دول المشرق العربي

قراءة حول إعلان السيادة الأردنية على الباقورة والغمر

أعلن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يوم الأحد 10 نوفمبر، فرض سيادة الأردن الكاملة على أراضي الباقورة والغمر التي استأجرتها إسرائيل على طول الحدود المشتركة، وكان لها حقّ التصرّف بها لمدة 25 عامًا بموجب ملحقات معاهدة السلام الموقّعة بين الجانبين عام 1994. وتأكيدًا لهذه السيادة الأردنية زار الملك عبد الله الثاني وولي عهده يوم الاثنين 11 نوفمبر منطقة الباقورة.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\Emirats-Voicelkjhghjhghj.gif

وبحسب ملاحق اتفاقيّة وادي عُربة في 26 أكتوبر 1994، أُعطيت إسرائيل حقّ التصرّف بهذه الأراضي لمدة 25 عامًا، على أن يتجدّد ذلك تلقائيًا في حال لم تبلغ الحكومة الأردنية إسرائيل برغبتها في استعادة هذه الأراضي قبل عام من انتهاء المدة.

الإعلان عن عدم تجديد الاتفاقية

القرار الأردني سبقه إعلان من جانب العاهل الأردني في أكتوبر 2018 عبر حسابه على موقع تويتر بأن عمّان لن تجدد اتفاقية تأجير أراضي الباقورة والغمّر لإسرائيل، وأبلغت إسرائيل بالقرار رسميًا عبر السفارة الأردنية في تل أبيب، وهو القرار الذي وُصف بأنه كان مباغتًا لإسرائيل التي كانت تعتقد أن الأردن سيمرر فترة الإخطار، بما يسمح بتجديد التعاقد تلقائيًا، ولذلك أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه التفاوض مع الأردن بخصوص تمديد مدة استئجار أراضي الغمر والباقورة، وظهرت بعد ذلك تقارير صحفية إسرائيلية، وخاصة في صحيفتي معاريف وهآرتس، بجانب إذاعة جيش الاحتلال، تشير إلى الوصول إلى اتفاق بين الجانبين لتمديد العمل بالاتفاقية.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\5478_0.jpg

إلا أن الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية السفير سفيان سلمان القضاة أكد في شهر أكتوبر المنصرم أن قرار المملكة بإنهاء العمل بالملحقين الخاصين بالباقورة والغمر نهائي وقطعي، وأن “الجانب الإسرائيلي طلب التشاور وفقاً لما نصت عليه المعاهدة، ودخلنا مشاورات حول الإنهاء ولم تكن حول التجديد، بل للانتقال من المرحلة السابقة والترتيبات السابقة إلى المرحلة المقبلة”.

اتفاق وادي عُربة 

تضمنت اتفاقية وادي عُربة التي وقّعت بين المملكة الأردنية الهاشمية وإسرائيل في 26 أكتوبر 1994 اتفاق الطرفين على إقامة السلام بينهما، والاعتراف بسيادة كل دولة والتفاهم وفقًا لمبادئ حسن الجوار، كما تضمنت ترسيم الحدود بين الدولتين، وتنسيق العلاقات بينهما في مجالات الأمن والدبلوماسية والمياه والعلاقات الاقتصادية وكافة أشكال التعاون الأخرى.

وفيما يخص منطقتي الباقورة والغمر، نصت الاتفاقية على تطبيق نظام خاص على المنطقتين وذلك على أساس مؤقت، والاعتراف بأن المنطقتين تقعان تحت السيادة الأردنية وفيهما حقوق ملكية أراض خاصة ومصالح مملوكة إسرائيلية، ويتعهد الأردن وفقًا لذلك بمنح الإسرائيليين حرية حركة فيهما، وعدم فرض رسوم تمييزية ضدهم أو تطبيق التشريعات الجمركية الأردنية عليهم، والسماح بدخول قوات الشرطة الإسرائيلية لغرض التحقيق في الجرائم أو معالجة الحوادث الأخرى المتعلقة حصرا بالمتصرفين بالأرض أو ضيوفهم أو مستخدميهم.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\10201626173750455.jpg

وتتعهد إسرائيل بعدم القيام أو السماح بقيام أية نشاطات في المنطقة من شأنها الإضرار بأمن الأردن أو سلامته، وعدم السماح لأي شخص يدخل المنطقتين بحمل السلاح، وعدم جواز امتلاك الأراضي أو التصرف فيها لأشخاص غير إسرائيليين إلا بموافقة أردنية، مع تشكيل لجنة ارتباط أردنية – إسرائيلية بهدف معالجة كافة الأمور التي تترتب على الاتفاق.

ودون المساس بالحقوق الخاصة بالتصرف بالأرض في المنطقة يستمر هذا الاتفاق نافذ المفعول لمدة خمس وعشرين سنة، ويجدد تلقائيا لفترات مماثلة ما لم يخطر أحد الطرفين الطرف الآخر بنيته بإنهاء العمل بهذا الملحق قبل سنة من انتهائه وفي هذه الحالة يدخل الطرفان في مشاورات حيالها بناء على طلب أي منهما.

انقضاء احتلال الباقورة والغمر

منطقة الباقورة هي بلدة حدودية تقع ضمن لواء الأغوار الشمالية التابع لمحافظة إربد شمال الأردن، احتلتها إسرائيل عام 1950 فارضة عليها حكما عسكريا وضمتها بالقوة، وبحسب أطلس المركز الجغرافي الأردني، تبلغ مساحة الأراضي التي احتلتها إسرائيل من هذه الأراضي الأردنية 1390 دونمًا (الدونم 2500 متر)، لكن خلال مفاوضات وادي عربة أعادت إسرائيل للأردن 560 دونمًا من المساحة الإجمالية، وبقيت 830 دونمًا زعمت إسرائيل أنها أملاك إسرائيلية خالصة، وهي التي تم التوصل بشأنها إلى اتفاق منحها لإسرائيل لمدة 25 عامًا.

أما منطقة الغمر فتقع ضمن صحراء وادي عربة التابعة لمحافظة العقبة جنوب الأردن، وتبلغ مساحتها، حوالي 4 آلاف دونم، أغلبها أراضٍ زراعية، وتمتد لمسافة 5 كيلو مترات داخل الأراضي الأردنية. احتلتها إسرائيل خلال حرب 1967، وسرى بشأنها ما تم بشأن الباقورة بأن تكون مع الجانب الإسرائيلي لمدة 25 عامًا مع بقاء السيادة الأردنية عليها.

سلة غذاء إسرائيل في مهب الريح

بموجب القرار الأردني بعدم تمديد الاتفاقية الخاصة بالباقورة والغمر انتهي يوم الأحد 10 نوفمبر، حق المزارعين الإسرائيليين بزراعة الأراضي الأردنية في المنطقتين، وتم بالفعل إغلاق البوابة التي كان يدخل منها المزارعون الإسرائيليون إلى الباقورة، وهو ما أصابهم بصدمة لأنهم بذلك مضطرون للتخلي عن مئات الفدادين التي زرعوها على مدار السنوات الماضية، مبدين دهشتهم من قبول الحكومة الإسرائيلية لفكرة تخلي إسرائيل عن هذه الأراضي التي كان يتم الحديث عنها طوال سنوات بأنها لها أهمية استراتيجية كبيرة تتعدى قضية الزراعة.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\700x414.jpg

وتمثل الباقورة منطقة نقطة التقاء نهر اليرموك مع نهر الأردن، ما يجعلها من أخصب المناطق الزراعية بالمنطقة، وكانت تدر أموالا طائلة على إسرائيل.  ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية عن مزارعين إسرائيليين في المنطقتين قولهم إن قرار الملك عبد الله الثاني “حكم بالإعدام” عليهم.

وتتماشى هذه الصدمة مع الصدمة الأولى التي حدثت بعد إعلان الأردن في أكتوبر 2018 عزمه عدم التمديد، إذ هدد وزير الزراعة الإسرائيلي أوري أريئيل، حينها بقطع المياه عن العاصمة عمان. ولكن يبدو أن إخراج الإسرائيليين من الباقورة والغمر مسألة وقت لا أكثر، وهو ما يؤكده رئيس مجلس النواب الأردني، عاطف الطراونة، قائلًا إن خروج المزارعين الإسرائيليين من الباقورة والغمر سيتم خلال شهرين، مؤكدًا أن عودتهم إليها مرهونة بحصولهم على تأشيرة من السفارة الأردنية، وقال وزير الخارجية الأردني أنور الصفدي أن السلطات الأردنية ستسمح للمزارعين الإسرائيليين بالدخول إلى الغمر لحصاد ما زرعوه.

العلاقات الأردنية الإسرائيلية في أدنى مستوياتها

أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أعقاب القرار الأردني، على أهمية معاهدة السلام التي وقعتهما إسرائيل مع الأردن، وأن العلاقات تنبع من اعتبارات تصب في مصلحة الطرفين بما يخص الاستقرار والأمن. كما أكد وزير الخارجية الأردني أنور الصفدي أن المملكة ملتزمة بمعاهدة السلام مع إسرائيل.

ولكن رغم ذلك تأتي الخطوة الأردنية اتساقًا مع ما تشهده العلاقات بين عمّان وتل أبيب من توترات وصلت بالعلاقات إلى أدنى مستوياتها، وذلك لعدة أسباب، لعل من أهمها الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في فلسطين والقدس المحتلة، وخاصة الوعد الذي قطعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال الانتخابات الإسرائيلية الماضية بضم غور الأردن بالضفة الغربية إلى إسرائيل، وهي المنطقة الواقعة على طول ضفة نهر الأردن.

بالإضافة إلى التعنت الإسرائيلي في تنفيذ بعض المشروعات التي تم الاتفاق عليها منذ سنوات، ومنها مشروع البحر الأحمر- البحر الميت. لتحلية المياه واستصلاحها لتزويد الأردن بالمياه العذبة التي تمس الحاجة إليها، بجانب بعض الحوادث التي تمت خلال العامين الماضيين مثل حادثة مقتل أردنيين داخل السفارة الإسرائيلية في عمّان واستقبال نتنياهو للقاتل ووصفه بالبطل، ثم قيام إسرائيل باعتقال اثنين من المواطنين الأردنيين وهما هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي، وهو ما سحبت على إثره عمّان سفيرها لدى تل أبيب، قبل أن يعود مجددًا بعد الإفراج عنهما.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\GettyImages-1180326873.jpg

ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول مستقبل العلاقات الثنائية بين الأردن وإسرائيل، ومصير اتفاقية السلام الموقعة عام 1994، فقد يكون القرار الأردني بعدم تمديد الملحقين الخاصين بالباقورة والغمر بداية لتصعيد أردني في هذا الصدد. كما يطرح تساؤلات حول كيفية التعامل الإسرائيلي مع القرار الأردني، خاصة وأن إسرائيل لا تفرط في أرض احتلتها بسهولة، وأن هذا القرار يزيد من الأعباء السياسية التي تواجهها إسرائيل حاليًا فيما يخص تشكيل الحكومة بعد فشل نتنياهو في القيام بتشاورات ناجحة لتشكيلها، وكذلك يواجه منافسه بيني جانتس المشكلة ذاتها، فتل أبيب بذلك أمام مشكلة سياسية داخلية حالية، وستكون أمام مشكلة خارجية كبيرة مع الأردن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى