السد الإثيوبي

هل تنهي الوساطة الأمريكية أزمة السد الإثيوبي؟

بعد سنوات من التفاوض، والاتهامات المتبادلة بين أديس أبابا والقاهرة بالتعنت فيما يخص ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، والإعلانات المتوالية بعدم التوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، وافقت الدول الثلاث (مصر، وإثيوبيا، والسودان) على الاجتماع في واشنطن تلبيةً لدعوة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، وتم الاجتماع في السادس من نوفمبر بحضور وزراء الخارجية للدول الثلاث، ورئيس مجموعة البنك الدولي “ديفيد مالباس”، وترأس الاجتماع وزير الخزانة الأمريكي “ستيفن منوتشن”، فما هي النتائج التي خرج بها هذا الاجتماع؟ وكيف تساهم الولايات المتحدة في إنهاء الأزمة؟

الدعوة للاجتماع في واشنطن

لم تكن دعوة الرئيس الأمريكي لاجتماع وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان في واشنطن من فراغ، ولكن جاءت الدعوة بناءً على طلب من الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” أثناء اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، حيث كانت المفاوضات قد فشلت مرة أخرى وأعلنت الحكومة المصرية ذلك منتصف شهر سبتمبر، أي قبل عشرة أيام تقريباً من انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن الاستجابة الأمريكية لطلب الرئيس السيسي لم يتم الإعلان عنها بسرعة، حتى ذهب البعض إلى التنبؤ بإمكانية أن تلعب روسيا دور الوسيط لحل الأزمة بدلاً من الولايات المتحدة، خاصةً بعد الاجتماع الذي جمع الرئيس السيسي برئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” في موسكو أكتوبر المنصرم.

وتُعد موافقة إثيوبيا على استضافة واشنطن للمفاوضات بوجود ممثل البنك الدولي تقدماً في طريق الوصول إلى اتفاق يحقق الأمن المائي لمصر والتنمية المستهدفة لإثيوبيا، حيث كان الجانب الإثيوبي يرفض باستمرار الوساطة الخارجية ويصر على المفاوضات الثلاثية دون جدوى. جديرُ بالذكر هنا أن الاختلاف بين البلدين يتمثل في فترة ملء السد، حيث ترغب إثيوبيا في ملء خزان السد خلال 4-7 سنوات، ولكن مصر تقدمت بمقترح يضمن حقوق مصر المائية أثناء فترات الجفاف، وهو الأمر الذي اعترضت عليه إثيوبيا لأن ذلك قد يمد فترة الملء إلى عشر سنوات.

ويرى “أندرو ميلر” في مقال بعنوان “تقسيم النيل” على موقع مركز “كارنيجي للشرق الأوسط” أن الولايات المتحدة عليها أن تقوم بأمرين لإنجاح تلك المفاوضات هما: 

أولاً: يجب أن تدرك أن الأبعاد السياسية والرمزية لهذا النزاع أكثر أهمية من عناصره التقنية. ويجب أن تكون هناك إمكانية لتحديد فترة ملء متفق عليها تحمي الأمن المائي في مصر وتلبي متطلبات الطاقة في إثيوبيا، لكن قد يكون الأمر الأصعب هو التغلب على إحجام إثيوبيا عن التسوية بشأن المشروع الذي استهلك مليارات الدولارات، وهو الأمر الذي يتطلب مشاركة أمريكية على أعلى مستوى. 

ثانياً: يجب أن تنظر إدارة ترامب إلى ما وراء النزاع حول سد النهضة الاثيوبي لتفادي أزمات المياه المستقبلية، فحتى إذا تم التوصل إلى حل فيما يتعلق بفترة الملء، فإن هناك احتمالاً بأن تبني دول المنبع سدودًا إضافية على النيل من أجل تلبية احتياجاتها التنموية، مما يشكل تحديات مماثلة لمصر.

C:\Users\M.Salma\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\FB_IMG_1573113212563-759x500.jpg

نتائج الاجتماع الأول

أظهر الرئيس “ترامب” اهتمامه بالمفاوضات حينما اجتمع مع وفود الدول الثلاث، ليغرد بعد هذا الاجتماع عبر حاسبه على تويتر بأنه “التقى ممثلي الدول الثلاث من أجل المساعدة في إيجاد حل للنزاع حول سد النهضة، وأن المناقشات ستستمر على مدار اليوم”، وبنهاية اليوم صرح وزير الخارجية المصري “سامح شكري” أن الاجتماعات قد أسفرت عن نتائج إيجابية من شأنها أن تضبط مسار المفاوضات وتضع له جدولاً زمنياً واضحاً ومحدداً، حيث تقرر:

  • أن يتم عقد أربعة اجتماعات عاجلة للدول الثلاث على مستوى وزراء الموارد المائية وبمشاركة ممثلي الولايات المتحدة والبنك الدولي تنتهي بالتوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة خلال شهرين بحلول منتصف يناير 2020.
  •  أن يُعقد لقاءان في واشنطن بدعوة من وزير الخزانة الامريكي “ستيفن منوتشن” في التاسع والثالث عشر من يناير 2020 لتقييم التقدم المحرز في هذه المفاوضات.
  • اللجوء الى المادة العاشرة من إعلان المبادئ الموقع في عام 2015 في حال الفشل في التوصل الى اتفاق بحلول منتصف شهر يناير ٢٠٢٠، أي أن تتم إحالة الأمر للوساطة، إذا ما وافقت إثيوبيا على ذلك، أو إحالة الأمر لرؤساء الدول الثلاثة.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الاثيوبية قد صرحت قبل انطلاق المحادثات بأن هذا الاجتماع لا يدخل ضمن دائرة المفاوضات، في إشارة إلى إمكانية عدم التزام إثيوبيا بالنتائج التي تنتهي إليها هذه المفاوضات، كما أعلنت الإدارة الأمريكية، أن الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي، سوف يدعمان ويشاركان في الاجتماعات المذكورة بصفة “مراقب”، وهكذا تحولت واشنطن من وسيط إلى “مراقب” ومعها البنك الدولي، الأمر الذي يثير الغموض حول هذه المفاوضات، هل هناك وساطة حقيقية تشارك في الاجتماعات وتساعد على إحراز تقدم نحو إيجاد حل؟ أم أنها مفاوضات ثلاثية تُعرض نتائجها على المراقب ولا تلتزم بها إثيوبيا إذا لم تكن في صالحها؟

الدور الأمريكي لحل النزاع

أشار الرئيس السيسي إلى أن علاقات الولايات المتحدة الجيدة مع كل من مصر وإثيوبيا تجعلها هي الوسيط الطبيعي للمفاوضات، كما صرح “برونوين بروتون” مدير البرامج والدراسات في مركز إفريقيا بالمجلس الأطلسي، “إن الدول الثلاث جميعها ذات أهمية حيوية لمصالح الولايات المتحدة، وجهود إدارة ترامب لتسهيل المفاوضات حول السد ليست مفاجئة على الإطلاق”، الأمر الذي يؤكد على رغبة كل من مصر وأمريكا في إتمام المفاوضات بوساطة أمريكية تفضي إلى تحقيق الأمن المائي لمصر والتنمية المنشودة لإثيوبيا من بناء السد.

ووفقاً لأندرو ميلر في مقاله سالف الذكر، فإن المساعدات المالية الأمريكية لإثيوبيا في العام المالي 2018 بلغت 600 مليون دولار، في حين بلغت المساعدات لمصر خلال نفس العام 1.4 مليار دولار في إشارة إلى إمكانية أن تستغل الولايات المتحدة المساعدات في حل النزاع، ويشير “ميلر” إلى إمكانية مساهمة الولايات المتحدة في أمن مصر المائي من خلال مساعدة القاهرة على تطوير تقنيات الحفاظ على المياه، حيث تفقد مصر 3 مليارات متر مكعب من المياه سنويًا بسبب شبكات الري القديمة. 

وبذلك تتضح الرؤية حول الاستراتيجية التي تنتوي الولايات المتحدة اتباعها في إدارة المفاوضات، وهي استراتيجية تعتمد في المقام الأول على تقديم مساعدات مالية سواء إلى مصر بتحسين تقنيات الري للحفاظ على 3 مليارات متر مكعب من المياه المهدرة من أجل تعويض النقص الذي يُقدر بـ25% من إجمالي حصتها المائية، أو إلى إثيوبيا من أجل تعويض التأخر في إنتاج الكهرباء من السد، ونستدل على ذلك من إشراك وزير الخزانة في إدارة المفاوضات بدلاً من وزير الخارجية المنوط بمثل هذه الأمور.

إجمالاً لما سبق، يمكن القول إن موافقة إثيوبيا على إشراك وسيط في المفاوضات يُعد خطوة إيجابية نحو إنهاء النزاع، ولكن الطريقة التي تتعامل بها مع المفاوضات وإعلانها عدم اعتبار الاجتماعات التي تشترك فيها الولايات المتحدة ضمن المفاوضات يمكن أن تؤدي لعدم التزامها بالنتائج، وفي هذه الحالة سوف يتم الرجوع إلى المادة العاشرة من إعلان المبادئ، ويتم إلزام جميع الأطراف بإشراك وسيط خارجي بعد إحالة الأمر إلى رؤساء الدول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى