الصحافة الدولية

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: الطاقة ركيزة أساسية بين واشنطن والشرق الأوسط

استعرض تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مشاركة الولايات المتحدة مع دول شرق البحر المتوسط في مجال الطاقة.

وذكر نيكوس تسافوس، خبير الطاقة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الولايات المتحدة كانت تحاول المضي قدما في عدد محدود من الصفقات والمشاريع في منطقة المتوسط، حيث جمعتها بالمنطقة علاقات ثنائية ومتعددة الأطراف وشاركت فيها السلطتان التنفيذية والتشريعية “الكونجرس”، وبالتالي تسعى الآن إلى أن تعيد هيكلة طبيعة علاقاتها هناك.

تساءل تسافوس عن الدروس المستفادة من استخدام الولايات المتحدة الطاقة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، حيث أوضح أن الطاقة هي القاسم الوحيد المشترك الذي يجمع مصالح الولايات المتحدة بالمنطقة.

واعتبر أن الطاقة برزت كركيزة أساسية لإقامة علاقات وثيقة مع اليونان – على سبيل المثال – فالطاقة هي إحدى المحطات الرئيسية التي توثق العلاقات ما بين الولايات المتحدة واليونان، والتي بدورها ساعدت في توسيع نطاق العلاقات الثُنائية حتى الآن.

وأوضح أن الولايات المتحدة اتبعت منهجا متعدد الأطراف في منطقة البحر المتوسط، فقد اجتمع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بزعماء كل من قبرص واليونان وإسرائيل مارس الماضي، حيث دعمت الولايات المتحدة منتدى شرق البحر المتوسط للغاز.

ورأى أن من أبرز البراهين على أن الطاقة متداخلة بعمق مع استراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة مشروع قانون شراكة الطاقة والأمن لشرق المتوسط في مجلس الشيوخ.

وأوضح أن استراتيجية الولايات المتحدة تختلف في منطقة شرق المتوسط عن استراتيجيتها في أي مكان آخر، حيث دفعت الغاز الطبيعي المسال الأمريكي (LNG) بديلًا لروسيا في أوروبا، وكذلك دورها في الموازنة الجغرافية الاقتصادية لمبادرة الحزام والطريق الصينية. ونظرا لثراء منطقة الشرق الأوسط بموارد طاقة وفيرة وهو ما أدى بها للتركيز على تطوير هذه الموارد وهو ما استدعى قيامها بالعديد من المبادرات، وبالنظر إلى هذه الدول فإنها تقوم بالتجارة البينية، وعلى الرغم من هذا فإن معظم دول بالمنطقة اتجهت استيراد الغاز الطبيعي المُسال من الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الماضية.

وأشار إلى أنه لم تتوقف مساعي أمريكا لربط منطقة الشرق الأوسط، حيث تدفعها إلى دعم سياسة “توجه أوروبا إلى التعامل مع شُركاء آخرين للخروج عن الإطار الروسي” مع استبعاد اتخاذ غاز الشرق الأوسط لهذه الاستراتيجية كتوجه مستقبلي، في حين أن الولايات المتحدة في الوقت الحالي تُحاول تغيير سياستها بخصوص المنطقة، فقد بدأت تُخاطر بتطويع غاز الشرق الأوسط لخدمة أهدافها في المنطقة، بدلًا من التعامل معه طبقًا لما هو عليه بالفعل.

وقال إنه بالرغم من التحذيرات التي وجهت للولايات المتحدة في هذا الشأن إلا أنها تُعد ناجحة إلى حد ما؛ لأنها لم تدفع بأجندة واضحة خلال الفترة السابقة، بل اكتفت بلعب دور الوسيط في المشروعات والصفقات التي تتم في المنطقة، وبدلًا من تصديرها لهذه الأجندة تمكنت بذكاء من لعب دور المُراقب الشريك في هذه الصفقات، حيث نجحت هذه الاستراتيجية في المنطقة حيث أن الشركاء الأوروبيين على وجه الخصوص كانوا على استعداد لقبول تمويل مثل هذه المشروعات وتبني الصفقات المختلفة في المنطقة، إلى جانب ترحيب دول المنطقة بهذه الشراكات الجديدة التي تظهر على الأُفق كدليل على تحسن العلاقات فيما بينهم.

وعلى الجانب الآخر، في حالة اليونان، قامت بتنفيذ تطويرات في محطة Revithoussa للغاز الطبيعي المُسال بتمويل من بنك الاستثمار الأوروبي في شكل قروض، حيث يتم تطوير المرحلة الأخيرة من خط الأنابيب بين اليونان وبلغاريا بتمويل مشترك من بنك الاستثمار الأوروبي وبرنامج الطاقة الأوروبي. إلى جانب تمويل خط أنابيب دول بحر البَنَادِقَة (TAP) من قِبل بنك الاستثمار الأوروبي كذلك، ولا يخفى علينا أن الولايات المتحدة من أكبر المساهمين في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وقامت بتمويل خط الأنابيب في تركيا والتي تُغذي دول الـ TAP، وتُحرز بقية المشروعات المتبقية على الطاولة تقدمًا بطيئًا بدون تدخل مباشر من الولايات المتحدة.

لا يعني هذا أن الولايات المتحدة لم تبذل مجهودا لتحسين موقعها في المنطقة، بل تُعد العلاقات بينها وبين اليونان من أفضل العلاقات الموجودة على الساحة، وتمكنت من خلق عدد من الفرص لتوثيق علاقاتها، فقد كانت الولايات المتحدة أكثر دعمًا لليونان من أوروبا خلال أزمتها الاقتصادية، وعلى الجانب الآخر، الحكومة اليونانية على استعداد لحل أزمة تغيير اسم مقدونيا، والتقارب مع إسرائيل والتي بدأته بالفعل منذ عقد من الزمان، واتجاه اليونان إلى تعزيز العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، إلخ. وبالتالي، ساعدت الطاقة في تهدئة الأوضاع وتيسير التعاون فيما بين البلدين.

وأوضح أن استراتيجية “دعم القوة العُظمى” تواجه عددا من القيود التي تدعو للتشاؤم، فقد واجهنا في الصراع بين تركيا وقبرص افتقار واضح في الوجود الأمريكي، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى اتخاذ موقف غامض في هذه المنطقة من خلال دعوة الطرفين إلى إيقاف التصعيدات بهذا الشأن، إلى جانب عدم وجود رد فعل واضح وصريح للولايات المتحدة وأوروبا كذلك، بينما حافظت تركيا على أنشطتها في منطقة شرق المتوسط بشكل مستقر إلى حد ما.

أقحمت الولايات المتحدة نفسها في عديد من المبادرات الإقليمية التي تقوم على الطاقة، وقد أبرزت علاقاتها المتنامية مع دول المتوسط من خلال التركيز على الطاقة حتى لو كلفها هذا إنفاق القليل من الدولارات في المنطقة لإثبات ذلك. ساهم في هذا النجاح عدد من العوامل أهمها وجود داعمين آخرين على استعداد لدعم هذه المشروعات، وهو ما يخدم الولايات المتحدة بإبعادها عن المشهد الرئيسي بوصفها مصدر قلق، وعلى رأي هؤلاء الداعمين الاتحاد الأوروبي.   

إلى جانب هذا، فإن دول المنطقة على استعداد لتشجيع الصفقات المرتبطة بالطاقة، على الرغم من عدم إحراز أي تقدم واضح على أرض الواقع، ولكن الولايات المتحدة هي الفائز الأكبر في هذا الشأن، وتبرز بشكل كبير في المشهد، في حين تختفي من المشهد الرئيسي في حالات تأمين البحار المفتوحة والتوسط في النزاعات مثل الصراع بين قبرص وتركيا.

دروس للأقاليم الأخرى

دبلوماسية الطاقة الأمريكية هي أكثر تجربة ثراء في الشرق الأوسط والتي تبث لبقية العالم عددا من المؤشرات التي تؤكد على توسع تطبيقها في العالم.

ويعد النجاح السياسي الذي تمثل في إقامة عدد من مشروعات الطاقة والصفقات التي تم إنجازها والنقد الموجه للمنطقة هو الدرس الأول، حيث لا يتطلب – كما ذكرنا سابقًا – دعم مباشر ووجود واضح للولايات المتحدة في المشهد. حيث أصاب الشرق الأوسط انفصال واضح بين الواقع والمأمول، ووجود فجوة بين المشروعات التي تصدرت الولايات المتحدة في مشهدها والمشروعات التي ساعدت بالفعل في تطويرها ولكن بدون ظهور فعلي لها على الساحة. بالتالي يمكن للدبلوماسية أن تُحقق فوائد سياسية بدون فوائد الطاقة مادامت الأطراف على استعداد لتحمل كون التقدم مجرد شكليات وغير موجود بطريقة فعلية على أرض الواقع.

الدرس الثاني هنا أن الدبلوماسية الأمريكية نجحت؛ لأنها عززت النزاعات الإقليمية، فهناك دول غنية بالموارد المختلفة وتتطلع إلى المتاجرة بالطاقة، وهناك دول أخرى ترغب في استيراد هذه الطاقة لصالحها أو حتى لإعادة تصديرها بشكل أو بآخر. فهناك تحول جيو سياسي أوسع جعل دول المنطقة تُرحب بدور أكبر للولايات المتحدة، في هذا الإطار أصبحت دبلوماسية الولايات المتحدة في مجال الطاقة مُعززة لهذه القوى وتجعلها في منطقة الصدارة، فهي لا تخلق ديناميات جديدة، ولكنها تقوم بتضخيم الموجودة بالعفل، وبالتالي عززت مشاركتها الخاصة على أساس إقليمي وثُنائي.

يتمثل الدرس الثالث في أنه لابد من وجود أحد لدعم إقامة المشروعات وهو ما استفادت منه الولايات المتحدة حيث قامت المؤسسات الأمريكية بدور محدود، ولكنها صدرت دور المؤسسات الأوروبية في المشهد.

 قد لا يكون هذا النموذج قابل للتكرار في مناطق أخرى مثل آسيا والتي تفتقر إلى المؤسسات الوسيطة التي يمكنها تمويل مشروعاتها، وبالتالي فإن الولايات المتحدة حظيت بمكانة متميزة لامتلاكها مجموعة من الأدوات الجغرافية الاقتصادية التي يمكنها البروز في أماكن مختلفة في العالم.

الدرس الرابع يتمثل في بروز بعض الآثار الجانبية السلبية التي تتمثل في الصدع المتنامي ما بين الولايات المتحدة وتركيا، حيث تم استبعاد أنقرة من مشهد الطاقة في الشرق الأوسط والذي يُنمي بدوره العدوانية التركية في مواجهة التنقيب عن النفط في جميع انحاء قبرص. وفيما يبدو أن الولايات المتحدة على استعداد لتعزيز المبادرات التي تُسبب عدم رضا في تركيا والتي تجعل الصراع ما بين البلدين مُتناميا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى