سوريا

قراءة في تصريحات “الأسد” حول العدوان التركي وخيارات دمشق للمواجهة

أجرى الرئيس السوري بشار الأسد يوم الخميس، حوارًا تلفزيونيًا مع قناتي “السورية” و”الإخبارية السورية”، وذلك بعد نحو أسبوع من زيارته لقوات الجيش السوري في الجبهات الأمامية ببلدة الهبيط بريف إدلب، ونحو العام منذ آخر لقاء تلفزيوني له. تطرق الحوار للحديث عن إعلان الولايات المتحدة مقتل زعيم تنظيم داعش أبي بكر البغدادي، ومصير العدوان التركي على الشمال السوري وما سيحدث بعد اتفاق سوتشي، ومستقبل معركة إدلب، وما ستنتجه أعمال اللجنة الدستورية التي أعلن عنها المبعوث الأممي جير بيدرسون. 

الخداع والاحتلال الأمريكي

هاجم الرئيس السوري الولايات المتحدة واستراتيجياتها في سوريا، مشيرًا إلى أن تركيا هي وكيل الولايات المتحدة وتنفذ استراتيجياتها داخل سوريا، وزعم تركيا عند بدء عدوانها على شمال سوريا أنها أخذت موافقة الولايات المتحدة هي محاولة للظهور بمظهر الدولة العظمى، أو صاحب القرار، ولكنّ الأمر كله في النهاية كلها مسرحية بينها وبين الأمريكيين، 

كما شكّك الأسد في عملية مقتل زعيم تنظيم داعش أبي بكر البغدادي، واصفًا إياها بأنها جزء من الخدع الأمريكية، مؤكدًا أنه لم تظهر أي طائرات على أجهزة الرادار، متسائلًا عن سبب عدم عرض جثة البغدادي على عكس ما حدث عند القبض على الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين؛ إذ عرضوا العملية كلها، مؤكدًا أن البغدادي كان بالسجون الأمريكية في العراق وأخرجته الولايات المتحدة للعب هذا الدور ويمكن استبداله في أي وقت، وربما يُعاد إنتاج داعش كلها حسب الحاجة.

وباعتبار أن العدوان التركي هو في أساسه عدوان واحتلال أمريكي، فإن الاتفاق الموقّع بين روسيا وتركيا يقطع الطريق على اللعبة الأمريكية المطلوبة في الشمال، إذ أكد الرئيس السوري إن دخول تركيا بالإضافة إلى أنه يعبر عن مطامع تركيا السيئة فهو أيضًا يعبر عن رغبة أمريكية، وما المقترح الألماني الذي يريد إنشاء منطقة آمنة برعاية دولية إلا مقترحًا أمريكيًا في الأساس، فحلف الناتو هو الولايات المتحدة، وهذا المقترح يريد تكريس خروج هذه المنطقة من تحت سيطرة الدولة السورية وتكريس التقسيم.

ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه أفضل الرؤساء الأمريكيين لأنه الرئيس الأكثر شفافية؛ فكل الرؤساء الأمريكيين يرتكبون كل الموبقات السياسية وكل الجرائم، ويأخذون جائزة نوبل، ويظهرون بمظهر المدافع عن حقوق الإنسان، وعن القيم الأمريكية الراقية والفريدة، والقيم الغربية بشكل عام ولكنهم عبارة عن مجموعة من المجرمين الذين يمثلون ويعبّرون عن مصالح اللوبيات الأمريكية وهي الشركات الكبرى، السلاح والنفط وغيرها.

الجبهة السورية الروسية الإيرانية ثابتة

رفض الرئيس السوري القول بإن الانسحاب الأمريكي من الشمال السوري، وبدء العدوان التركي بعد ذلك، ومن ثم الاتفاق الروسي-التركي، كل ذلك جاء في سياق اتفاق أمريكي -روسي-تركي، مؤكدًا أن روسيا كل اتفاقاتها معلنة، وتتم بناء على تشاور وتنسيق مع سوريا، وسوريا ترى أن الدخول الروسي في أي مكان يخدمها لأن المبادئ واحدة والمعركة واحدة، فالسوريون والروس والإيرانيون يخوضون معركة عسكرية وسياسية واحدة.

وأعرب عن سعادته بالعلاقات الروسية التركية، فهناك فارق بين الأهداف النهائية أو الاستراتيجية والأهداف التكتيكية، واصفًا اتفاق سوتشي بأنه اتفاق تكتيكي حقق بعض المكاسب مثل سحب المجموعات المسلحة من الشمال إلى الجنوب، بالتنسيق مع الجيش السوري، وبالمقابل صعود الجيش السوري شمالاً إلى المنطقة التي لا تحتلها تركيا، وهو أمر إيجابي لا يُلغي سلبية الوجود التركي، وإنما يلجمه، ويخفف أضراره ويهيئ الطريق لتحرير هذه المنطقة.

وأكد الأسد أن أردوغان يهدف إلى خلق مشكلة وعداء بين الشعبين السوري والتركي وذلك من خلال صدام عسكري، وهو عكس ما كان موجودًا في بدايات الحرب، فقد كان الجيش التركي يؤيد الجيش السوري ويتعاون معه إلى أن قام أردوغان بالانقلاب عليه، ولذلك لابد من الحرص حتى لا تتحول تركيا إلى عدو، وهنا يأتي الدور الروسي والدور الإيراني، أما إذا لم تنجح كافة المساعي السياسية فستكون هناك حرب.

الأكراد جزء من النسيج السوري

وفيما يمكن وصفه بأنه تغير في الرؤية السورية نحو الأكراد، ودفع نحو المزيد من التقارب، استنادًا إلى تحركات سابقة وأبرزها الاتفاق بين دمشق والأكراد برعاية سورية على دخول قوات الجيش السوري في المناطق الشمالية، أكد بشار الأسد أن هذا الاتفاق كان هو الاتفاق الروسي الوحيد مع الأكراد أو تحديدًا المجموعات الكردية التي تسمي نفسها “قسد”، مشيرًا إلى أن دخول الجيش السوري ليس للقيام بعمل أمني عسكري فقط، فهو تعبير عن دخول الدولة بكل الخدمات التي يجب أن تقدمها.

ورفض وصف كل الأكراد بالخيانة والعمالة لأمريكا، فهم جزء من النسيج المجتمعي السوري ومن الممكن أن يحدث العيش المشترك مرة أخرى، وإذا لم يحدث ذلك فلن تكون هناك سوريا مستقرة، مؤكدًا أن ما يعيق ذلك هو وجود طروحات انفصالية لدى بعض الأكراد وتسويق البعض لوجود “كردستان سوريا” ضمن مشروع كردستان الكبرى، مؤكدًا أن في هذه الحالة من حق سوريا الدفاع عن وحدة أراضيها.

معركة إدلب آتية لا محالة

أكد الرئيس السوري أن زيارته الأخيرة إلى إدلب كانت تعطي رسالة بأن إدلب مازالت ضمن المشهد السوري، فربما اعتقد العالم أن المشهد السوري اختُصر فيما يحدث في الشمال من عدوان تركي، فمن يقاتلون في إدلب جيش تركي أيضًا تحت أسماء مختلفة مثل القاعدة وأحرار الشام، بل أن هذه الميلشيات أقرب إلى الرئيس التركي أردوغان من الجيش التركي نفسه، مؤكدًا أن معركة إدلب هي الأساس، وتأجيلها في الفترات الماضية لم يكن لضغوط دولية أو لانتظار قرار أممي، فلو انتظرت دمشق قرارات أممية لما حررت أي شبر من الأراضي السورية.

وإنما تأجلت معركة إدلب لوجود إما مستجدات عسكرية أو سياسية بناء على التنسيق مع الشركاء، فربما ترى سوريا شيئًا على الساحة الداخلية، وترى إيران أمرًا يتعلق بالساحة الإقليمية، وروسيا ترى شيئًا آخر متعلق بالساحة الدولية، ومن هنا يأتي التكامل، مشيرًا إلى أن إعلان روسيا انتهاء العمليات الكبرى في سوريا لا يعني تخليها عن معركة إدلب، فانتهاء العمليات لا يعني انتهاء مكافحة الإرهاب، وتصريحات الروس بشأن عودة إدلب إلى السيطرة السورية والتصميم على دحر الإرهاب لم تتبدل، موضحًا أن الإرهابيين في إدلب إن لم يهربوا إلى تركيا، فسيكون أمامهم خياران، إما العودة إلى حضن الدولة السورية وتسوية الأوضاع، أو الحرب.

الحل في سوريا عسكري وليس سياسي

أفاد الرئيس السوري بشار الأسد أن حديث المبعوث الأممي إلى سوريا جير بيدرسون عن ضرورة تجنب عملية عسكرية شاملة غير مجدٍ، فلو كانت لديه خطة واضحة لحل الأمر سياسيًا ووقف المعركة العسكرية الشاملة لكان فعل ذلك وأقنع الأتراك وميلشياتهم بالفصل بين المسلحين والمدنيين، مؤكدًا أن الغرب ميزانه مقلوب فهو يرى ضرورة وقف العمليات العسكرية لحماية المدنيين، ولكن في الحقيقة العمليات العسكرية تأتي لحماية المدنيين من سيطرة الإرهابيين.

وأضاف أن حديث بيدرسون عن أن اللجنة الدستورية تهيئ لحل شامل، غير صحيح، فهي تؤمن جزءًا من الحل ربما. ولكنه بهذا الكلام يغض النظر عن الإرهابيين، فمن المستحيل أن تحل اللجنة الدستورية المشكلة مع بقاء الإرهابيين، فالحل يبدأ من ضرب الإرهاب في سوريا وإيقاف التدخل الخارجي، ثم يأتي الحوار السوري- السوري، مؤكدًا أن اللجنة الدستورية لا علاقة لها بالانتخابات، فهي معنية فقط بالدستور، وبالتالي الحديث عن إشراف أممي على الانتخابات درب من الأحلام.

سوريا ليست طرفًا في اللجنة الدستورية

أكد الأسد أن سوريا ليست طرفًا في اللجنة الدستورية من الناحية القانونية، فالطرف المفاوض في اللجنة الدستورية هو يمثل وجهة نظر الحكومة السورية، أما الحكومة السورية فليست جزءًا من هذه المفاوضات، ومن الناحية القانونية الحكومة السورية غير موجودة في اللجنة، مشيرًا إلى أن الانتقادات التي تعرضت لها دمشق من الأطراف الأخرى المشاركة في اللجنة الدستورية جاءت لأنها كانت تعتقد أن سوريا سترفض تشكيل اللجنة، وأصيبوا بالصدمة عندما شُكّلت، وكانوا يضعون العقبات ولكن تم التعامل معها بطريقة سياسية.

وأضاف أنه تم التنازل عن بعض الأمور الشكلية وليس الأساسيات، لافتًا إلى أن اللجنة الدستورية وما سيصدر عنها من نتائج رُبما تُستخدم كمنصة انطلاق للهجوم وضرب بنية الدولة السورية التي كانت تدرك هذا ولذلك لم تقدم تنازلات في الأساسيات، ومن التنازلات الشكلية هي السماح بتمثيل بعض الأفراد الذين يسمون أنفسهم معارضة معتدلة وهم في الحقيقة يرتبطون بجبهة النصرة.

وأشار إلى أن أي شيء ينتج عن لقاءات اللجنة الدستورية وترى فيه الحكومة السورية أنه يتوافق مع المصلحة الوطنية ستوافق عليه، حتى لو كان دستورًا جديدًا، أما إذا جرى تعديل للدستور ولو لبند واحد ولكن هذا البند يقف ضد مصلحة الوطن فسوف تقف سوريا ضده.

جنيف ليس لها مكان

واعترض بشار الأسد على ما قاله المبعوث الأممي إن إطلاق أعمال اللجنة الدستورية هو عودة فعلية لجنيف، مؤكدًا أن العملية السياسية الآن جزء من سوتشي واستمرار لمسار ستوتشي ومرجعياته، مشيرًا إلى أن تمثيل الأمم المتحدة ومشاركتها في اجتماع سوتشي يعطيها بعداً أممياً وهذا كان ضرورياً، ولكن هذا لا يعني أن تدخل جنيف على سوتشي. جنيف غير موجودة.

اللقاء السوري التركي وارد

صرّح الرئيس السوري بشار الأسد بأنه أجرى العديد من اللقاءات الأمنية مع تركيا خلال العامين الماضيين، ولكن بوساطة روسية لأن سوريا لا تثق بأردوغان، مؤكدًا أنه مستعد للقاء الرئيس التركي أردوغان ولكنه لا يتوقع أنه إذا حصل لقاء ثنائي أن تكون هناك نتائج إلا إذا تغيرت الظروف بالنسبة لأردوغان.

ووصف أردوغان بأنه لص وأزعر وشخصية انتهازية ومنظومة انتهازية وعقيدة انتهازية، مؤكدًا أن ما حدث في إدلب من تحرير عسكري تدريجي سيحدث في الشمال بعد أن تستنفذ كل الفرص السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى