مكافحة الإرهاب

مقتل “البغدادي”…ورقة ترامب الرابحة

أشار الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” خلال خطاب ألقاء في 27 أكتوبر الجاري إلى أن الولايات المتحدة استطاعت القضاء على زعيم تنظيم داعش الإرهابي “أبو بكر البغدادي” عبر عملية قوية وجريئة نفذتها القوات الخاصة الأمريكية “دلتا فورس” في شمال غرب سوريا، مضيفًا أن الولايات المتحدة لم تخسر أيًا من جنودها خلال هذه العملية. الأمر الذي يبلور حرص الرئيس “ترامب” على التعامل مع هذه العملية باعتبارها نصر عظيم له ولإدارته كونها استطاعت القضاء على أهم إرهابي على حد وصفه. وتأتي هذه العملية الناحجة وسط مجموعة التجاذبات والخلافات – المتعلقة بالسياسة الداخلية والخارجية على السواء – التي أضحت تزخر بها الساحة الأمريكية منذ وصول الرئيس ترامب لسدة الحكم.

نجاح عظيم

حرص الرئيس ترامب على التعامل مع هذه العملية باعتبارها نجاح عظيم سيساهم في رفع رصيده وتحسين صورة إدارته، لذلك غلبت نبرة الفخر والانتصار على خطابه. وذلك على الرغم من بعض الأنباء التي ترددت على لسان عناصر من الاستخبارات تفيد بأن الرئيس ترامب لم يكن على علم كامل وشامل بالعملية. وارتباطًا بذلك يحاول ترامب الاستناد إلى العملية من خلال حملة تسويق سياسي لنفسه، وهو ما حاول أن يسلبه من سلفه باراك أوباما. حيث أنه في أعقاب مقتل “أسامة بن لادن” سارع ترامب للإعلان أن الفضل في العملية العسكرية التي قادت لمقتل بن لادن تعود لمسؤولي الجيش والمخابرات، وأن أوباما لا يستحق نسب الجهود إليه.

ذكر ترامب أنه في حين أن العملية أدت إلى مقتل البغدادي وعددًا كبيرًا من رفاقه، إلا أنه لم يسقط أي جندي أمريكي. مشيرًا إلى أن القوات الأمريكية ظلت في الموقع لمدة ساعتين تقريبًا. كما قال إن البغدادي الذي نصب نفسه “خليفة” على ما أسماه “دولة إسلامية” تحكمت في وقت من الأوقات بمصائر سبعة ملايين شخص في منطقة امتدت بين سوريا والعراق، قد قُتل “مثل الكلب”. مؤكدًا على أن “هذا اليوم هو تذكرة بأن الولايات المتحدة ستواصل تعقب باقي الإرهابيين من أعضاء داعش”. وعن تجربته في غرفة العمليات، وصف متابعة المشهد بالأمر الرائع، وكان برفقته نائبه مايك بنس وكبار المسؤولين في الجيش والأمن القومي.

وفي السياق ذاته، أكد مستشار الأمن القومي الأمريكي “روبرت أوبراين”، أن الجيش الأمريكي أطلق على عملية قتل “البغدادي” اسم “كايلا مولر”، نسبة إلى رهينة أمريكية تدعى “كايلا مولر”، خطفها مسلحو “داعش” في مدينة حلب شمال سوريا في 2013، ثم أعلنوا عن موتها في 2015. وقالت “مارشا مولر”، والدة الضحية، في تصريح لصحيفة “Arizona Republic”، “أنا على يقين أنه لو كان أوباما حاسمًا مثل ترامب لظلت ابنتنا على قيد الحياة”.

كارت رابح

يبدو أن الرئيس “ترامب” يتعامل مع عملية مقتل “البغدادي” باعتبارها الكارت الرابح الذي يُقيله من أزماته الداخلية والخارجية، ويساعد في تحسين صورة إدارته. بعبارة أخرى، تبدو هذه العملية كنجاح ساحق وسط سلسلة مطولة من الإخفاقات الداخلية والخارجية التي مُنيت بها إدارة ترامب. لذلك، فقد يتم توظيف هذه العملية لتحقيق مجموعة من الأهداف، أبرزها: 

  • التقارب مع الرأي العام الأمريكي: سوف يسعى الرئيس “ترامب” إلى كسب الرأي العام الأمريكي من خلال هذه العملية التي استطاعت أن تستهدف قائد “داعش”، إنطلاقًا من كون التهديد الإرهابي ضمن أبرز مخاوف الرأي العام الأمريكي. وتبدو أن العملية تمت على شاكلة قتل زعيم تنظيم القاعدة “أسامة بن لادن” التي تمت قبيل الإنتخابات الرئاسية 2012 التي سمحت بإعادة انتخاب أوباما. وبالرغم من بعض التحليلات التي ترى أن “داعش” بوجه عام و”البغدادي” بشكل خاص لا يقع ضمن اهتمامات الرأي العام الأمريكي كون تهديداته تقع بأكمالها في المنطقة العربية، على العكس من “بن لادن” الذي قاد عملية دموية أودت بحياة الألاف من الأمريكيين، إلا أن مقتل “البغدادي” يأتي في سياق تخوف الرأي العام الأمريكي من الإرهاب كتهديد عام بغض النظر عن شخص قائد “داعش”.
  • الإنسحاب من سوريا: سيقوم الرئيس ترامب باستغلال الواقعة كدليل على نجاعة سياسته التي يتبناها في سوريا. بداية من قرار الإنسحاب الذي خلف عدد كبير من الإعتراضات لم تقف فقط عند حدود الحزب الديمقراطي، لكنها وصلت إلى الحزب الجمهوري. حيث أبدى السيناتور الجمهوري “ليندسي جراهام”، المقرب جدًا من الرئيس ترامب، اعتراضه على الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من شمال سوريا، بإعتبار أن القرار يضمن بث الحياة من جديد في”داعش”.كما مثلت الواقعة تأكيد على أن الإنسحاب الأمريكي من سوريا لا يعني أنها ستتخلى عن دورها في مواجهة الإرهاب. 
  • الإلتفاف على الإدانة والعزل: يظهر جليًا أن الحديث عن عملية قتل “البغدادي” ستقلل من الزخم الذي يحيط بعملية إدانة وعزل ترامب بسبب الأزمة التي ظهرت مؤخرًا في تواصله مع أوكرانيا للتأثير في الانتخابات الرئاسية القادمة 2020. في 26 أكتوبر الجاري، رفضت القاضية “بيرل هويل” دفاع الجمهوريين، الذين انتقدوا تحقيق مساءلة ترامب، وقالت إن المجلس ليس بحاجة إلى الموافقة على قرار رسميًا لبدء التحقيق. وأقرت كذلك بقانونية تحقيق المساءلة بغرض العزل الذي يقوده الديمقراطيون ضد الرئيس ترامب، وأمرت إدارته بتسليم نسخة غير محررة من تقرير المحقق روبرت مولر بشأن تدخل روسيا في انتخابات 2016.
  • تجاوز الإخفاقات الخارجية: يتضح أن الرئيس ترامب يبلور الواقعة بإعتبارها نجاح كبير للولايات المتحدة وتعزيز لمكانتها دوليًا، وبالأخص مع اتساع الحديث حول تراجع الدور الأمريكي على الساحة الدولية. حيث تمثل الواقعة دليلًا على استمرار القوة الأمريكية ونجاح سياستها. وقد يكون ذلك للتغطية على جملة الإخفاقات التي تسببت فيها السياسة التي تبنتها إدارة ترامب في عدد من القضايا، أبرزها، البرنامج النووي الإيراني، البرنامج النووي لكوريا الشمالية، الحرب التجارية مع الصين، تضخيم الفجوة مع أوروبا، عملية السلام في الشرق الأوسط.
  • الإشتباك الخارجي والتحالفات: وجه الرئيس ترامب خلال خطابه الشكر لكلٍ من روسيا وسوريا وتركيا والعراق  على دعمهم. مشيرًا إلى أن روسيا تعاملت بشكل رائع وفتحت المجال الجوي لشن الغارة.وفي المقابل، ترددت أنباء تُفيد بنفي روسي للأمر، وتشككها في العملية برمتها. إلا أنه يبدو أن هذا الإعلان يستهدف إيصال رسالة مفادها وجود تنسيق بين الأطراف في سوريا بشأن بعض الأهداف تتزعمه وتقوده الولايات المتحدة، وكذا فإنها لا تحسب نفسها على طرف ضد آخر في أية من صراعات القوة التي تُدار على الأراضي السورية.  

وختامًا، يمكن القول بشكل عام أن عملية قتل “البغدادي” مثلت فرصة كبيرة أمام الرئيس ترامب لتحسين صورته والإلتفاف على الإخفاقات الأخرى، فضلًا عن كونها ورقة إضافية لتعزيز فرص فوزه في الإنتخابات القادمة 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى