الصحافة الدولية

“ترامب والإعلام” ..هجوم متبادل وصدام مستمر

ساءت العلاقة بين الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” والإعلام الأمريكي قبل وصوله لسدة الحكم، خلال حملته الإنتخابية 2016 التي اتهم خلالها الإعلام بنشر أخبار “مفبركة”. في حين أن بعض التحليلات ذهبت إلى أن هذه العلاقة المعقدة قد تتجه نحو التهدئة، ولو النسبية، بعد تنصيب ترامب رئيسا، إلا أن ما حدث هو العكس، حيث دخلت هذه العلاقة في حالة من الصدام والصدام المضاد. حيث يتجدد بشكل مستمر هجوم الرئيس على الإعلام وكذا إصدار تصريحات مناهضة له، ووصل الأمر إلى دعوة الإدارة الأمريكية إلى تأسيس وكالة إعلامية حكومية، وإصدار البيت الأبيض أوامر من شأنها وقف الإشتراكات في صحف “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز”.

حملات هجوم متبادل

بداية يمكن القول بشكل عام، هناك حالة من الجدل والتجاذبات حول الرئيس ترامب بطريقة وفرت لبعض وسائل الإعلام  بيئة خصبة ومادة ثرية لمعارضة الرئيس ترامب إنطلاقًا من كون هذه المنصات غير متوافقة مع تيار ترامب، حتي قبل وصوله للكرسي. تكمن أبرز القضايا في الذمة المالية لترامب، والتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية 2016، تصريحاته العنصرية المرتبطة بالهجرة واللاجئين، قضية أوكرانيا ومحاولات العزل المرتبطة بها، بجانب عدد من القضايا الخارجية ككوريا الشمالية وإيران وسوريا…وغيرها.

استهل ترامب يومه الأول بالرئاسة في 21 يناير 2017 بهجوم حاد على وسائل الإعلام الأمريكية، على خلفية الخلاف حول تقدير أعداد الحاضرين بحفل تنصيبه رئيسًا، ومقارنتها بسلفه باراك أوباما. إضافة إلى تغطية الإعلام للتظاهرات وأعمال الشغب التي تزامنت مع حفل التنصيب. الأمر الذي دفع أحد مسؤولي البيت الأبيض إلى التعهد “بمحاربة وسائل الإعلام بكل ما يملك من قوة” بسبب ما وصفه بالهجمات الظالمة ضد الرئيس ترامب. ومنذ ذلك الحين استمرت بكثافة الموجات المتتالية من الهجوم المتبادل، وفي 15 مارس 2017 جدد الرئيس ترامب هجومه على الإعلام، في أعقاب إعلان الصحفية “رايتشل مادو” أنها ستكشف التصاريح الضريبية للرئيس ببرنامجها التليفزيونى، وهو ما وصفه ترامب عبر حسابه على “تويتر” بـ”الأخبار الكاذبة”.

وفي إطار اتخاذ خطوات للتضييق على الإعلام، أعلن رينيس بريباس، كبير موظفى البيت الأبيض، في الأول من مايو 2017 أن إدارة الرئيس ترامب بحثت التعديلات المحتملة لقوانين التشهير، الأمر الذي  من شأنه أن يُسهل لترامب مقاضاة وسائل الإعلام التى تنتقده. وسبق أن هدد ترامب بإتخاذ إجراءات قانونية ضد بعض مؤسسات الإعلام، فحينما كان مرشحًا، أعلن أنه سيقاضى صحيفة “نيويورك تايمز” بعد نشرها قصصًا عما أسمته تحرشه بعدد من النساء.كما استغل الرئيس ترامب مناسبة مرور “100 يوم” على توليه الرئاسة وجدد أمام حشد فى ولاية “بنسلفانيا”، هجومه على الإعلام ووصفه بــ”الفاشل”، ذلك كونه لا يتحدث عن إنجازاته. وتجددت تصريحاته المنددة للإعلام مؤكدًا على “أن الإعلام عدو للشعب الأمريكى نظرًا للكذب والخداع الذى يتسم به”. مشيرًا إلى أن الإعلام لا يمثل الشعب الأمريكى نهائيًا. كما جدد اتهامه للإعلام خلال اللقاء الذي جمعه الرئيس الفنلندي “سولي نينيستو” خلال زيارته البيت الأبيض في 3 أكتوبر 2019، حيث وصف وسائل الإعلام بـــــــ”الفاسدة”.

وعبرت التطورات الآخيرة عن رغبة الرئيس ترامب في اتخاذ خطوات تضييقية أعمق تجاه الإعلام، أبرزها، دعوة الإدارة الأمريكية إلى تأسيس وكالة إعلامية حكومية من شأنها إظهار عظمة الولايات المتحدة، في سابقة لم تشهدها الساحة الأمريكية من قبل، معتبرًا أن وسائل الإعلام الحالية هى السبب في المشكلات وتزايد حالات العنف التي تشهدها الولايات المتحدة، وذلك في أعقاب حادث استهداف الكنيس اليهودي. فضلًا عن، دعوته إلى منع دخول مراسلي “واشنطن بوست” من الدخول إلى البيت الأبيض. إضافة إلى قيام البيت الأبيض بالتفكير في إلغاء الاشتراكات في صحيفتي “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز”، وكذا إصدار تعليمات إلى الوكالات الفيدرالية بعدم تجديد اشتراكها فيهما، معللًا ذلك بخفض التكاليف من خلال توفير مئات الآلاف من دولارات دافعي الضرائب. 

أسباب ودوافع متباينة

أضحت العلاقة المعقدة بين الرئيس ترامب والإعلام ملمح أساسي للساحة الأمريكية، ومعلم بارز للسياسة الداخلية الأمريكية. وارتباطًا بذلك يُمكن القول أن هناك عدد من الأسباب والدوافع التي أدت إلى تعزيز هذه الحالة، أبرزها:-

  • تتطرق بعض التحليلات إلى أن الخلاف ليس بالجديد حيث تعج الساحة الأمريكية بمساحة خلاف كبير بين عدد من الجمهوريين المحافظين والإعلام الليبرالي يأتي في مقدمته محطات “سي إن إن” و”إن بي سي”، وصحف مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”.
  • في مقابل تحليلات أخرى تُرجع الخلاف إلى السمات الشخصية للرئيس ترامب، ذلك كون الخلاف السابق ذكره بين بعض المحافظين والإعلام الليبرالي لم يصل إلى هذه الحالة من قبل إلا بفعل الإدارة الحالية.
  • فضلًا عن أن أغلب وسائل الإعلام التي تتبنى نهجًا معارضًا للرئيس ترامب لم تكن ترغب في وصوله للحكم منذ الحملة الإنتخابية، ووقفت في أغلبها بجانب المرشحة الديمقراطية المنافسة “هيلاري كلينتون”.
  • بجانب كون أغلب سياسات وتحركات بل وتصريحات الرئيس ترامب مثيرة للجدل والخلاف حتي بين الجمهوريين بل وحتى أفراد إدارته، الأمر الذي يفتح الباب ويعطي الفرصة لشن حملات معارضة فعالة.
  • إضافة إلى أن دور الإعلام في الولايات المتحدة ليس تبني وجهة نظر الإدارة الأمريكية والدفاع عنها، وإنما العمل كمنبر للصوت الآخر وكذا التعبير عن التوجهات الأخرى.
  • وأخيرًا، فإن لدى الرئيس ترامب وسيلة أخرى يراها أقوى من وسائل الإعلام التقليدية ألا وهي “تويتر”، الذي يسمح له بالتواصل مع الجمهور بشكل مباشر وكذا استقبال ردود الأفعال. اعتمد الرئيس ترامب على “تويتر” للترويج لسياساته الداخلية والخارجية على السواء. ومن ثم، فقد يكون لدى ترامب قناعة بأنه ليس في حاجة لوسائل الإعلام التقليدية.

ختامًا، يمكن القول إجمالًا أن الخلاف بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة ليس بالأمر الجديد، ولا يُمثل أزمة في حد ذاته، وإنما تكمن الأزمة في الطريقة التي يتم بها التعاطي مع حالة الخلاف القائم ومدى وجود حالة من الاستجابة المرنة. واستنادًا إلى النهج الذي يتبعه الرئيس ترامب، بجانب قرب موعد الإنتخابات الرئاسية القادمة 2020، يتضح أن المشهد سيسير في اتجاه مزيد من التعقيد والتأزم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى