث الاستثمار المباشر في مصر والذي بلغ نحو 6.6 مليار دولار في عام 2018 بعدما بلغ نحو 6.5 مليار عام 2017، كما وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 3 مليار دولار خلال عام 2018، في الوقت ذاته ارتفع عدد الشركات الإماراتية العاملة في مصر إلى 1065 شركة حتى الربع الأول من 2019 مقارنة بنحو 923 شركة عام 2019.
  • على الصعيد العسكري، نظرا لارتباط الامن القومي العربي بأمن الخليج فقد سعى الطرفان لتطوير ودعم العلاقات الثنائية في مجال التعاون العسكري وقد بدى ذلك واضحا من خلال قيام الجانبان بعدد من المناورات والتدريبات المشتركة بغرض رفع الكفاءة القتالية بين الجانبين وتبادل الخبرات العسكرية والأمنية والاطلاع على أحدث المعدات العسكرية واستيعاب متطلبات العمل العسكري المشترك بين البلدين، فقد شهد عام 2014 على سبيل المثال نحو ثلاث مناورات عسكرية مشتركة تمثلت في مناورة “سهام الحق” والتي انطلقت فعالياتها في الامارات، بالإضافة إلى مناورة ” زايد 1″ و ” خليفة1″ التي استضافتها مصر في ذات العام، ناهيك انطلاق فاعليات التدريب البحري المشترك ” استجابة النسر2018″، بمشاركة عدد من الدول، وكذا التدريب البحري المشترك ” خليفة3″ والتي انطلقت فعالياته ( ابريل2018) بالإضافة إلى التدريب العسكري ” زايد2″ في ( مارس2017) والتي شاركت فيه عناصر من القوت البحرية والبرية والجوية للطرفين وغير ذلك من التدريبات والمناورات العسكرية التي تتشارك فيها مصر مع الامارات وكان آخرها تدريبات ” صقور الليل” في (اكتوبر2019) .
نتيجة بحث الصور عن تدريبات عسكرية مشتركة بين الامارات ومصر

سياق عام وقضايا محورية

    تأتي زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي السابعة للإمارات في ظل سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد والتشابك، الامر الذي من شأنه أن يكسب هذه الزيارة أهميتها الخاصة نظرا لما قد تتناولها من قضايا ذات طبيعة واهتمام مُشترك وعليه يمكننا الإشارة إلى حدود وطبيعة المشهد الراهن والسياق العام الملازم لهذه الزيارة على النحو التالي:

  • تأتي الزيارة مصاحبة لظروف حادة شهدها قطاع غزة في الآونة الأخيرة ارتبطت بالتصعيد المباشر بين فصيل “الجهاد الإسلامي” والجيش الإسرائيلي، إذ سبق الأخير باغتيال القائد الميداني للجهاد “بهاء أبو العطا”، بينما ردت الحركة بإطلاق مئات الصواريخ على إسرائيل. مما تسبب في رفع التوتر وحدة المواقف التي اعتزمت إسرائيل والجهاد الإسلامي أخذها تجاه الآخر. يرافق هذا المشهد جهود مصرية حثيثة من أجل استقرار الأوضاع الأمنية وعدم تصعيدها إلى حد المواجهة الموسعة بين الطرفين؛ وعليه قد تكون الزيارة مناسبة جيدة لطرح إمكانية بذل جهود مشتركة لتهدئة الأوضاع بما يؤدي في النهاية إلى مزيد من الاستقرار.
  • كما تأتي الزيارة في ظل ما آلت اليه الازمة اليمنية وما شهدته من تطورات أخيرة تمثلت في توقيع اتفاق الرياض (5 نوفمبر2019)، الامر الذي ضمن استعادة الشرعية اليمنية في الجنوب وانهاء حالة الاقتتال التي نشبت في عدد من المحافظات الجنوبية منذ أغسطس الماضي والتي استمرت لمدة 9 اسابيع بين عناصر المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة الشرعية، وعليه قد يكون من المناسب في هذه الزيارة التطرق لسبل دعم الدولة اليمنية الموحدة والعمل على حلحلة الازمة بصورة تشمل الجنوب والشمال اليمني وانهاء التمرد الحوثي واستعادة الدولة اليمنية وهو المبدأ العام التي تتبنه مصر والامارات، وقد تلعب الامارات بدورها المحوري في اليمن وكذا مصر لما لديها من ثقل وتأثير إقليمي ودولي دورا في هذا الصدد.
  • لا شك أيضا ان الزيارة تأتي في ظل ما يشهده العالم من تطورات فيما يتعلق بجماعات الارهاب والتطرف العنيف خاصة في مرحلة ما بعد الإعلان الأمريكي عن مقتل “أبو بكر البغدادي” زعيم تنظيم داعش، والحديث عن مستقبل الجماعات الإرهابية وما سيكون عليه المشهد فيما هو قادم، إذ تذهب كافة التحليلات والرؤى إلى أننا على اعتاب موجة جديدة من الإرهاب ستكون أكثر عنفا ودموية مما كانت عليه المرحلة التي امتدت منذ اعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام

 ( يونيو 2014) وحتى مقتل البغدادي ( اكتوبر2019)، وعليه قد يكون من المهم طرح سبل التعاون بين الجانبين من أجل مواجهة التحديات الأمنية المرتبطة بالحرب على الإرهاب والتطرف باعتبارها معركة مشتركة تهدد أمن المنطقة العربية والعالم.

  • تأتي الزيارة أيضا في ظل حالة من التوتر والتصعيد التي شهدته الساحة الخليجية في الآونة، والذي تمثل في قيام عدد من الاذرع والوكلاء الإقليميين ومن بينها ميليشيا الحوثي بارتكاب عدد من الاعمال التي من شأنها أن تعمل على زعزعة الاستقرار والامن في المنطقة، خاصة في ظل التهديدات المتكررة  لحركة الملاحة او المنشآت النفطية ومن بينها حادث ميناء الفجيرة (12 مايو2019) مروراً بحادث استهداف ناقلتي نفط في خليج عمان (13 يونيو2019)، وصولاً لاستهداف منشآتي نفط تابعتين لأرامكو (14 سبتمبر2019)، وعليه فمن المحتمل أن تسعى الزيارة لتأكيد على أهمية حماية الملاحة والمنشآت النفطية في الخليج، والعمل على وضع صيغة لحماية أمن الخليج والممرات المائية نظرا لما يمثله هذا الامر من تعزيز ودعم الاستقرار العربي والإقليمي.
  • في الوقت ذاته تأتي الزيارة في ظل مشهد عربي متغير وغير مُستقر حيث عمت الاحتجاجات الساحة العراقية وتواصلت المظاهرات في بيروت، كما لا تزال الساحة الليبية تشهد حالة من الصراع بين الجيش الوطني الليبي والميليشيات المسلحة في طرابلس المدعومة من عدد من الدول الإقليمية، في السياق ذاته تأتي الزيارة في اعقاب انتهاء الجولة الأولى لاجتماعات اللجنة الدستورية السورية في جنيف، فضلا عن تبعات الغزو التركي للشمال السوري ومحاولة انقرة لاستقطاع جزء من الشمال السوري، ناهيك عن مواصلة السودان لمسار التحول الديمقراطي والانتقال السلمي للسلطة، فضلا عن الجولات المستمرة من اجل المصالحة مع الجماعات والحركات المسلحة هناك، وغير ذلك من القضايا المحورية والجوهرية على الساحة، وعليه فان توقيت هذه الزيارة قد يكون مفيداً من أجل تبني موقف عربي موحد وجاد لمواجهة هذه الازمات وتعزيز العمل العربي المشترك الامر الذي قد يتم التطرق اليه بشكل جاد وفاعل خلال القمة الإماراتية المصرية.
  • ولا شك أن توقيت الزيارة قد ارتبط أيضا ببعض التحليلات التي تُشير إلى إمكانية حدوث انفراجه في ازمة الرباعي العربي (مصر، الامارات، البحرين، السعودية) مع قطر حيث أعلنت الدول الأربع في (يونيو2017) مقاطعة قطر بشكل كامل بسبب دعمها للإرهاب والجماعات المتطرفة، وعليه فقد يكون هذا الملف حاضرا وبقوة في الزيارة، خاصة وان هناك مؤشرات تدل على أن هناك حلا يلوح في الأفق وذلك عبر وساطة كويتية بين هذه الأطراف، حيث قد يطرح الجانبان الصيغة المشتركة المقبولة لإجبار قطر على وقف دعمها للإرهاب والقبول بالشروط العربية الموضوعة سلفا والتي تشكلت عبر 13 بنداً  كان قد وضعها الرباعي العربي من أجل انهاء الازمة، وعليه قد تبحث هذه الزيارة آليات وسبل حدوث هذه الانفراجه المتوقعة حسبما تشير التحليلات وقد تتطرق الزيارة للحديث حول ما يمكن التنازل عنه من هذه البنود وعما لا يمكن التفريط فيه، الامر الذي من شأنه أن يخلق مساحة مشتركة بين الجانبين يمكن تبنيها تجاه التعامل مع قطر.
الرباعي العربي

ختاما، يمكن القول بان العلاقات بين مصر والامارات هي علاقة قائمة على الحوار والشراكة الاستراتيجية، ونظرا لطبيعة السياق العام المُصاحب للزيارة فمن المتوقع ان تمثل هذه الزيارة تحولاً نوعيا في عدد من الملفات ليس على صعيد العلاقات الثنائية فحسب، بل سيمتد تأثير الزيارة ليشمل عدد من الجوانب الاستراتيجية كمكافحة الإرهاب، وحماية الامن القومي العربي ورسم سياسيات الدفاع المشترك لمعالجة القضايا العربية وما تشهده من تطورات ديناميكية


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى