مكافحة الإرهاب

سيناريوهات داعش بعد “البغدادي”

أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” اليوم مقتل “البغدادي” زعيم تنظيم “داعش” عبر غارة أمريكية نفذتها قوات عمليات خاصة في “قرية باريشا “بمحافظة إدلب شمال غربي سوريا، بعد أن تلقت معلومات استخباراتية حددت موقعه. وأكد الرئيس الأمريكي أن زعيم “داعش” فجر نفسه عبر سترة ناسفة مع اقتراب عناصر القوة الأمريكية. مضيفًا أن نتائج اختبارات الحمض النووي الذي أجروها على أشلاء القتيل أكدت أنها تعود للبغدادي. غير أن تنظيم “داعش” لم يصدر عنه أي تأكيد لمقتله، كذلك لم يصدر عنه نفي. 

وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية كانت رصدت مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يُدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه أو قتله في 2011، وهي المكافأة التي زادتها بعد ذلك في 16 ديسمبر عام 2016، إلى 25 مليون دولار. ومن ثم يُثير ذلك تساؤلاتٍ مُهمةٍ حول السيناريوهات المستقبلية التي تنتظر تنظيم “داعش”، والتي يمكن تناولها في النقاط التالية:

السيناريو الأول: الانتقال السلس للسلطة

يشير هذا السيناريو إلى احتمالية الانتقال السلس للقيادة، حيث يبرز أسم “عبد الله قرداش” كمرشح لتولي زعامة تنظيم “داعش”. وقد عرُف عن “عبد الله قرادش” أنه من أشرس قادة التنظيم إذ تأثر بالمدرسة العفرية، وهي مدرسة راديكالية شديدة التطرف حيث كان مقرباً جداً من “أبو علاء العفري” قبل مقتل الأخير الذي كان يعد الرجل الثاني في تنظيم “داعش”. وقد حصل “قرداش” على بكالوريوس في الشريعة من كلية الإمام الأعظم في جامعة الموصل، وكان معتقلاً في سجن بوكا في مدينة البصرة، حيث التقى البغدادي.

ويستشهد هذا الطرح بما حدث في أعقاب وفاة كلا من “أبي مصعب الزرقاوي” و”أبى عمر البغدادي”، حيث اعتبر بعض المحليين أن مقتل “الزرقاوي” سيشكل ضربه قاضية لتنظيم القاعدة في العراق ولا سيما مع حداثة تشكيل مجلس شورى المجاهدين آنذاك. غير أن تنظيم القاعدة في العراق عين “أبو حمزة المهاجر” زعيماً جديداً له، ثم قام ” المهاجر” بمبايعة “أبو عمر البغدادي” الذي قتل في ابريل 2010، إثر عملية مشتركة للقوات الأمريكية والعراقية في منطقة الثرثار، وعليه اختار “مجلس شورى المجاهدين” أبا بكر البغدادي خليفة له في مايو 2010.

كذلك يستشهد هذا الطرح أيضا بمدي قوة وصمود فرع داعش في أفغانستان المعروف بولاية خرسان؛ فبالرغم من الهجمات التي تعرض لها هذا الفرع  من جانب القوات الأمريكية، وقتل العديد من أعضائه، وقطع خطوط إمداده؛ إلا أنه نجح في المقاومة والصمود بسبب استراتيجيته المرنة، وقدرته على البقاء والحفاظ على بنيته الهيكلية رغم اغتيال عددٍ من قادته، وكان آخرهم “خوسمان أبو سيد أوركازي” الذي قتل في أغسطس 2018، وهو رابع قائد للتنظيم يتم اغتياله بعد مقتل “أبو سيد” في يونيو 2017، و”عبدالحسيب” في أبريل 2017، و”حفيظ السيد خان” في يوليو 2016.

ومن المرجح أن في ضوء الانتقال السلس للسلطة وتولى ” قرداش” زعامة التنظيم يكون امام ” قرادش” مساران اما النجاح في قيادته التنظيم. وبالتالي قد تشهد الساحة الجهادية عديد من الهجمات المدوية بغرض الثأر لمقتل البغدادي، كذلك الثأر لتصفية عديد من قيادات تنظيم الصف الأول والثاني، وتأكيد الوجود والقدرة، اما الفشل في قيادة التنظيم وبالتالي تراجع تنظيم “داعش” وسعى أعضاءه إلى اتخاذ مسارات بديلة يتم توضحها في السيناريو الثاني.

السيناريو الثاني: انشطار التنظيم

يتصل هذا السيناريو بالسيناريو السابق. ففي ضوء عدم قدرة “قرداش” على فرض سيطرة على التنظيم. قد يشهد تنظيم “داعش” مساران: يتعلق أولهما بانتقال عدد من عناصره إلى تنظيم “القاعدة” الذي اتبع سياسة “الصبر الاستراتيجي” وأعاد بناء فروعه وتميزه بعدد من الخصائص التي تؤهله للصعود مرة أخري. يتعلق أولها بمرونته التنظيمية والقدرة على تغيير أدواته وتكتيكاته طبقا للبيئة الحاضنة والحالة الراهنة. ويتصل ثانيها بالتماسك الداخلي للتنظيم وقدرته على تجاوز أزمة التعارض بين أهداف التنظيم وفروعه ولاسيما مع التوسع الجغرافي للتنظيم، وينصرف ثالثها بقدرته على انتقاء معاركه حيث تجنب قادته محاربة كثير من الأعداء في وقت واحد على عكس تنظيم “داعش”

اما المسار الثاني فيبرز في احتمالية تشكيل خلايا هجينة منفصلة من التنظيمين (القاعدة وداعش)، فمن المحتمل أن يشهد تنظيم “القاعدة” تصدع مرتبط بغياب قياداته ولاسيما مع مرض ” أيمن الظواهري” وتدهور حالة الصحية وبالتالي تزايد احتمالية وفاته بالتزامن من مقتل “حمزة بن لادن” كان يُنظر إليه باعتباره سيلهم الجيل الجديد من الإرهابين، يتوازى ذلك مع حدوث انشقاقات داخل تنظيم “داعش” نتيجة لوفاه “البغدادي” ما يدفع بتشكيل خلايا هجينة من قبل مجموعات مفصلة عن التنظيمين. وفى هذا السياق، اشارت تقديرات أممية عن احتمالية حدوث تعاون بين مجموعات مرتبطة بداعش وأخرى مرتبطة بالقاعدة، ما ينذر بتشكيل تهديدًا جديدًا، نتيجة لتشظى التنظيمات الإرهابية، وبالتالي تشتت سبل وآليات المكافحة

السيناريو الثالث: الكمون الاستراتيجي

يُشير هذا السيناريو إلى لجوء تنظيم “داعش” إلى الكمون الاستراتيجي  بمعنى انحسار نشاطه وتقليل عدد عملياته حتى يتمكن من إعادة ترتب صفوفه مرة أخرى وبالتالي الترتيب لصحوة جهادية جديدة قد تشهدها ” أفغانستان”، إذ أن أفغانستان تعد من الدول المرشحة بقوة لتشهد “الصحوة الجديدة” للتنظيم؛ وذلك في ظل الفشل الأمني والصراع مع حركة “طالبان”، ناهيك عن نجاح “ولاية خراسان” في بناء هيكل تنظيمي قوي متماسك نجح في مواجهة التحديات المختلفة التي تعرض لها، سواء في إطار صراعه مع طالبان أو في سياق الضربات العسكرية التي تعرض له. على أن يُعول تنظيم داعش في صحوته الجديدة على أشبال الخلافة، وهؤلاء عمل التنظيم على تدريبهم وتأهيلهم تمهيدًا لزجهم بالمعارك مجددًا، فهم الضمان الاستراتيجي والعملياتى لبقائه.

مجمل القول، بدراسة تاريخ تنظيم “داعش” نجد انه يتمتع بمرونة تكتيكه وقدرة على التكيف، وبالتالي يستطيع التنظيم تجاوز التحديات الهيكلية التي يعرض لها مستعينا بقدرته التنظيمية ومرونته التكتيكية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى