مكافحة الإرهاب

إخوان الكويت … آخر معاقل التنظيم في الخليج العربي

لم يقيد طموح حسن البنا حينما أسس تنظيم الإخوان المسلمين بحدود الإقليم المصري فقط، فقد كان يرى في جماعته  فكرة عالمية جامعة قادرة على الانتشار في جميع الأقطار، مما دفعه للتواصل مع الشخصيات والتيارات القريبة من أفكار الجماعة بجميع دول العالم، تضافرت عوامل عديدة وراءه ومنها هروب بعض القيادات الإخوانية للخارج إثر الملاحقات الأمنية خلال الحقبتين الناصرية والساداتية، واقتناع بعض الدارسين الأجانب في مصر بفكر الجماعة، أو سفر الدارسين عناصر الإخوان المصريين للخارج ورغبتهم في تأسيس كيانات تحمل هدف جماعتهم الذي يتجلى في إعادة الخلافة الإسلامية للوصول لما يسمى بأستاذية العالم، مما أدى لانتشار الإخوان عالميًا، ولعل من أهم نماذج امتدادات الجماعة سواء على الصعيد العربي أو الدولي كانت دولة الكويت.  التي وصفت حاليا بأنها آخر معاقل تنظيم الإخوان في دول الخليج العربي التي يتمتع أعضائها بحرية الحركة والنشاط والعمل السياسي، وذلك بالمقارنة مع دول خليجية أخرى كالسعودية والإمارات العربية المتحدة اللتان وضعتا تنظيم الإخوان على قائمة التنظيمات الإرهابية، حتى قطر التي توصف بأنها الملاذ الآمن لعناصر تنظيم الإخوان، لا يوجد بها فرع “قطري” لتنظيم الإخوان، حيث كانت الاتفاق بين حكام قطر وقيادات التنظيم وعلى رأسهم القرضاوي، هي عدم خلق فرع للتنظيم داخل قطر، والاستفادة فقط من الدوحة في تلقي كل أشكال الدعم، وتوفيق الرؤى والأهداف

البداية .. تأسيس جمعية الإرشاد

بدأت نشأة خلايا جماعة الإخوان في الكويت عندما تعرف “عبد العزيز العلي المطوع” على أدبيات الجماعة عندما التقى في عام 1947، مع مؤسس الجماعة في مصر، “حسن البنا” في مكة، حيث استطاع أن يؤسس أولى خلايا لجماعة الإخوان في الكويت بتأسيس جمعية “الإرشاد الإسلامية” في نفس العام؛ فهدفت إلى نشر الثقافة الإسلامية واسلمة المجتمع، كما مثلت الجمعية الغطاء القانوني لأعضاء التنظيم لممارسة نشاطًا سياسيًا. وفي عام 1952، سافرت عناصر من إخوان مصر إلى الكويت بهدف العمل بها خاصة في مجال التعليم، والمساهمة في العمل التنظيمي للجماعة، وفي العام نفسه تم إشهار جمعية “الإرشاد الإسلامي” من قبل دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل.

وفي هذا الصدد يقول “عبد الله العلي المطوع” بين سطور مذكراته المنشورة في جريدة “الحركة”، “وكان أخي الأكبر المرحوم “عبد العزيز المطوع” له صلة بالحركات الإسلامية والعمل الإسلامي، حيث كانت صلته بالإخوان المسلمين تحديدًا ومكتب الإرشاد في مصر آنذاك قوية ووطيدة، وكانت مطبوعات الإخوان تصل إلى الكويت.. ولما كان أخي عبد العزيز له صلة بهذا العمل الإسلامي المنظم وهو عمل جماعة الإخوان المسلمين. فقد تأثرت بهذا التوجه’.. وكنا نسير وفق آليات مستفيدين من مناهج الإخوان المسلمين في التربية والتوجيه التي مردها إلى الكتاب والسنة، ووجدنا في تجمع الإخوان المسلمين آنذاك نموذجًا يحتذى مما جعلنا نتبنى طروحاتهم الطيبة ومسيرتهم الخيرة”. 

 لم تستمر جمعية “الإرشاد الإسلامية” ذات الطابع الاجتماعي، بل تم حلها وتأسيس جمعية “الإصلاح الاجتماعي” في عام 1961؛ لممارسة دور اجتماعي  وتحقيق هدفها المتمثل في الهيمنة والانتشار في المجتمع حيث تعتبر تلك الجمعية استمرارًا لنشاط جمعية “الإرشاد الإسلايمة”، حيث قرر “30” شخصًا من أعضاء جماعة الإخوان في الكويت، وأعضاء من جمعية “الإرشاد الإسلامي” على تأسيسها؛ فاستطاعت من استقطاب أعضاء جدد في الجماعة اغلبيتهم فئة الطلاب. وتولى رئاسة جمعية “الاصلاح الاجتماعي” يوسف النفيسي”، وبعد ذلك أصبح “يوسف الحجي” وزير الأوقاف السابق، ورئيس الهيئة الخيرية العالمية رئيسا لها، ثم تولى رئاسة الجمعية “عبد الله العلي المطوع” .

بلغ عدد الأعضاء المسجلين في جمعية ” الاصلاح الاجتماعي” إلى 1170 عضوًا رسميًا في سجلات الجمعية حتى عام1989، ولم تختلف الأهداف التي تضمنها جمعية “الإصلاح الاجتماعي” عن الأهداف المعلنة لجمعية “الإرشاد الإسلامية”، ومن أبرز تلك الأهداف التي نص عليها النظام الأساسي للجمعية الصادر في عام 1963، : المحافظة على الهوية والتقاليد الإسلامية للمجتمع الكويت، ومشاركة مؤسسات المجتمع لنشر أهداف الجمعية، وكذلك ترسيخ مبادئ جماعة الإخوان بالنسيج المجتمع الكويتي، كما اعتمد على المدارس في إخراج نشئ جديد يحمل أفكار جماعة الإخوان في مصر، وذلك من خلال تقديم المشورة للجهات المختصة المتعلقة بالمناهج التعليمية، وكذلك في كل الشئون كالتربية والتعليم والإعلام. 

يقول: “عبد الله العلي المطوع” بخصوص الجمعيتين في مذاكراته المنشورة في جريدة “الحركة”: ‘الكويت كانت تحت الحماية البريطانية وقت تأسيس جمعية الإرشاد، وفي عهد الأمير الراحل الشيخ “عبد الله السالم” طالبت وزارات الدولة ومنها وزارة الشؤون بإعادة تسجيل الهيئات والمؤسسات الموجودة آنذاك، فرأت “جمعية الإرشاد” أن تغير الاسم انطلاقًا من رؤية مدروسة وتشاورية بين أعضائها، فأسست جمعية “الإصلاح الاجتماعي” في مطلع الستينات وقد سارت “الإصلاح” على نفس أهداف ومبادئ “الإرشاد”، وتغييرنا للاسم لا يعني أننا بدلنا أو غيرنا في مناهجنا ورؤانا الاستراتيجية”. 

لم تلتزم جمعية “الإصلاح الاجتماعي” بالحدود مساحة الكويت، بل امتد نشاطها إلى خارج الكويت؛ إذ فتحت لها فروعًا في البحرين ودبي كما أنها قامت بتقديم الدعم المالي لتنظيمات الإخوان المسلمين في الخارج؛ لذا حذرت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية في يوليو 2018، المؤسسات السعودية الحكومية وغير الحكومية داخل المملكة من التعاون مع جمعية “الاصلاح الكويتية”. وتوسعت أنشطة الجمعية أثناء الغزو العراقي للكويت ما بين تأسيس لجان التكافل الاجتماعي، والمشاركة في أنشطة جمعية الهلال الأحمر الكويتية، ودعم تأسيس حركة المقاومة الكويتية.

(كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)، تكاد تتطبق تلك الآية على أعضاء جماعة الإخوان؛ لتطبيقهم الحرفي بما تحمله متن كتب أعلام الإخوان، حيث أنهم يسيّرون على نهجهم ليس في حسبانهم الانتفاع  بها، أو إعقالها. ومن بين هؤلاء: “حسن البنا”، و”سيد قطب”،” أبو الأعلى المودودي و”يوسف القرضاوي”، و”مصطفى السباعي”؛ حيث يعتمد النظام الداخلي لجماعة الإخوان المسلمين على مبادئ ثلاثة متمثلة في الانتقائية في الاختيار، والتدرج في الترقية، والضبط والربط والطاعة العمياء بدون فهم. 

المرحلة السياسية للإخوان الكويت

نتيجة زيادة الضغوط التي تعرض لها إخوان الكويت؛ قاموا بمحاولة للفصل بين نشاطهم الاجتماعي والسياسي؛ لذا تتبعت المرحلة الاجتماعية للإخوان الكويت مرحلة سياسية تجلت خلال دخولهم في معترك السياسية عبر تأسيس الذراع السياسي للحركة، وهو ما تمثل في تأسيس “الحركة الدستورية الإسلامية” المعروفة بـ “حدس”  في عام 1991، عقب تحرير الكويت من الغزو العراقي، حيث ظهرت الجماعة الإسلاموية بصورة أكبر مرتكزة في  بداياتها السياسية على العمل الدعوي والخيري، ولكن مع الانفتاح السياسي بعد الغزو اتجه للسياسة بشكل صريح متخذة “حدس” واجهة سياسية لممارسة نشاطهم السياسي تمثل في  “مجالس الأمة”، ولكن نشاطهم السياسي إرتفعت وتيرته إلى أن وصل تطلعًا للسلطة بعد أحداث 2011.

أخذ التنظيم نفس هيكلة تنظيم جماعة “الإخوان المسلمين” في مصر؛ بحيث أصبح مماثل لجماعة الأم كما ورد في اللائحة الداخلية للإخوان المسلمين، حيث اعتبر تنظيم حديدي وذلك يرجع لعدد أسباب ومنها: أن المرشد العام للجماعة هو الحاكم والحكم، وله القول الفصل في جميع القضايا المتعلقة بالتنظيم. لهذا فأن جميع المراتب التنظيمية ترتبط به، أما الذي يأتي بعد المرشد العام، المكتب العام للإرشاد، والهيئة التأسيسية، و يتكون مكتب الإرشاد من 12-20عضوًا، والهيئة التأسيسية من 100-150عضوًا. 

أما بالنسبة لمكتب العام للإرشاد والهيئة التأسيسية لمجلس الشورى العام، يتشكل منهم بعد ذلك المراتب التنظيمية القاعدية ابتدءا من الشعبة ثم يليها المنطقة، ثم المكتب الإداري المسؤول عن الولاية أو المحافظة، بعد ذلك تأتي الأسر التي تضم خمسة أعضاء. وفي نهاية الثلاثينات من القرن الماضي وعلى أثر الخلافات التي حدثت حول تاريخ التنظيم، شكل المرشد العام حسن البنا تنظيمًا موازيًا، اطلق عليه التنظيم السري الذي يعتبر الجناح المسلح والقوة العسكرية الضاربة للتنظيم أو بمثابة ميليشيا مسلحة يخضع أعضاؤه لدورات تدريبية عسكرية سرية لا يعلم عنها من قيادة الجماعة أحد عدا المرشد العام .

شهدت أول انتخابات برلمانية عامة في الكويت لانتخاب أول مجلس تأسيسس في عام 1962، مشاركة أعضاء من “جماعة الإخوان المسلمين”، حيث اعتبرت مهمة المجلس الأساسية هي وضع دستور للكويت، مما تبين نتائج هذه الانتخابات ضعف “جماعة الإخوان المسلمين” أمام تفوق “حركة القوميين العرب”، والعناصر القومية الأخرى على الساحة البرلمانية، حيث سقط “يوسف هاشم الرفاعي” المؤيد من الجماعة، إلا أن “جماعة الإخوان” هُزمت في  انتخابات مجلس الأمة لعام 1963؛ فلم يصل إلى مقاعد مجلس الأمة سوى” يوسف هاشم الرفاعي”عن الدائرة الانتخابية الأولى التي تعتبر معقل الشيعة في الكويت، مما يبين أن نجاحه لا يعتمد على انتمائه للجماعة، بل يعتمد على علاقات المصلحة. 

في أواخر الستينات وبداية السبعينات، شهدت الكويت بتلك المرحلة تراجع القوى القومية واليسارية التي كانت تقود الساحة السياسية بالكويت مقابل تنامي التيارات الدينية ومنها “جماعة الإخوان المسلمين”؛ بحيث استطاعت أن تتحالف مع السلطة السياسية نتج عن هذا التحالف استفادة كل من الطرفين، وترتب أيضًا عن هذا التحالف هيمنة جماعة الإخوان على مؤسسات العمل الشعبي، أما بالنسبة للسلطة؛ فتخلصت من قوى القوميين واليسار. واستمرت هيمنة جماعة الإخوان بالساحة الانتخابات، ففي فبراير عام 1981، أجريت انتخابات الفصل التشريعي الخامس، حيث شاركت جماعة الإخوان المسلمين بعدد من المرشحين، وتميزت نتائج هذه الانتخابات بسقوط معظم مرشحي اليسار والقوميين المنتمين ‘للتجمع الديموقراطي’ و’التجمع الوطني’ ونجاح مرشحي الجماعات الإسلامية. واستطاع الإخوان أن يفوزوا بمقعدين، تمثلا في عضوي “مجلس الأمة” “حمود الرومي”، و”عيسى ماجد الشاهين”. 

كما شاركت تنظيم “حدس” في انتخابات الفصل التشريعي السادس التي جرت في يناير من عام 1985 وحصل الإخوان على ثلاثة مقاعد، ولم يستمر هذا المجلس مدة طويلة حيث سارعت السلطة إلى حل المجلس بصورة غير دستورية وتعليق بعض مواد الدستور. بعد حل مجلس الأمة سادت البلاد أجواء متوترة ما بين المعارضة السياسية والسلطة حيث أقدم جهاز أمن الدولة على ملاحقة نواب المجلس المنحل ومراقبة الجمعيات والهيئات الشعبية والعمالية والطلابية. وفي ظل هذه الأجواء انضمت ‘جماعة الإخوان المسلمين’ إلى المعارضة السياسية التي تضم اليسار والقوميين العرب، حيث أصدرت بيانا يندد بإجراءات الحل وصادقت على هذا البيان أربع مجموعات سياسية، ‘التجمع الوطني’، ‘التجمع الديموقراطي’، ‘التجمع القومي’، و’التجمع الإسلام”. 

وعلى الرغم من أن جماعة الإخوان المسلمين ساهمت في عام 1989، على  تأسيس ‘الحركة الدستورية’ “حد” التي ضمت جميع القوى السياسة، إلا أنهم لم يحركوا قواعدهم للمشاركة الفعلية في التجمعات الجماهيرية، بل وقفوا من هذه التجمعات موقف الريبة والحذر حيث رأوا أن هذه التجمعات الجماهيرية ذهبت إلى حد أبعد من أهدافهم الضيقة. كما استطاعت “جماعة الإخوان” بعد فوزها في العملية الانتخابية أن تحقق الشعارات التي رافعتها في دخولها بالانتخابات، وأبرز تلك الشعارات “تعديل المادة الثانية من الدستور”، و”السعي إلى أسلمة القوانين”، كما نجحت الجماعة في إقرار بعض من مشاريع القوانين من أبرزهم:  قانون تحريم شرب وبيع الخمور والمسكرات في السفارات والهيئات الأجنبية المقيمة في الكويت، وقانون يمنح الجنسية الكويتية فقط للمسلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى