مكافحة الإرهاب

خيارات التعامل مع مقاتلي “داعش ” الأجانب المحتجزين في سوريا

أعلن وزير الداخلية التركي “سليمان صويلو” الجمعة الماضية أن “بلاده ستبدأ ترحيل مقاتلي داعش الأجانب إلى أوطانهم بدءا من الإثنين”، وتماشيًا مع تصريحات أطلقها الأخير بدأت تركيا في ترحيل أسرى تنظيم داعش الأجانب المحتجزين في السجون التركية. هذا التحرك من الجانب التركي يثير الحديث عن الخيارات المتاحة للتعامل مع مقاتلي “داعش” الأجانب المحتجزين في سوريا.

فمع سقوط آخر معاقل تنظيم ” داعش” في سورية، استسلم الآلاف من مقاتلي التنظيم لـ” قوات سوريا الديمقراطية”. ووفقاً لمسؤولي الأمم المتحدة، يضم مخيم الهول، المعسكر الرئيس الذي تسيطر عليه “قوات سوريا الديمقراطية”، ما يقدر بنحو 75.000 شخص، منهم 43% سوريون و42% عراقيون، و15% أجانب90% من النساء والأطفال؛ يمثل الأطفال وحدهم66% من المجموع الكلي. وقد صرح وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” في 8 مايو 2019 بأن “لدينا توقعات بأن تعمل كل دولة لاستعادة مقاتليها الأجانب، ونعتقد أن مواصلة احتجازهم أمر ضروري” غير أن وزير الداخلية البريطاني “ساجد جافيد” تعهد بأنه” لن يتردد بمنع عودة البريطانيين الذين سافروا للانضمام إلى داعش.

وفي إطار اختلاف نمط التعاطي الدولي من تلك الظاهرة، صدر تقرير عن مركز مكافحة الإرهاب تحت عنوان “خيارات للتعامل مع مقاتلي “داعش” الأجانب المحتجزين في سوريا“* يبحث هذا التقرير في ايجابيات وسلبيات الخيارات المختلفة التي تم طرحها للتعامل مع المقاتلين الأجانب وعائلاتهم بغرض إثارة النقاش تجاه تدابير براغماتية التي يمكن أن تمثل خطوات للتعامل مع الظاهرة. ويخلص التقرير إلى أنه لا يوجد حل واحد واضح، ولكن هناك بعض الإجراءات الفورية التي يمكن أن تحسن الوضع كخطوة أولي.

ماهية مقاتلون “داعش”

تزدحم معسكرات قوات سوريات الديمقراطية بمجموعة متنوعة النازحين الذين تمكنوا من الفرار من المدن التي سيطر عليها “داعش”، ويمكن وصف كثير منهم بأنهم ضحايا احتلال “داعش” القاسي، غير أن ربما كان آخرون من بينهم من المتعاونين مع التنظيم. وتضم عائلات المقاتلين أنفسهم مجموعات متنوعة تتمثل في زوجات وأرامل مقاتلي “داعش”، فبالرغم من حصر أدور معظم النساء في أدوار منزلية وفقاً للإيديولوجية السلفية، إلا أن بعضهن أصبحن مشاركات فعالات في الوحدات الخاصة التي فرضت تطبيق حكم الدولة الإسلامية، وشاركن في إساءة معاملة النساء الأخريات بما في ذلك اليزيديات المستعبدات. هذا بالإضافة إلى الأطفال الذين يشكلون تحدي كبير، نظراً إلى ما شاهدوه وعانوه وتعلموه في مدارس “داعش” ومعسكرات التدريب حيث كان يقوم الأطفال بالتظاهر بإعدام السجناء ويرفعون رؤوس الضحايا المقطوعة، وذلك بهدف غرس الوحشية بين الأجيال القادمة.

وبالنظر إلى أعدادهم، نجد أن دراسة أجراها المركز الدولي لدراسة التطرف (ICSR في كلية كينغز في لندن) في يونيو 2018، أفادت بانضمام 41 ألفا و490 شخصاً من 80 دولة لتنظيم داعش في كل من العراق وسورية (تشكل النساء 13% منهم والقاصرون 12%) جاء حوالي 14% من أعدادهم من اوروبا الغربية، وبخاصة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وبلجيكا، والتي شكلت مجتمعة أكثر من 70% من القادمين من دول أوروبا الغربية وجاء أقل من 2% من الأميركتين وأستراليا ونيوزيلندا.

C:\Users\Tokka.elnaggar.ecss\Desktop\العائدون 3.jpg

وفقاً لدراسة ICSR، سافر حوالي 300 من الولايات المتحدة ويشكل هذا الرقم أولئك الذين حاولوا السفر إلى سورية، ولكن تم اعتراضهم قبل المغادرة أو تم القبض عليهم قبل وصولهم إلى سورية، أو فشلوا في الاتصال بمجموعة أو غيروا رأيهم وعادوا. وتفيد دراسة المركز الدولي لدراسة الطرف أنه من بين 41.490 مقاتلا أجنبيا في سورية عاد 7.366 ( أو نحو 18%) قد عادوا إلي بلدهم الأصلي، بما في ذلك 1765( أو 30%) من أصل 5.904 الذين غادروا أصلاً من أوروبا الغربية .

وتجدر الإشارة إلا أن الدول لديها معلومات عن عدد المقاتلين الأجانب الذين عادوا إلى بلادهم، إلا أنه ليس من الواضح أنه سيكون لديهم بالضرورة معلومات كاملة عن المقاتلين الأجانب الذين تمكنوا من الهرب والانتقال إلى جبهات جهادية أخرى.وتظل التقديرات التقريبية لعدد المقاتلين الأجانب الذين لا يزالون طلقاء هي تقديرات احتمالية.

وقد خلصت إحدى الدراسات الصادرة في عام 2014 عن مؤسسة راند حول المقاتلين الغربيين الذين شاركوا كمقاتلين على الجبهات الجهادية بين عامي 1990 و 2010 إلي أن واحداً من بين كل تسعة مقاتلين أجانب عاد لشن هجوم في الغرب.

كذلك توصلت رسالة ماجستير تحت عنوان ” العلاقة بين الجهاد الدفاعي والنشاط الإرهابي في الغرب” لعام 2014 في جامعة اورتش بنيوزيلاندا إلى ثلاثة نتائج؛ أولهما أن واحداً من كل 11 إرهابياً جهادياً في الغرب قاتل سابقاً في جماعة الجهادية في الخارج. ثانيهما أن من بين 26 مؤامرة إرهابية في أوروبا، هنالك خمس منها تضمن فرداً واحداً علي الأقل يمكن تصنيفه علي أنه مقاتل أجنبي حقيقي ( أي، انضم إلي جماعة جهادية للقتال في صفوفها) في حين أن ثماني مؤامرات، كان لها صلة بفرد غربي كان قد ذهب إلي معسكر تدريب إرهابي . ثالثهما أنه تم التخطيط لنصف هذه المؤامرات من قبل أشخاص لديهم تجربة في الخارج.

سيناريوهات التعامل

C:\Users\Tokka.elnaggar.ecss\Desktop\العائدون 2.jpg

هناك عدد من الخيارات المحتملة التي طرحها التقرير للتعامل مع مقاتلي “داعش”، ويمكن تناولها في النقاط التالية:

  • إطلاق سراحهم

هدد الرئيس “ترامب” بإطلاق سراح معتقلي تنظيم “داعش”، غير أن إطلاق سراحهم ليس خياراً واقعياً. ويبدو أن تهديد الرئيس “ترامب” كان تعبيراً عن غضب لإقناع الدول الأوروبية باستعادة موطنيها المنضمين للتنظيم. وقد حذر المسؤولون الأكراد من أنه ليس لديهم القدرة على احتجاز المحتجزين إلى أجل غير مسمي. وفي الوقت نفسه، أعلن الرئيس “ترامب” رحيل القوات الأمريكية من سورية، ورغم أن المسؤولين الأمريكيين أشاروا لاحقاً إلى أن القوة المتبقية ستبقي، إلا أن هناك حالة من عدم اليقين بشأن استمرار الالتزام الأمريكي.

  • تجريدهم من جنسيتهم 

لاقت هذه الفكرة رضاً واسعاً في أوروبا، إذ أن أطروحة إعادة الأشخاص الذين ينظر إليهم على أنهم جهاديون مخلصون، لا تحظي بشعبية، وذلك في إطار عدد من الاعتبارات يتعلق أولها، بوجود توجس من إمكانية مقاضاتهم أو السيطرة عليهم.  ويتصل ثانيها، بتمكنهم من السفر بحرية في حال عدم وضعهم في السجون ما يخلق مشاكل أمنية محتملة حتى بالنسبة للبلدان التي لم ترسل أعداداً كبيرة من المتطوعين إلى سورية. وينصرف ثالثها إلى ما تواجه أوروبا من مشاكل مراقبة من هم بالفعل تحت قيد المراقبة. ويحظى تجريد الإرهابيين من جنسيتهم وتركهم في سورية بقبول شديد لدي عدد من الدول الأوروبية، لكن من الناحية العملية، إن عدم وجود جواز سفر أمريكي أو أوروبي لا يمنع الإرهابيين التسلل إلى البلاد.

  • تسليمهم إلى الحكومة السورية أو العراقية 

سيطر تنظيم” داعش” على الأراضي في سوريا والعراق وارتكب عديد من العمليات الإرهابية؛ لذلك يجوز لأي من الحكومتين المطالبة بتطبيق السلطة القضائية على المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى “داعش”، حيث إنهم متورطون بارتكاب جرائم في كلا البلدين. وقد عرضت الحكومة العراقية محاكمة المعتقلين من تنظيم” داعش”، شريطة أن يسدد أعضاء التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تكاليف الإجراءات والاحتجاز، حيث تقدر التكلفة التقديرية للمحاكمات بنحو ملياري دولار. وبالفعل بدء العراق في محاكمتهم وأصدرت أحكاماً على مئات من مقاتلي” داعش”، من ضمنهم عدد من الأوروبيين. وبصرف النظر عن التكاليف، يثير العرض العراقي عدداً من القضايا القانونية، إذ يسمح العراق بتطبيق عقوبة الإعدام التي تعارضها أوروبا.

  • أن يتم احتجازهم من قبل الأكراد

تقوم “قوات سوريا الديمقراطية” باحتجازهم حتى الوقت الراهن، غير إن سلطتها القانونية غير معترف بها دولياً. كما لا توجد دولة كردية معترف بها دولياً، وهناك معارضة لأي شيء قد يمنحهم غطاء السيادة، حيث ستعارض تركيا أي ترتيب يضفي الطابع الرسمي على الترتيبات الدولية مع الأكراد كما هو الحال مع العراق وسورية.

  • موافقة الدول بشكل فردي على إعادة مواطنيها 

تفضل الولايات المتحدة وبعض من الدول الأوروبية هذه السياسة ولكن نظراً للقوانين الحالية، قد لا تتمكن جميع الدول الأوروبية من مقاضاة من سافروا للانضمام إلي” داعش” بنجاح. ويحظر القانون الأمريكي محاولة الانضمام إلى منظمة إرهابية أجنبية محددة، وقد اعتمدت المملكة المتحدة قانوناً مشابهاً.  وبالنظر إلى فرنسا، يتيح القانون الفرنسي محاكمة المقاتلين الأجانب العائدين لمشاركتهم في مجموعة تشكلت لغرض الإعداد لعمل إرهابي. لكن تفتقر الدول الأخرى إلي مثل هذه القوانين، وتجادل بأنه حتي لو تغير هذه القوانين الآن فلا يمكن جعل هذا القانون بأثر رجعي.

  • استخدام المحكمة الجنائية الدولية أو إنشاء محكمة دولية جديدة
C:\Users\Tokka.elnaggar.ecss\Desktop\المقاتلون 1.jpg

اقترح الأكراد إنشاء محكمة دولية تحت رعاية الامم المتحدة لفرز المحتجزين في الوقت الحالي. هذا الاقتراح يواجه عديد من التعقيدات حيث تتعامل المحكمة الجنائية الدولية مع القضايا الفردية رفيعة المستوي التي تشمل المسؤولين عن الفظائع الجماعية. ويمكن تقديم قادة” داعش” إلى المحكمة الجنائية الدولية، لكن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أشار في عام 2015 إلى أنه رغم أن بعض المقاتلين الأجانب شاركوا في جرائم الحرب، إلا أن من كان يقود ” داعش” في المقام الأول هم مواطنون من العراق وسورية (لا يعد أي منهما طرفاً في المعاهدة المنشئة للمحكمة الدولية). وبالتالي فإن فرص التحقيق مع مقاتلي” داعش” ومحاسبتهم أمام المحكمة كانت محدودة. وتضع المحكمة الجنائية الدولية عادة مسؤولية جرائم الحرب على القيادة بدلاً من التركيز على الجنود. بالإضافة إلى ذلك، غالباً ما تستغرق إجراءات المقاضاة في المحكمة الجنائية الدولية سنوات.

  • أن تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية احتجازهم 

يعد “داعش” بموجب القانون الأمريكي، تنظيماً إرهابياً أجنبياً، قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً لتدميره، ولاتزال القوات العسكرية الأمريكية منتشرة في جميع أنحاء إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا تساعد الحكومات المحلية في قتالها ضد التنظيم.وقد أفاد مسؤولون أمريكيون بإمكانية نقل المقاتلين الأجانب الذين لا يمكن إعادتهم إلي بلادهم إلي السجن العسكري الأمريكي في خليج غوانتانامو، حيث يحتجز جهاديون أجانب آخرون منذ عام 2002 .

وخلال خطابه في اتحاد الولايات لعام 2018، طلب الرئيس “ترامب” من الكونغرس “أن يضمن في الحرب ضد ” داعش” و” القاعدة “، تمتع الولايات المتحدة بجميع الصلاحيات اللازمة لاحتجاز الإرهابيين… وفي العديد من الحالات سيكون مصيرهم الآن خليج غوانتانامو” ، حيث حث الرئيس” ترامب” علي إرسال مقاتلي ” داعش” المعتقلين حاليا في سورية إلي غوانتنامو. وقال المتحدث باسم البنتاغون بخصوص سياسة المعتقلين “لا يزال سجن غوانتنامو بديلاً عن إعادة الأسري المحتجزين الآن لدي ” قوات سورية الديمقراطية”.

غير أن مثل هذا الطرح سيثير احتجاجاً بين المعنيين بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، التي أصبح غوانتنامو رمزاً لها. ومن الصعب أن تتولي الولايات المتحدة رعاية مئات المقاتلين الأجانب، لأن بمجرد تقبل الولايات المتحدة الوصاية عليهم، سوف يكون من الصعب إقناع الدول الأخرى باستعادة رعاياها، الذين قد يتم تجريد بعضهم من جنسيتهم.

التوصيات

حاول التقرير تقييم مختلف الخيارات المتاحة للتعامل مع مقاتلي “داعش” الأجانب، فتوصل إلى أنه لا يوجد حل واضح أو حل مثالي؛ حيث أن ترك المقاتلين الأجانب أحراراً ليس خياراً. كذلك تجريدهم من الجنسية هو استجابة غير مناسبة وعكسية. وإن دفع الأكراد لاحتجاز المعتقلين هو إجراء محتمل على المدي القصير، وليس حلاً طويل الأجل. والعمل على تسليمهم إلى سورية والعراق سيخلق مشاكل أخري. وإنا المحكمة الجنائية الدولية ليست المكان المناسب لمحاكمة هؤلاء، مع الإشارة إلى إن إنشاء محكمة دولية جديدة هو احتمال يجب عدم رفضه، ولكن قد يكون معقداً للغاية ومن المحتمل أن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً.

اقترح التقرير إجراء عملية فرز للمحتجزين وتصنيفهم كإجراء أولي يجب اتخاذه حيث يمكن تصنيف المقاتلين الأجانب بحسب الدور الذي لعبوه في “داعش”، ورغبتهم في العودة، واستعدادهم لمواجهة المحاكمة أو حتى الاعتراف بجرائمهم ومساعدة السلطات، على أن يكون الهدف من الفرز هو إخراج الناس من المخيمات وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية حيث يمكن محاكمتهم رسمياً أو إعادة دمجهم في المجتمع وفقاً للخطط الوطنية المعمول بها. وفي هذا السياق، أكد التقرير أن عمليات فرز المقاتلين تتيح جمع المعلومات الاستخبارية، وتزيد من فهم العقليات الجهادية والثقافات المنبثقة عنها.

وانتهى التقرير بالتأكيد على أن هزيمة “داعش” واستعادة الأراضي التي سيطر عليها في عام 2014 وقتل الالاف من الجهاديين لا يعنى انتفاء خطر التنظيم، إذ لا زال هناك الالاف من مقاتلي داعش وعائلاتهم رهن الاحتجاز، ويجب ألا يسمح لهؤلاء ان يصبحوا الجيل القادم من الإرهابيين بسبب الفشل في إعادة دمجهم أو إبعادهم عن المجتمع. 

*للاطلاع على التقرير انظر:

Brian Michael Jenkins, Options for Dealing with Islamic State Foreign Fighters Currently Detained in Syria, Combating Terrorism Centre, May/June 2019

https://ctc.usma.edu/app/uploads/2019/05/CTC-SENTINEL-052019.pdf

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى