الصحافة الدولية

الجمود سيد الموقف..وصعود اليمين ..أبرز نتائج الانتخابات الاسبانية

شهدت الانتخابات التشريعية الاسبانية الرابعة منذ عام 2015 عددا من المفاجأت كان أبرزها تقدم حزب “فوكس” اليميني وقدرته على مضاعفة عدد المقاعد التي حصل عليها في انتخابات ابريل الماضي.

وشهدت هذه الانتخابات أيضا سقوطا مدويا لحزب “نستطيع ” اليساري والذي حصل على 10 مقاعد مقارنة بـ57  مقعدا حصل عليها أبريل الماضي.

يضاف لذلك عدم قدرة أي من الأحزاب وبالأخص الحزب الإشتراكي من الحصول على الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة مما يبشر بطول مدة الجمود السياسي بمدريد والمستمرة منذ 7 شهور بعد فشل القائم بأعمال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز وقائد الحزب الإشتراكي من تشكيل الحكومة بعد انتخابات ابريل الماضي كما فشل في الحصول على الأغلبية ومجابهة الصعود اليميني في إسبانيا بالانتخابات الحالية.

ومما سبق يتضح صعوبة مهمة تشكيل الحكومة الجديدة في أسبانيا والتي تعاني عددا من المشكلات أبرزها مشكلة انفصال إقليم كتالونيا.

 نبحث في هذا التقرير عن البدائل والخيارات الممكنة والتي من الممكن أن تمكن بيدرو سانشيز من تشكيل الحكومة وتخرج مدريد من أزمتها السياسية كذلك أسباب صعود اليمين ” المفاجئة ” في اسبانيا وتداعيات الموقف في إقليم كتالونيا على الانتخابات التشريعية وتأثيرها على النتائج.

صعود اليمين

الانتخابات الاسبانية والتي أنتهت يوم الأحد أسفرت عن حصول الحزب الإشتراكي بقيادة سانشيز على 120 مقعدا من أصل 350 بالبرلمان الأسباني ليخسر ثلاثة مقاعد عن انتخابات ابريل الماضي أما حزب ” الشعب” حل ثانيا ب 88 مقعداً بعد أن حصل على 66 في الانتخابات الماضية ،بينما حصل “حزب “فوكس” اليميني مفاجأة الانتخابات على 56 مقعداً بدلاً من 42 ابريل الماضي 

أما حزب “يونيدوسبوديموس” ( معاً نستطيع) حصل على 35 مقعدا مقارنة ب 42 مقعدا أي أنه خسر 7 مقاعد عن برلمان إبريل الماضي أما باقي الأحزاب فقد حافظ على عدد مقاعده مع تغيرات طفيفة حيث حل الحزب اليساري الكتالوني خامساً تلاه حزب “متحدين من أجل كتالونيا” سادسا.

وبمقارنة نتائج الانتخابات الحالية بنتائج إبريل الماضي يلاحظ أن حزب ” الشعب” اليميني قد زادت مقاعدة 22 مقعدا أما الحزب الإشتراكي فخسر 3 مقاعد بينما خسر “معاً نستطيع ” سبعة مقاعد ، لكن يبقى الفائز الأكبر هو حزب “فوكس” اليميني والذ أستطاع أن يؤمن لنفسه 28 مقعدا في البرلمان مقارنة ببرلمان أبريل الماضي.

ووفقا للمحل السياسي الإسباني المعروف ميجلأنيكسمورادو فإنه يرى أنه لم يفز أي من الأحزاب بالإنتخابات إلا حزب “فوكس”الذي تقدم بقوة وأعاد اليمين مجددا لإسبانيا والتي يحكمها اليسار منذ تبنيها للديمقراطية بعد انتهاء حكم الديكتاتور فرانشيسكو فرانكو .

“فوكس” البديل الوطني

الصعود القوي  لحزب فوكس اليميني الذي أسس في 2013 بالإنتخابات الأخيرة ألقى الضوء أكثر على الحزب ورئيسه المخضرم سنتياجو أباسكال والذي استخدم الإسلوب الشعبوي واتخذ موقفا صارما من عدد من القضايا الداخلية الأمر الذي أنعكس على مزاج الناخب الإسباني الذي مال للخطاب الشعبوي مؤخرا مع تصاعد حدة الأزمة في إقليم كتالونياوالتباطؤ الاقتصادي الذي دائماً ما تكون قضية المهاجرين سبباً له لدى محبي الخطاب الشعبوي.

حزب ” فوكس” اليميني  كان أول ظهور حقيقي له عندما تمكن من الحصول على 12 مقعداً في البرلمان المحلي في مدينة الأندلس  وهو أمر كان مستبعدا في الإقليم الذي يسيطر عليه اليسار منذ نهاية عهد فرانكو في سبعينيات القرن الماضي كذلك كان للحزب موقف قوي أبرزه على الساحة السياسية عندما تمكن من أن يثني محافظ مدريد عن إنشاء منطقة منخفضة الإنبعاثات في مدريد برغم تمسك المحافظ بالمشروع بعد أن عمل الحزب على تجميع تكتل مضاد للمشروع الأمر الذي أبرز قوة الحزب على الأرض.

وبتسليط الضوء أكثر على الحزب والذي قد يكون له مستقبل أكبر في الحكومة الإسبانية القادمة ومن الممكن أن يلعب أدوارا رئيسية مستقبلا يمكن معرفة أن حزب “فوكس” هو حزب يميني معاد للمهاجرين ويتخذ موقفا معاديا من انفصال إقليم كتالونيا عن إسبانيا وينادي بوحدة التراب الإسباني وهو أول حزب يميني يحصل على مقاعد برلمانية في إسبانيا منذ معرفتها للديمقراطية يرأسه سنتاياجو أباسكال والذي دائماً ما تتسم خطاباته بالشعبوية كما وقد قدم خلال الانتخابات ما أسماه ” البديل الوطني ” وهي خطة لحل الجمود السياسي بمدريد.

أما عن أسباب صعود الحزب وحصوله على عدد كبير من المقاعد فبتحليل الموقف يمكن الوقوف على ما يلي :-

  • سعي الحزب الإشتراكي بقيادة بيدرو سانشيز عمل تحالف مع الأحزاب الإنفصاليةالكتالونية لتشكيل الحكومة إبريل الماضي مقارنة بموقف ” فوكس ” المتشدد والرافض تماماً لموقف الإنفصالين في كتالونيا أدى لتحول الأصوات الرافضة للإنفصال من صندوق الحزب الإشتراكي إلى حزب “فوكس” يضاف لذلك فشل سانشيز من السيطرة على الوضع المتأجج في إقليم كتالونيا.
  • أزمة استخراج جثة فرانشيسكو فرانكو ديكتاتور أسبانيا التاريخي ونقلها لموقع أخر كان للحزب موقف رافض تماما للأمر فالحزب يتبنى جزءا من خطاب فرانكو بلغة معاصرة أمر أخر ضمن لحزب “فوكس” أصوات الأسبان ممن يميلون لأيدلوجية فرانكو حتى بعد وفاته ب44 عاماً .
  • عزوف الناخبين عن الانتخابات وتكرارها حيث إن هذه هي الانتخابات الرابعة منذ 2015  والثانية خلال نفس العام الأمر الذي أدى لعزوف الناخبين الأسبان لعدم شعرورهم بحدوث تغيير ستسفر عنه الانتخابات  حيث كانت نسبة المشاركة بالإنتخابات الحالية 69,87% مقارنة ب 75,5% في انتخابات ابريل الماضي الأمر الذي أدى لانخفاض مقاعد الحزب الاشتراكي وحزب “المواطنين ” لكن استفاد منه حزب “فوكس”
  • من الناحية الاقتصادية يتبنى حزب “فوكس” وجهة نظر لبرالية الأمر الذي ساهم في زيادة شعبيته لدى الجماهير حيث يطالب الحزب بخفض الضرائب على الدخل ل15% وخفض الضرائب على الشركات وإلغاء الضريبة على الثروة والميراث كما إقترح في وقت سابق خصخصة نظام التقاعد بشكل جزئي.
  • يضاف لما سبق براعة رئيس الحزب سنتاياجواباسكال وخطابه الذي دائماً ما يلعب على مشاعر الجماهير فهو دائم لاستخدام اللغة الشعبوية سواء في خطاباته أو البيانات الصادرة عن الحزب .

” أنا أدعم التميز ” تصريح منسوب لرئيس الحزب سانتاجو أباسكال كان صرح به في 2017 للقناة السابعة الأندلسية رداً منه على سؤال حول موقفه من أزمة الهجرة غير الشرعية .

يجد البعض تشابها كبيرا بين شخصية أباسكال قائد جزب “فوكس” والرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمر أخر يراه البعض في مصلحة الحزب اليميني لدرجة أن رئيس الحزب سانتياجو أباسكال قد كان طالب في وقت سابق بعمل حائط “حاجز” حدودي يحيط بجزيرتي سبته ومليله الإسبانيتين لمنع دخول المهاجرين المغاربه لهما بشكل غير شرعي كما دعا لتمويل هذا “الحاجز” من قبل الحكومة المغربية في تشابه صارخ مع موقف ترامب من أزمة المهاجرين المكسكيين.

حزب “فوكس” كان أصدر بيانا من عدة نقاط لأجندته في الدورة البرلمانية توضح توجهات وسياسات الحزب وأبرز ما جاء فيها هو :-

  1. مقترح لعمل مزيد من الجهود الدبلوماسية لإستعادة السيادة الإسبانية على جبل طارق
  2. إلغاء القانون الذي يفرض تعويض ضحايا فترة الدكتاتور فرانكو وحظر رموز هذه الحقبة
  3. حظر الإجهاض وحظر عمليات تغير الجنس
  4. إلغاء قانون العنف ضد المرأة
  5. تأسيس لقانون لحماية رياضة مصارعة الثيران بإعتبارها جزءا من الموروث الثقافي الأسباني
  6. ترحيل المهاجرين غير الشرعين والمهاجرين الشرعين ممن يرتكبون الجرائم مباشرة
  7. اغلاق المساجد

مما سبق يمكن رؤية النزعة الشعبوية الغالبة على توجه الحزب والتي كانت أحد أسباب تقدمه في الانتخابات .

خيارات سانشيز

لم يستطع رئيس الحزب الإشتراكي من الحصول على الأغلبية للمرة الثانية خلال عام ليتمكن من الإنفراد بتشكيل الحكومة مما يعني حاجته لإنشاء حلف يمكنه من الأغلبية ويوصل بيدرو سانشيز بشكل رسمي إلى رئاسة الوزراء بدلاً من الإستمرار كقائم بالأعمال لأكثر من 6 شهور منذ الانتخابات الماضية .

سعيا منه لإنهاء الجمود السياسي سيحتاج سانشيز لحليف قوي له قوة على الأرض وعدد لابأس به من المقاعد حزب سانشيز حصل على 120 مقعدا وكان يحتاج ل 176 مقعدا ليتمكن من الأغلبية البرلمانية مما يعني حاجته للتحالف مع من يملك 66 مقعدا.

حزب ” الشعب ” الثاني من حيث المقاعد (88  مقعدا) كرر رفضه للتحالف مع حزب سانشيز ودعم الإشتراكين حيث  صرح رئيسه بابلو كاسادو  لوسائل الإعلام بعد إعلان النتائج ” سانشيز قد خسر ، أصبح أمرا صعبا له تشكيل الحكومة ، إن إسبانيا لاتستطيع الإنتظار أكثر من ذلك ولن تكون رهينة لمصالحه الحزبية” وأكد رفضه دعم الإشتراكين لتشكيل الحكومة .

وبعد إعلان حزب الشعب دعم الإشتراكين لتشكيل الحكومة يتبقى لبيدرو سانشيز عدد من الخيارات وهي :

  • التحالف بين الحزب الإشتراكي وحزب ” معاً نستطيع ” وحزب “ماي بايس” الأمر الذي سيمكن سانشيز من 157 مقعدا حينه سيحتاج لعقد تحالف كذلك مع الأحزاب الإقليمية لضمان المقاعد المتبقية له للوصول للأغلبية التي يحتاج لها لتشكيل الحكومة
  • التحالف ما بين الأغلبية التي أطاحت بتحالف المحافظين في 2017 في أعقاب فضيحة فساد حكومية وهو نفس الموقف الذي أتى ببيدرو سانشيز رئيسا للوزراء للمرة الأولى ، خيار يبدو مستبعدا بسبب أنه سيتطلب دعم الأحزاب الكتالونيةالانفصالية للتحالف أمر يصعب حدوثه بالأخص مع استمرار تصاعد الأحداث ببرشلونة عاصمة إقليم كتالونيا المنادي بالإنفصال.
  • أن يدعم حزب “المواطنين” الإشتراكين بالإضافة لدعم عدد من الأحزاب الإقليمية أمر قد يؤدي لحصول سانشيز على الأغلبية اللازمة حال قدرته على جمع الأحزاب على هذا التحالف .

يشار إلى أن التحالف بين الإشتراكيين وحزب “يونيتوسبوديموس” ( معاً نستطيع)  وعدد من الأحزاب الإقليمية هو الطرح الأقرب للحدوث وبالأخص مع تصريح رئيس حزب معا نستطيع  بابلو إجليسياس بأن حزبه ” مستعد لتوحيد جبهة اليسار لتشكيل الحكومة ” وهو ما سعى له سانشيز وإجليسياس إبريل الماضي وحال دون حدوث التحالف تعثر المفاوضات لكن ومع خسارة “معاً نستطيع ” لعدد لا بأس به من المقاعد من المتوقع أن يكون الحزب أكثر “مرونة ” في مفاوضات تشكيل الحكومة حال إنشاء التحالف المزعوم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى