الصحافة الدولية

موسكو وطهران.. ثنائية اللا تحالف واللا عداء!

تسعى موسكو بوضوح في الفترة الحالية لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، مستفيدة مما تشهده السياسات الأمريكية من تراجع في المنطقة. لكنها في نفس الإطار لا تحاول الاضطلاع بنفس المهام التي كانت واشنطن قد اعتادت القيام بها، إذ أن روسيا لا تملك نفس الإمكانات الاقتصادية الكافية للهيمنة على الشرق الأوسط، لذا فإن هدفها في الأساس يتلخص في محاولة الحفاظ على توازن القوى في المنطقة مع لعب دور الوسيط الرئيسي الغير إقليمي. فيما يتعارض هذا مع الأهداف الإيرانية، حيث تعتقد طهران أن السبيل الوحيد للحفاظ على أمن الجمهورية الإسلامية، يتلخص في أن تتحول إلى دولة رائدة في الشرق الأوسط. وترى موسكو من جانبها، أن ظهور أي قوى مهيمنة في الشرق الأوسط لا يلبي مصالح روسيا، بما في ذلك مستقبل إيران كقوى إقليمية كبرى.

وبالتالي فبالنظر إلى مسار العلاقات الروسية الإيرانية المشتركة، يمكن ملاحظة أن حتى وجود فترات من التقارب السياسية بين الدولتين فيما يتعلق بالمسألة السورية – على سبيل المثال- لا يخلق مساحة تتيح تعميق العلاقات بين البلدين، ويظل دبلوماسيو روسيا في التصريح بأن علاقة بلادهم بإيران ليست علاقة تحالف! ولكنها مع ذلك تبقى ظاهرة معقدة وفي حالة من التفاعل المتنوع بين حالة تتفاوت بين التفاعل الوثيق الى الصراع الصريح.

نظرة تاريخية

بدأت أولى مراحل الاتصالات الدبلوماسية بين روسيا وبلاد فارس في القرن السادس عشر. وفي 20 مايو 1920، تبادلت حكومتا روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية وبلاد فارس مذكرات الاعتراف المتبادل. وبتاريخ 25 من ديسمبر 1991، أعربت إيران عن استعدادها لمواصلة العلاقات مع روسيا باعتبارها خليفة للاتحاد السوفيتي. كما يذكر في هذا السياق، أن التوقيع على معاهدة مبادئ التعاون بين روسيا الاتحادية وجمهورية إيران الإسلامية –في مارس 2001- ساهمت بشكل كبير في تعزيز القاعدة القانونية للعلاقات الروسية الإيرانية. ويجتمع قادة البلدان بشكل مستمر وفقًا لتتابع واحتياجات القضايا التي يتعاون ازائها الجانبان، كما تعقد المشاورات الروسية الإيرانية المشتركة بين وزارتي الخارجية لدى البلدين بشكل مستمر – على مستوى نواب الوزراء- فضلاً عن العلاقات المستمرة بين البرلمانات والوزارات في كلا البلدين.

ويُذكر أنه لسنوات عديدة، ظلت إيران بالنسبة لروسيا اتجاهاً ثانويًا في السياسة الخارجية. ثم بدأ هذا النهج يتغير بعد ذلك بالتزامن مع عودة فلاديمير بوتين إلى الرئاسة في عام 2012، فقد بدأت العلاقات تنشط في 2015 بالتزامن مع توتر الأحداث على الجبهة السورية بفعل توحد مصالح البلدين إزاء الموقف السوري، عندما بدأت روسيا بتقديم الدعم العسكري على الساحة السورية. ومنذ تلك اللحظة، كانت موسكو وطهران متواجدتان على جبهة واحدة، مما ساهم في ارتفاع مستوى الاتصالات فيما بينهما بشكل كبير.

مساحات التقارب والاختلاف بين البلدين

تتبع روسيا سياسة متعددة الأركان فيما يتعلق بالشرق الأوسط، إذ أن موسكو مستعدة للتعاون ليس فقط مع شركائها القدامى، مثل سوريا ومصر وإسرائيل ولكنها أيضًا مستعدة لبناء علاقات مع بلدان أخرى جديدة، كانت بعيدة عن مسار أولوياتها السياسية من قبل – مثل المملكة العربية السعودية. ونتيجة لذلك يمكن الجزم بأن روسيا تسعى لإقامة علاقات مع إيران ومع خصومها على حد سواء. وفي هذا السياق، يعتمد الحوار السياسي الروسي- الإيراني على ما يتشابه من مواقف البلدين إزاء قضايا عالمية محددة، ولاسيما بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب ومواجهة التحديات والتهديدات الجديدة، وبالطبع تأتي التسوية السورية على رأس هذه المواقف.

في الموقف السوري، تدعم إيران وحزب الله الحكومة في دمشق بالقوة العسكرية والمساعدات المالية، بينما تقدم روسيا للسلطات السورية الطيران والمدفعية العسكرية، وتوفر استخباراتها المعلومات لها وتعمل في نفس السياق على تقديم الدعم الدبلوماسي لبشار الأسد وحكومته. وهكذا اقتضت طبيعة الموقف أن تقوم روسيا ومنذ بدء عمليتها العسكرية في سوريا 2015، بتنسيق أنشطتها مع دمشق وطهران.  ويُذكر في هذا السياق أن التعاون بين البلدين قد وصل إلى نقطة غير مشهودة في التاريخ الإيراني المعاصر، إذ تُعد واقعة السماح للقوات الروسية باستخدام القاعدة الإيرانية الموجودة بالقرب من مدينة همدان كمطار للقوات الجوية الروسية لأجل شن هجمات على مواقع موجودة بالأراضي السورية، بمثابة نقلة نوعية في مسار التعاون الروسي الإيراني إزاء سوريا. وتستمد هذه الواقعة أهميتها التاريخية ودلالاتها السياسية من حقيقة اخلالها بالمبادئ الدستورية للقانون الإيراني والذي يقتضي بعد جواز وجود أي قوات أجنبية في البلاد. ولكن مع ذلك، فإن هذا المستوى من التعاون الوثيق بين البلدان في سوريا لم يستمر طويلاً، لأن ما ربط بينهم إزاء سوريا كان تعاون يبدو في ظاهره تحالف وفي باطنه رغبة في النفوذ، ولهذا السبب وبمجرد أن أوشك بشار على بسط سيطرته على سوريا بالكامل عدا إدلب، بدأت غشاوة التحالف تنقشع عن أبصار كلا الطرفان، وكلاً منهم سارع في  مد يده محاولاً التشبث بأكبر قدر ممكن من النفوذ، والأرجح في هذا الصراع أن موسكو وحدها من سوف تنتصر، وذلك لأسباب كثيرة يأتي على رأسها عدم رغبة الأطراف العربية والأمريكية والإسرائيلية والروسية في أي تواجد إيراني على الأراضي السورية.

مشروع ممر النقل الجديد بين الشمال والجنوب، وهو مشروع يقترح خلق ممر جديد للسلع بديل عن قناة السويس، ويبدأ الممر أولا من الهند وصولاً إلى إيران ثم يصل عن طريق البر الى شواطئ بحر قزوين، ثم يستمر إما عبر بحر قزوين أو بالسكك الحديدية عبر أذربيجان حتى يصل إلى روسيا وساحل بحر البلطيق. ويهدف المشروع في أساسه الى خلق طريق لتسليم البضائع يربط بين المحيط الهندي وصولاً إلى شمال أوروبا بشكل أسرع وأرخص من قناة السويس المصرية. وبشكل رسمي، هذا الممر موجود بالفعل إلا أنه لا يعمل حتى الآن إلا في أجزاء محددة فقط، إذ أنه بحاجة إلى دعم انشاء البنية التحتية الملائمة له، كما أنه يعاني من نقص في الموارد والتقنيات، مما جعل من إنجاح هذا المشروع مهمة صعبة للغاية بالنسبة لإيران، فضلاً عن أن العديد من الشركات العالمية ليست على استعداد أن تغامر باستخدام هذا المسار في ظل بقاء العقوبات الأمريكية ضد طهران على حالها. وعليه، لا يعول على هذا المشروع في مسألة دفع مسار العلاقات بين البلدين نحو تحقيق المزيد من التقارب.

العلاقات التجارية بين البلدين، علاقة مستقرة إلى حد ما ولكنها بالمقارنة مع دول أخرى ليست في أفضل أحوالها. إذ أن إيران تعتبر واحدة من الأسواق الضيقة أمام الصناعات الروسية، فضلاً عن أن روسيا لا تبدي حماسة شديدة لأجل الانخراط في الأعمال التجارية مع إيران، وذلك بسبب ما تخضع له إيران من عقوبات أمريكية. وفي عام 2018، بلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا وإيران 1.7 مليار دولار، أي أنه كان على مستوى أيرلندا وبلغ أقل من 1% من حجم التجارة الخارجية الروسية ككل.

قطاع النفط والغاز، التعاون بين البلدين في هذا المجال يعتبر من الاحتمالات الصعبة للغاية، نظرًا لأن البلدان منافسان لبعضهما البعض في سوق النفط العالمي وكذلك الغاز. وعليه تشعر طهران بقلق بالغ إزاء الاتصالات بين موسكو والرياض وتترقب أي تحالفات أو تعاون يحدث بين البلدين، لما يمكن أن يشكله أمرًا كهذا على مكانتها في سوق النفط التي من المحتمل أن تسعى روسيا لاستغلال العقوبات المفروضة عليها والاستحواذ عليها.

الموقف الروسي من البرنامج النووي الإيراني، يُعد من أهم الدعائم التي يتحدد على أساسها طبيعة الموقف بين البلدين، إذ أن المصالح الوطنية لروسيا تقتضي بألا تسمح لطهران بامتلاك أسلحة نووية.

المملكة العربية السعودية… أم إيران؟! كيف تحافظ روسيا على توازنات تواجدها في الخليج العربي؟!

في الفترة الحالية، تواجه السياسة الروسية الخارجية عدة تحديات فيما يتعلق بما يربطها من علاقات مع إيران. إذ أن إيران لم تفقد يومًا أهميتها الجغرافية بالنسبة لروسيا بحكم موقعها على بحر قزوين، وهذا يعني أن موسكو ترغب باستمرار في الحفاظ على علاقات متزنة مع إيران، ولكن في نفس الإطار تواجه موسكو تحدي بالغ وهو الحفاظ على درجة هذا الاتزان في ظل تعميق علاقاتها مع دولاً تُعدها طهران من أكبر اعدائها وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة، وما تسببه التحرك الروسي الأخير في منطقة الخليج من قلق وتوتر لطهران. ولهذا من الأرجح أن موسكو سوف تتعامل مع تحدي صعب كهذا بأنها لن تختار الوقوف إلى جانب طرف من أطراف النزاع -إما المملكة السعودية والامارات أو إيران- وسوف تقف على مسافة متساوية من جميع الدول التي تتنافس بشدة في المنطقة وهو ما يعد اختبارًا صعبًا لدرجة المرونة السياسية التي تملكها الدبلوماسية الروسية.

وختامًا، مما لا شك فيه أن العلاقات بين البلدين قد وصلت الى مستوى مشهود من التفاعل، ولكنه مع ذلك لا يرقى لأن يطلق عليه علاقة شراكة أو علاقة تحالف. إذ أن الأهداف المختلفة للبلدين تحول دول حدوث المزيد من التقارب فيما بينهما. وما يربطهما في الحقيقة من علاقة يمكن وصفه بأنه “تعاون” يُباري “التنافس”، ويرجع ذلك إلى الخلافات حول قضايا مثل تقسيم موارد بحر قزوين، أو النفوذ في الأراضي السورية. كما أن العلاقات بينهما قائمة على أسس هشة، ولاتزال الثقة الحكومية المتبادلة ضعيفة الى حد ما، ولكن مع ذلك تدرك البلدان بشكل واضح أهمية الاتفاق مع بعضهما البعض لحل مهام تحمل مصالح مشتركة. ويدركان في نفس السياق، أن هذا التعاون هو تعاون محدد بعوامل بعينها ولا ينبغي له أن يتجاوزها إلى ما هو أبعد، فهو في مجمله تعاون يقلل من حدة التنافس ولكنه لا يقضي عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى