مكافحة الإرهاب

الدول الفاشلة.. تحديات ومخاطر تنامي الإرهاب والتطرف

معتمر محمد أمين

حددت دراسة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن تحت عنوان: “أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن.. التحديات المدنية طويلة الأجل ومخاطر للدولة الحاضنة من حروب الدولة الفاشلة”، القاسم المشترك بين الدول الخمسة “الحاضنة للإرهاب” أو “المستضيفة له” هو أنها تواجه مشاكل في (الحكم – المتغيرات الاجتماعية- التنمية” وهي مشاكل عميقة تجعل الدولة ذاتها أو حكوماتها سببًا رئيسًا للاضطرابات المدنية والصراع الدولي، وهو أمر في حد ذاته يمثل تهديدًا وخطرًا يساوي خطر الحركات الإرهابية والمتطرفة.

وتلعب المشكلات التي تعاني منها الدول الخمسة “الفاشلة” أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن دورًا أساسيًا في تغذية الدول بالإرهاب، ومهما كانت جهود الولايات المتحدة في كبح جماح التطرف فإن “فشل” الدولة سيفرز الإرهاب بشكل يفوق الجهود المبذولة لتقويضه. وأوضحت الدراسة أن الجهود المبذولة في الدول الخمسة لمواجهة الإرهاب تعتمد على سياسات وأدوات أمنية وتهمل الجوانب الأخرى الاجتماعية والتنموية، وهو ما يمنح الإرهاب فرصة داخلية للاستمرارية والنمو، مؤكدة ضرورة النظر في مواجهة الإرهاب إلى بعض الأسباب المدنية التي تُعدُّ أكثر إلحاحًا وإسهامًا في تعزيز التطرف.

وحددت الدراسة أربعة عوامل رئيسة تجعل كل من أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن في مشكلات دائمة، وهي:

أولًا: التكاليف المدنية المستمرة للإرهاب والحرب

 أكدت الدراسة أن البلدان الخسة تدفع ثمنًا فادحًا نتيجة الإرهاب والحرب، ولكي تنجح الجهود في الدفع بالتنمية فالأمر لن يقتصر فقط على معالجة الضحايا ووقف نزيف الدم، فمن الضروري تثبيت الدول والإبقاء على روح الإجماع الوطني لخلق بيئة مواتية للدفع بالتنمية. مشيرة إلى أن عدم وجود حصر رسمي دقيق لحجم الضرر داخل كل دولة من الدول محل الدراسة.

عدد الضحايا

أفادت الدراسة أن العالم العربي يتعرض إلى 90% من الهجمات الإرهابية على مستوى العالم، ففي عامي 2017 و2018 حدثت 10000 عملية إرهابية في العالم، 9000 منها في الدول العربية، وبلغ عدد قتلى الهجمات الإرهابية منذ عام 2000 وحتى عام 2014 والتي بلغ عددها 72 ألف هجوم إرهابي 36% منها في الدول العربية، 169 ألف قتيل، 43% منهم من الدول العربية، وبلغ عدد الجرحى في نفس الفترة 260 ألف، 49% منهم من الدول العربية، وهو ما يعني أن الهجمات الإرهابية أكثر دموية في العالم العربي عن بقية دول العالم.

عدد النازحين واللاجئين

أشارت الدراسة إلى أن السكان الخاضعين للمخاطر بسبب الإرهاب والحرب يمثلون ضغوطًا هائلة على الدولة من كافة النواحي، مفيدة أنه في يوليو 2019 قُدّر عدد السوريين الذين يحتاجون لمساعدات بـ 11.7 مليون سوري من أصل 18 مليون سوري مازالوا داخل سوريا، وهناك 2.1 مليون طفل سوري تركوا العملية التعليمية، فيما قدّر عدد من يحتاجون إلى مساعدة في اليمن في فبراير 2019 بـ 24 مليون يمني، منهم 20 مليون بحاجة لتأمين الغذاء، ومنهم 4.3 مليون فرّوا من أماكن القتال.

وتوقعت أنه في حال استمرار مستويات العنف والمواجهات في العالم العربي على حالتها الراهنة فإن 40% من تعداد السكان في العالم العربي سيكونون عرضة للمخاطر وعدم الاستقرار بحلول عام 2030.

تكلفة التنمية البشرية والنمو الاقتصادي

رأت الدراسة أن كلًّا من سوريا والعراق بحاجة إلى تغير كامل في نهج الحكم والسياسات الاقتصادية، وليس مجرد سياسات إعادة الإعمار، مشيرة إلى أن العراق رغم كونه دولة نفطية غنية بالموارد فإنها لم تنجح في تطوير نفسه وبنيتها وتقديم خدمات متقدمة للشعب، بل تشهد تراجعًا بعد الخراب الذي تسبب فيه تنظيم داعش، وكذلك هذا التراجع موجود في حالة سوريا التي وصفتها بأنها الأفقر بين الدول الخمسة محل الدراسة.

فحص الأسباب المتصورة

هناك بعض المؤشرات المهمة لكيفية إدراك شعوب الدول محل الدراسة لهذه الأحداث وأسبابها.  منها استطلاعات للرأي العام تسلط الضوء على رؤية مواطني الدول الفاشلة لحكومتهم، والاتجاهات المدنية السائدة على أنها هي التحدي وليست اعداد المتطرفين والإرهابيين. وتذهب الدراسة إلى أنه كلما جاءت نتائج استطلاعات الرأي سلبية تجاه التحديات المدنية الهيكلية التي تواجها الدولة كلما زادت احتمالية أن تتجه او تلجأ مجموعة من تلك الدولة إلى العنف او مساعدة التطرف والإرهاب.

ولكن رغم حالة التأييد المعنوي لأنشطة التطرف والإرهاب في الدول الفاشلة، فإنها لا تتعدي التأييد المعنوي. بمعنى أخر عدد المنخرطين في هذه الأنشطة قلة قليلة على اتساع العالم العربي والإسلامي. والرسم البياني التالي من الدراسة يعرض رؤية العرب لتنظيم داعش:

ثانيًا: تأثير المشاكل الرئيسة في الحوكمة

ذهبت الدراسة إلى عمل مقارنة بين البلدان الخمسة ودولة الإمارات باعتبارها ذات مستوى مرتفع في مجال الحوكمة طبقا للبنك الدولي. وعزت أسباب الإرهاب لحالة فشل الدولة التي كانت سائدة طبقا للمؤشرات المختارة من قبل اندلاع الصراع. ثم تستخدم الدراسة دولة الإمارات للتدليل على الهوة الكبيرة بين الدول محل الدراسة ودولة أخرى عربية مشابهة في الظروف. وعقدت الدراسة في هذا المحور مؤشرات الخدمات العامة في كل دولة ومدى رضا الناس او سخطهم عنها.

ثالثًا: تفشي الفساد وعوامل الدخل والأمن

أوضحت الدراسة أن إهدار المعونات وضعف جهود بناء الأمة هي الطريق الرئيسي لسخط الشعوب، مشيرة إلى أنه في حالة كل من أفغانستان والعراق قد ذهبت جهود إعادة الإعمار التي قامت بها الولايات المتحدة والمجتمع الدولي سدى، في ظل انتشار الفساد عبر التحايل على مجموعة من الإجراءات مما يتسبب في إهدار المساعدات وعدم تحقيقها للهدف.

وأشارت إلى بعض استطلاعات الرأي التي تمت في الدول العربية وأفغانستان حول تفشي الفساد الحكومي وارتباط ذلك بالغضب الشعبي، مع فقدان او انعدام الثقة في النواحي التنفيذية الأساسية لعمل الحكومة، مع الشعور أن الحكومة تتسبب في نقص فرص العمل، وغياب والأمن. وضربت المثل باستطلاع رأي أجري في العراق حول أكبر تحدي يواجه الدولة، وجاءت الإجابة بـ “الفساد” هي إجابة 32% من المستطلعة آراؤهم، فيما كان التدخل الخارجي نسبته 18%.

 وأكدت الدراسة أن البيئة الحكومية التي لا تعرف كيف تستمر المساعدات في خلق فرص العمل وتخفيض الغضب الشعبي تتسبب في استمرار ظاهرة التطرف والإرهاب.

رابعًا: النمو والتحول الراديكالي المستمر في التركيبة السكانية

الديموجرافيا وضغط السكان

أوضحت الدراسة أن الزيادة السكانية تصنع ضغوطًا على خلق فرص العمل المواتية ونمو متوسط دخل الفرد والخدمات الحكومية والبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، مشيرة إلى أن الزيادة السكانية تعني زيادة نسبة الشباب الذين يحتاجون إلى التعليم والوظائف، وبالتالي فالزيادة السكانية تمثل تحديًا هيكليًا للدول محل الدراسة، يضع فئة الشباب في حالة الغضب المستمر، ومن ثم يغذي التطرف بصورة غير مباشرة.

وأشارت إلى الدول الخمسة تزداد فيها عملية التحول إلى الحضر وهجر الريف، مما يزيد الضغوط السكانية في المدن ويخفض الرقعة الزراعية المتاحة، مؤكدة أن هذه الدول “الفاشلة” التي تواجه أساسًا عقبات في توفير الخدمات، يضع استمرار نمط الزيادة السكانية والتحضر فيها بهذا الشكل، تحديات مستقبلية تعزز من فشل الدولة.

الاقتصاد والتنمية والفقر

بيّنت الدراسة أن عناصر الفقر ومتوسط دخل الفرد ليست السبب وراء الأعمال الإرهابية، مشيرة إلى أن الفقراء هم الأقل انخراطًا في أنشطة معارضة الدولة، ولكنّهم يمثلون البيئة التي قد تغذي الإرهاب وتمد التطرف ببعض الاحتياجات حال اندلاع الصراع. وإنما الدافع المغذي للعمليات الإرهابية يأتي عمومًا من الأفراد الأكثر تعليمًا ولديهم قدر معقول من الدخل والناشطين في المجال السياسي، ولذلك فهناك رابط بين سوق العمل وعدم الاستقرار، أكبر من الرابط بين الفقر وعدم الاستقرار.

البطالة والاستحقاق

أشارت الدراسة إلى أن حالة من الريبة تسود أوساط الشباب من فكرة الحصول على عمل مناسب؛ إذ يسود الاعتقال بغياب فرص العلم الملائمة، فالناس لا تثق في النظام ولا تجد سببًا للثقة، موضحة أن المنافسة المجتمعية تشتعل في الغالب للالتحاق بالوظائف المميزة في الحكومة أو الأمن، ولكن ينتهي الحال بأكثر الشباب إلى عدم الالتحاق بها، وبالتالي القبول بوظائف لا تتماشى مع مؤهلاتهم، ومن ثم تذهب الدراسة إلى أن الكثير من هؤلاء يلجؤون للتنظيمات التي تنتهج العنف بغية الحصول على مقابل مادي أعلى. والرسم البياني التالي يوضح مخاوف الشباب العرب تجاه موضوع العمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى