الصحافة الدولية

من وثائقهم نكشف …… دور هيئة الإذاعة البريطانية BBC في الحروب السرية: “ما بين إعلان الحرب والموسيقى” (2)

منذ اللحظة الأولى لإعلان الحرب العالمية الثانية، لعبت هيئة الإذاعة البريطانية أدواراً تراوحت بين بث الأخبار والمعلومات وتعزيز الروح المعنوية في ساحات القتال إلى جانب سلاح الدعاية. وبعد مرور ثمانين عاماً على دخول بريطانيا الحرب وقتالها ضد الفاشية، فتحت هيئة الإذاعة البريطانية عن وثائق تاريخية ومقابلات ونتائج رصد المرصد الجماعي للرأي العام البريطاني Mass Observation والتي تبرز الدور الذي لعبته في الحرب وبيان كيف غيرت الحرب وحولت من طبيعة عمل البي بي سي.
في الثالث من سبتمبر عام 1939، تم إعلان الحرب في المملكة المتحدة.

https://downloads.bbc.co.uk/historyofthebbc/ww2/R42-217-1%20-%20Defence.pdf

إلا أن إذاعة البي بي سي كانت تستعد سرا لسنوات؛ وذلك حتى يتسنى لهيئة الإذاعة البريطانية مواكبة أي حدث قد يطرأ على الساحة الوطنية والإقليمية. تظهر المقابلات والوثائق التي تم إصدارها حديثًا عن مجلة “بي بي سي هيستوري”  والتي قام على تجميعها المؤرخ ديفيد هندي من جامعة ساسيكس البريطانية، بأن الهدف الرئيسي لبي بي سي كان حماية نفسها وحماية الدولة البريطانية ككل، من الهجوم الجوي الضخم والفوري الذي توقعه الجميع.
وفي تمام الساعة الحادية عشر والربع من صباح يوم الأحد الثالث من سبتمبر عام 1939، أخفت دار البث الإذاعي في لندن صوت الجرس الذي يتم تشغيله من استوديو BA، وتم تحويله إلى مقر مجلس الوزراء 10 Downing Street، حيث يوجه رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين خطاباً إلى الأمة.

خطاب رئيس الوزراء:


“أتحدث إليكم من مقر مجلس الوزراء في شارع دونينج. هذا الصباح، سلم السفير البريطاني في برلين تنويها أخيراً إلى الحكومة الألمانية يفيد بأنه في حال عدم سماع بيان من الحكومة الألمانية بحلول الساعة الحادية عشرة بالاستعداد في الحال لسحب قواتهم من بولندا، فستكون هناك حرب بيننا. وعلي أن أخبركم الآن أنه لم يتم تلقي مثل هذا التعهد من الحكومة الألمانية، وبالتالي، فإن هذا البلد في حالة حرب مع ألمانيا.
يمكنكم أن تتخيلوا ماهية الضربة التي تلقيتها، من أن كفاحي الطويل لنيل بالسلام قد فشل، وأنني لا أستطيع أن أصدق أن هناك أي شيء آخر أو مختلف كان بإمكاني فعله وكان من الممكن أن يكون أكثر نجاحًا. وحتى النهاية، كان من الممكن ترتيب تسوية سلمية ومشرفة بين ألمانيا وبولندا.
ولكن هتلر لن ينالها. فقد كان من الواضح أنه قرر الهجوم على بولندا مهما حدث. وعلى الرغم من إدعائه الآن بتقديم مقترحات معقولة وتم رفضها من البولنديين، إلا أن هذا ليس حقيقيًا. فلم يتم عرض المقترحات على البولنديين ولا علينا. وعلى الرغم من إعلان تلك المقترحات على البث الإذاعي الألماني ليلة الخميس، لم ينتظر هتلر لسماع التعليقات بشأنها، لكنه أمر قواته بعبور الحدود البولندية صباح اليوم التالي. وتظهر تصرفاته بشكل مقنع، عدم وجود أي فرصة يُتوقع منها أن يتخلى هذا الرجل عن ممارساته لاستخدام القوة لكسب إرادته. فلا يمكن أن يتوقف إلا بالقوة، ونحن وفرنسا نفي اليوم بالتزاماتنا لمساعدة بولندا التي تقاوم بشجاعة هذا الهجوم غير المبرر على شعبها.


لدينا وعي واضح، بأننا قمنا بكل ما يمكن لأي دولة القيام به لإحلال السلام. ولكن الموقف لا يمكن الوثوق فيه بأي كلمة يقدمها الحاكم الألماني، ولا يمكن لأي شعب أو بلد أن يشعر بالأمان أو يمكن تقبله. والآن بعد أن قررنا الانتهاء من هذا الوضع، أعلم أنك ستلعبون دوركم بكل هدوء وشجاعة. ففي مثل هذه اللحظة، يجب أن يكون هناك شعور بالدعم مثل الذي تلقيناه في الإمبراطورية كحافز راسخ لدينا.
عندما أنتهي من حديثي إليكم، سيتم إصدار إعلان مفصل نيابة عن الحكومة، وأرجو إعطائه كل اهتمامكم. لقد وضعت الحكومة خططا يمكن بموجبها الاستمرار في عمل الأمة في أيام الشدة والضغط التي ربما سنشهدها. ولكن هذه الخطط تحتاج إلى مساعدتكم. فربما دوركم يكون في ساحات القتال أو كمتطوعين في أحد فروع الدفاع المدني. وإذا كان الأمر كذلك، سيكون عليكم القيام بواجباتكم وفقا للتعليمات التي ستتلقوها. وربما تكون مشاركتكم في أعمال محاكمات الحرب أو الحفاظ على حياة المواطنين في المصانع، أو في وسائل النقل، أو في الشواغل العامة أو في توريد الضروريات الأخرى للحياة، فالاستمرار في أداء وظائفكم أمر ذو أهمية حيوية.


والآن، قد يباركك الله جميعًا، وقد يدافع عن الصواب. كما يجب محاربة القضايا غير الأخلاقية كاستخدام القوة والعنف، وسوء النية والظلم، والقمع، والاضطهاد. وفي مواجهة تلك الأمور، أنا على يقين من أن الحق سوف يسود.”
وبعد ذلك ببضع دقائق، أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية أنه سيتم إغلاق أماكن الترفيه العامة مثل دور السينما والمسارح وإغلاق المدارس وحظر التجمعات والأنشطة الرياضية. وفي حالة حدوث تفجيرات أو هجمات بالغاز، يجب على الجميع اتخاذ مأوى بمجرد سماع صفارات الانذار لغارة جوية.
فبالنسبة لملايين البريطانيين وفي جميع أنحاء العالم، سيتم تذكر هذا البث على أنه بداية الحرب العالمية الثانية.
وفي مدينة برمنغهام، تم اعتبار إعلان يوم الأحد كمجرد تأكيد على الحرب، فقد اعتبرالشعب أنه في حالة حرب منذ صباح يوم الجمعة، حين أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية ذلك اليوم عن أنباء لعزو هتلر لبولندا، وكان هذا هو الميقات الذي بدأ فيه الملايين بالاستماع إلى بي بي سي لمعرفة آخر الأخبار. كما أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية عن بعض الأخبار الغامضة الخاصة بها يوم الجمعة، وأن في غضون ساعات ستحدث تغييرات في الأطوال الموجية التي استمع إليها الجميع:

في نهاية تلك الفقرة الإخبارية، برجاء الانتظار لإعلان بيان هام مفادة إحداث بعض التعديلات على الأطوال الموجية لبث هيئة الإذاعة البريطانية . ستؤدي تعديلات الطول الموجي تلك إلى استقبال أقل كفاءة لبعض المستمعين. برجاء عدم الانزعاج؛ لكونها اعتبارات تقنية بحتة.

كان تأثير التغييرات في الطول الموجي هو إيقاف الخدمتين اللتين يستمع إليهما الشعب البريطاني لسنوات، وهما البرنامج الوطني والبرنامج الإقليمي، واستبدالهما ببرنامج واحد فقط: “الخدمة الداخلية”. فقد كان ذلك البرنامج مسألة أمن قومي.


ولعدة سنوات، افترض المخططون العسكريون أن اندلاع الحرب سيؤدي إلى هجوم جوي فوري ومدمّر. وكان يخشى أيضًا أن تساعد الإشارات الصادرة عن أجهزة الإرسال القوية التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية في توجيه طائرات العدو إلى أهدافها. وتمثلت أحد الحلول في إيقاف البث كليًا في حالة الأعمال العدائية، على الرغم من أن هذا قد يعني أيضًا عدم البث على الإطلاق طوال فترة الحرب.
وعليه، عكف مهندسو بي بي سي في البحث عن خطة بديلة، ما قد يسمح لهم بمواصلة البث دون استغلال العدو اهم. وفي مقابلة تم إصدارها حديثًا، نسمع من أحد أولئك الذين يعملون سراً على حل تلك المشكلة، هارولد بيشوب يقول:
قمنا بعمل مخطط التزامن لربط عدد من أجهزة الإرسال معًا على نفس التردد، وعند تحليق طائرة العدو من فوقنا، سُتغلق واحدة أو اثنتان من هذه أجهزة الإرسال. وتكمن حاجة بي بي سي إلى “مزامنة” أجهزة الإرسال الخاصة بها لإنشاء “الخدمة الداخلية”. كما كانت الهيئة مشغولة بجميع أنواع الاستعدادات الأخرى – خاصة منذ أزمة ميونيخ عام 1938.

كتاب حرب:


تم جمع وثيقة من قبل كبار مخططي بي بي سي خلال صيف عام 1939، للاستعداد لإصدارها للموظفين في حالات الطوارئ. فهي تمثل “كتاب حرب” لعدد من القواعد والإجراءات الجديدة التي تم إعدادها على مدار سنوات والتي تم تطبيقها ابتداء من الأول من سبتمبر.
وتضمنت لغتها عبارات مثيرة للقلق وتحذيرات من قبيل أن “الهجوم الجوي من الممكن حدوثة دون سابق إنذار. ولكن الغرض الرئيسي من الكتاب هو شرح الظروف الجديدة وغير العادية التي ستعمل بموجبها بي بي سي. كما يعرض إجراءات حماية المذيعين وكيفية أداء الموظفين للخدمة العسكرية، وتوزيع مواقيت العمل. ويبين الكتاب كيفية نقل المنشآت وأقسام البرامج بأكملها بعيدًا عن لندن. وتعد دقة هذا الكتاب شهادة على تخطيط بي بي سي للأزمة، لكنه يكشف أيضًا عن مدى خشية البي بي سي من العمل في ظل ظروف الحصار منذ اللحظة التي أعلنت فيها الحرب.
ولم يعرف المواطنون شيئًا عن تلك الخطط ولا عن الخروج الجماعي للموظفين من المقر الرئيسي لهيئة الإذاعة البريطانية. وذلك لأن الهيئة كانت عازمة على بقاء البث على الهواء مباشرة مهما حدث وفي نفس الوقت عدم المخاطرة ببقاء مواردها مرتكزة في العاصمة أو أي مدينة كبيرة.
وكان المتفق عليه هو استمرار المذيعين في الإعلان على الهواء “هنا لندن”. ولكن في الواقع، سيتم بث العديد من أشهر برامج الحرب في بي بي سي من استوديوهات مؤقتة تنتشر في المسارح وقاعات الكنيسة في مناطق مثل بريستول وستون سوبر ماري وبانجور وبيدفورد.
يروي جون سناج، أحد أشهر مذيعي الحرب في بي بي سي، مشاهد لخطط “الإخلاء والتوزيع” وإزالة إدارات بأكملها من لندن مما ساهم بدوره في تغيير ثقافة هيئة الإذاعة البريطانية. يقول: “واجهتنا عدة مشاكل أثناء عمليات الإخلاء والتوزيع، لم يكن الوقت يسعفنا ونقصت العمالة والمرتبات حين ذاك”.


وتم تقسيم العاملين إلى فئات. كان سناج في الفئة “أ”، والتي تم اعتبار خدماتهم حيوية لبي بي سي في زمن الحرب. وعادت الفئة “ب” إلى منازلها وفي انتظار لحظة الاستدعاء. أما الفئة “ج” فلم تعد خدماتهم مطلوبة وكانوا “أحراراً” في الانضمام إلى القوات المسلحة أو واحدة من منظمات الدفاع المدني الرئيسية.
كلير لاوسون ديك، أحد من وصلوا إلى منطقة Wood Norton في نهاية الأسبوع الأول من شهر سبتمبر وعملت في التسجيل تقول:

عمل الكثيرون في وحدة “المراقبة” الجديدة التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) ، والتي تم تأسيسها مؤخرًا هناك للتنصت على مخرجات المحطات الإذاعية الأجنبية ، حتى تتمكن غرفة الأخبار التابعة للبي بي سي والدوائر الحكومية من الوصول إلى أحدث المصادر. تطلب ذلك إنشاء هوائيات حساسة على تل قريب ومجموعة من الكابلات وأجهزة الطباعة عن بُعد للسماح لـ Wood Norton بالتواصل مع لندن. وتوسعت خدمة المراقبة التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية بسرعة ، مما يعني وصول عدد أكبر من المتحدثين بلغات أجنبية إلى وود نورتون، والكثير منهم لاجئون من ألمانيا النازية وأوروبا المحتلة.

حرب “الملل”:

وقع على عاتق البي بي سي إبقاء الشعب البريطاني مستمتعًا ومستنيرًا في الأشهر الأولى من الحرب. فالحرب التي تم التخطيط لها لم تكن الحرب التي اندلعت. حيث توقعت هيئات البث الإعلامي أن يتبع إعلان تشامبرلين في 3 سبتمبر 1939 هجومًا جويًا. وبدأ المواطنون بالتذمر عندما لم يقع الهجوم، مشيرين إلى أن “الخدمة الداخلية” الطارئة والجديدة لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” لا فائدة منها. وتكشف المواد المنشورة من أرشيف هيئة الإذاعة البريطانية عن النضالات وراء الكواليس لإبقاء الشعب البريطاني مستمتعًا ومستنيرًا في الأشهر الأولى.
وفي غضون دقائق من إعلان رئيس الوزراء نيفيل تشامبرلين أن بريطانيا في حالة حرب مع ألمانيا ، بثت بي بي سي سلسلة من الإعلانات الحكومية التي من شأنها أن تحول الحياة العامة إلى حالة طوارئ، تقول:

“سيتم إغلاق دور السينما والمسارح لأنه إذا أصيبوا بأي انفجار سيكون هناك الكثير من القتلى أو الجرحى. تحظر التجمعات الرياضية وجميع التجمعات لأغراض الترفيه والتسلية حتى إشعار آخر.”

ومع إغلاق دور السينما والمسارح وإقامة المواطنين في منازلهم، أصبح عبء الترفيه عن الأمة يقع على عاتق هيئة الإذاعة البريطانية. كما توقع الشعب البريطاني أن تتطور الأحداث العسكرية بسرعة وتوقعوا أن تكون الأخبار مليئة بالمعلومات المهمة. وعلى الرغم من وجود العديد من نشرات الأخبار في قائمة الجدول، كان سيتم ذلك بعدد أقل من الموظفين والمرافق الأساسية؛ مما يعني عددًا أقل من المحادثات والمسرحيات والموسيقى، وبالكاد إذاعة أي بث خارجي على الموجات الهوائية.
وتحدد وثيقة اعتبارًا من يناير1939، بعض القيود على العمل المعتاد، وتكشف عن توقع البي بي سي لانخفاض جودة برامجها الإذاعية. حيث تم تشكيل لجنة فرعية من لجنة الدفاع بعد أزمة سبتمبر، وكان واجبها إعداد تقرير بناءً على تجربة الأزمة لتقديم توصيات بشأن الإجراءات في حالات الطوارئ المستقبلية. كما توضح أحد الأقسام المهمة في الوثيقة بأن برامج هيئة الإذاعة البريطانية لها دور مهم تلعبه في الحفاظ على الروح المعنوية العامة.

“يجب أن يكون الحفاظ على الروح المعنوية العامة هو الهدف الرئيسي للبرامج في حالة الحرب وأن استمرار خدمة أخبار موثوق بها له أهمية قصوى. ومع ذلك ، سيكون من الضروري أن تكون هناك بعض الاستثناءات مع إذاعة جميع المواد الموجودة في برامجنا العادية.و تجدر الإشارة إلى أن أهمية البرامج الترفيهية تتمسك بها وزارة الداخلية.ومع ذلك، ومع قبول الحاجة إلى الترفيه، فإن التحدي الأساسي هو الحفاظ على نفس مستوى البرامج في زمن الحرب كما هو الحال في وقت السلم. “

وبعد أن استعدت البي بي سي لتزويد الأخبار بشكل منتظم ملء معظم ما تبقى من الجدول الزمني بأجواء مهدئة وغير مسبوقة إلى حد كبير، فإن غياب القصف الجوي المفاجئ 1939، جعل من مخرجات هيئة الإذاعة البريطانية تبدو “قديمة وغير متسقة مع الحالة المزاجية والمحتوى المعروض. فعلى حد قول المؤرخ سين نيكولاس، “كانت الأسابيع الأولى من الحرب كارثة على هيئة الإذاعة البريطانية”. كتب أحد المواطنين من مدينة أسيكس يقول:
أعتقد أن برامج بي بي سي كانت سيئة للغاية. فقد هولت عدد نشرات الأخبار المعلنة من المشهد؛مما جعلنا جميعًا نشعر كما لو أن شيئًا رهيبًا سيحدث، بل وجعلتني أشعر بأنني أقل قدرة على التحكم في مشاعري أكثر من المعتاد وأكثر انزعاجاً وضجرًا.
في نظر الحكومة البريطانية، فقد اعتبرت أن الوظيفة الأكثر أهمية لهيئة الإذاعة البريطانية في وقت الحرب هو اعتبارها بمثابة قناة للمعلومات والبيانات الرسمية. ففي غضون الأشهر اللاحقة، أُطلقت حملات لا حصر لها عن الادخار في فترة الحرب وتعليمات السلامة من الغارات الجوية و البحث عن النصر واقتصاد الوقود والتوظيف في حالات الطوارئ. لكن البي بي سي واجهت ضغوطًا مستمرة من الوزراء المتلهفين للتحدث بأنفسهم، بجانب التدخل المستمر من الوزارات حول محتوى وأسلوب النصوص. إلا أن بي بي سي عرفت من التجربة أنه يجب نشر “الرسائل” بطرق خفية ومسلية ؛ فقد كانت النتائج عندما كانت الحكومة تتحدث بنفسها غير ملائمة وحمقاء. فقد كانت بي بي سي تدفع ثمنا نتيجة للعلاقة الوثيقة التي تراكمت على مر السنين مع الطبقة الحاكمة. إلا أن أكبر إخفاقات برامج بي بي سي كانت في الأيام والأسابيع الأولى للحرب. فقبل نهاية عام 1939، تم تخفيض عدد النشرات الإخبارية، وعادت البرامج الإذاعية الخارجية وبعض العروض الترفيهية الشعبية الكبرى مرة أخرى.

الاعتبارات السياسية:

كان العامل السياسي هو الوحيد الذي يحول دون حرية بي بي سي في بث ما تريد؛ حيث قررت لجنة الدفاع الإمبراطوري في عام 1935 أنه في حالة الحرب، ستتولى الحكومة السيطرة الفعالة على البث وعلى البي بي سي. و سيكون لوزارة الإعلام في فترة الحرب الحق في مراقبة جميع المخرجات لصالح الأمن القومي، وسيكون للحكومة الحق في توجيه هيئة الإذاعة البريطانية في جميع المسائل المتعلقة بالجهود الحربية.
حددت وثيقة مؤرخة 29 يونيو 1939 بعض الآثار المحتملة لهذه السيطرة على قسم الأخبار في بي بي سي:

في وقت إعلان الحرب، عندما تبدأ وزارة الإعلام في العمل، ستصبح إدارة قطاع الأخبار فعليًا جزءًا من الوزارة. لن تطبق رقابة رسمية غير تلك المطبقة على الصحف. وسيكون قطاع الأخبار بمثابة القناة الوحيدة لنقل أخبار الوزارة إلى هيئة الإذاعة البريطانية.

أما من حيث عملية الرقابة، فتم التعبير عنها بأكثر العبارات صرامة: فكل نص يحتاج إلى “ختم” من الرقيب الرسمي قبل إذاعته، وفي كل استوديو سيكون هناك “رقيب تبديل” ليرفع الميكروفون إذا انحرف أحد عن ما تم الاتفاق عليه في الحديث. لكن الرقابة تم نقلها إلى موظفي هيئة الإذاعة البريطانية في المستويات العليا والمتوسطة، وتم إعارة بعضهم إلى وزارة الإعلام. وفي الممارسة العملية، غالبًا ما تُركت هيئة الإذاعة البريطانية لرقابة نفسها.
ويكشف ساذرلاند عن نوع معين من الرقابة في زمن الحرب تم إهماله في الروايات الرسمية لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) مع ساعة بيج بن حين يقول:

كنا نستمع بسماعات إلى الميكروفونات داخل ساعة بيغ بن قبل أن تدق التاسعة بعشرين ثانية، وإذا سمعنا ضجيج طائرة تحلق، نذيع دقات مسجلة للساعة بدلاً من الحقيقية المصحوبة بالضجيج .والسبب هو أن الألمان كان بإمكانهم رصد مكان الطائرة إذا سمعوا صوتها في راديو التاسعة، مما يعني أنها فوق ويستمنستر.

لم يكن لدى بي بي سي أي اعتراض على أن تكون مؤيدًا للقضية البريطانية أو داعماً معنوياً. لكنها رأت أن “الدعاية”، بمعنى تحريف الحقيقة” لم تكن متوافقة مع سياسة بي بي سي. يقول محرر أخبار الخدمة الداخلية، آر. كلارك:

إن الطريقة الوحيدة لتقوية الروح المعنوية للمواطنين هي أن تقول لهم الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة مروعة.

بيد أن الوزارات وكبار العسكريين حدت من وصول المعلومات الدقيقة إلى هيئة الإذاعة البريطانية. أحد الأمثلة على ذلك كان في مايو 1940، عندما تم خداع بي بي سي بشأن محاولة ونستون تشرشل غير الكفؤة لتأمين موانئ النرويج المحايدة قبل ألمانيا. فقد حصلت هيئة الإذاعة البريطانية على بيان من مكتب الحرب والأميرالية جاء فيه بصراحة – وبشكل غير دقيق – أن البريطانيين استولوا بنجاح على ميناء نارفيك، ثم نشرت نشرة أخبارها هذا على الهواء بحسن نية. وبعد أكثر من أسبوع بقليل، تم إجلاء قوات الحلفاء في النرويج. لقد كشفت عن مدى المبالغة في البيان الرسمي، وتم تضليل الصحافة مثلها مثل هيئة الإذاعة البريطانية مما أثر على مصداقية البي بي سي.


ولكن على الرغم من الرقابة، لم تبقى بي بي سي على ذلك الحال طوال فترة الحرب. فقد كانت هناك دلائل على عودة نمط حيوي على التقاط تجارب وأصوات الشعب البريطاني، وكذلك آراء ونصائح قادتهم.
وبحلول صيف عام 1940 ، احتل النازيون فرنسا وهولندا، وكانت الحرب في طريقها إلى بريطانيا، ومع تزايد عدد الهجمات الجوية على المطارات في الجنوب. وكان رد فعل بي بي سي أكثر مرونة وذكاء. كما جندت المزيد من الصحفيين والمهندسين، وحصلت على المزيد من معدات التسجيل، وكانت قادرة على تغطية “معركة بريطانيا” عن طريق إرسال مراسليها إلى الساحل في سيارات مجهزة بشكل خاص.
كتب المؤرخ سين نيكولاس، بأن هيئة الإذاعة البريطانية “صمدت بدلاً من الانتصار” فيما يسمى بـ “حرب الملل”. ولكن كانت هناك إشارات وشواهد على أن البي بي سي يتعلم من تجربته، ويتبع منهج أكثر دقة في زمن الحرب.
بحلول خريف عام 1940، دخلت الحرب مرحلة جديدة ومميتة، فيما يسمى بــ “الحرب الخاطفة”.

بي بي سي في الحرب الخاطفة:

عندما بدأت الحرب الخاطفة في أوائل خريف عام 1940، تعرضت هيئة الإذاعة البريطانية لهجوم جوي مثل بقية البلاد. وفي الواقع، كما تظهر مواد الأرشيف التي تم إصدارها حديثًا، كان من شبه المؤكد أنها كانت مستهدفة من قبل القوات الجوية الألمانية. وتم إجبار المذيعين والمواطنين على العمل والعيش في ظل ظروف غير مواتية.
ففي سبتمبر 1940، وصلت الغارات الجوية الألمانية الواسعة النطاق التي كانت متوقعة قبل اثني عشر شهرًا. كانت لندن والمدن والبلدات في جميع أنحاء بريطانيا – وخاصة الموانئ الكبيرة والمراكز الصناعية – تتعرض للقصف كل ليلة. وبدأ العديد من الموظفين الذين تم إرسالهم إلى وود نورتون أو بريستول عند اندلاع الحرب في العودة إلى دار البث الإذاعي، على الرغم من علمهم بأن المباني وأجهزة الإرسال التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية من المحتمل أن تكون على رأس قائمة استهدافات العدو.
في نوفمبر من عام 1940، قتل ثلاثة موظفي إرسال في برمنغهام. وفي فبراير 1941، تم إحراق استوديوهات سوانسي التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية.
كانت هناك مشاعر مختلطة في كل مكان، والبي بي سي لم تكن استثناء. فخلال الحرب، كانت يتم فصل المذيعين عن باقي المدنيين، حيث كانوا يعملون خلف أبواب محكمة الإغلاق في عالم “الكهوف”.

قصف دار البث الإذاعي:

تعرض المقر الرئيسي لهيئة الإذاعة البريطانية في لندن لضربتين من سلاح الجو الألماني، مما تسبب في أضرار واسعة النطاق والعديد من الوفيات والإصابات. كان ذلك تذكيرًا صارخًا بأن بي بي سي كانت على رأس قائمة أهداف العدو. كما أظهر أن المذيعين، مثل بقية السكان البريطانيين، كانوا يعانون بشكل مباشر من ويلات الحرب على الجبهة الداخلية. هنا ، توفر شهود العيان الصادرة حديثًا من أرشيف هيئة الإذاعة البريطانية روايات عن تفجيرات 1940.
القصة الأكثر شهرة هي القنبلة المدمرة التي سقطت على دار البث ليلة الثلاثاء 15 أكتوبر عام1940 ، كانت قد سماعها على الهواء مباشرة من قبل الملايين من المستمعين الذين ضبطوا الموجة للاستماع لأخبار التاسعة مساء. و حقيقة أن البرامج بقيت على الهواء طوال الوقت هي شهادة على تصميم المبنى، وأيضًا على تصميم موظفي هيئة الإذاعة البريطانية على مواصلة “أعمالهم الحربية”. كان، للأسف، هذا العزم على الاستمرار في العمل مما أدى إلى العديد من حالات الوفاة.
كانت فرق الإنقاذ تنقب بالفعل تحت الأنقاض. وكان Studio 3A يعج بالموظفين من وحدة المراقبة التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية، كانوا مشغولين بمعالجة أحدث نسخ من الإنتاج الإذاعي الأجنبي المرسل من زملائهم في Wood Norton.

الموسيقي والروح المعنوية:

رأت هيئة الإذاعة البريطانية أن إحدى مهامها الرئيسية في فترة الحرب هي رعاية ورفع الروح المعنوية للمدنيين في بريطانيا. ولكن السؤال كان عن أي برامج توفي بتلك المهمة لأولئك الذين يستمعون في المنزل أو في مكان العمل؟ وأيهما يُفضل، نشرات أخبار أم برامج للهروب من الواقع؟ الأحاديث أم الموسيقى؟ أي نوع من البرامج رفع الروح المعنوية للمقيمين في منازلهم وقت الحرب؟ هنا ، تُظهر الوثائق الصادرة حديثًا عن كيفية سعي هيئة الإذاعة البريطانية إلى قياس المزاج العام والتأثير عليه.
فقد أدرك المنتجون والمهندسون وكتاب السيناريو والمذيعون – الراديكاليون والمحافظون على حد سواء – في هيئة الإذاعة البريطانية فضيلة استخدام كل مهارات التي لديهم لمحاربة الفاشية. وأن الهدف بوضوح كان تغذية الروح المعنوية العامة في الجبهة الداخلية البريطانية، إلا أن وسائل وطرق تحقيق هذا الهدف لم تكن باليسيرة. فقد أكد جون سناج، أحد أشهر مذيعي الحرب في إذاعة بي بي سي، على الحاجة إلى “إبعاد المواطنين عن التفكير في الحرب”. وفي هذا الصدد ، كانت الكوميديا هي السلاح الأكثر ملاءمة لدى البي بي سي. وعليه، تم إطلاق برنامج “إنه هذا الرجل مرة أخرى” في صيف عام 1939 لكنه لم يلق رواجاً واسعاً بين المواطنين. ولكن بحلول عام 1944، كان ما يقرب من 40 % من البريطانيين يستمعون إليه إسبوعياً. وتم بث هذا البرنامج من مدينة بريستول في بداية الحرب. ولكن عندما اشتد القصف عليها، تم نقله إلى مدينة بانجور الساحلية في شمال ويلز، أملاً في أن يكون بعيداً عن مرمى القوات الجوية الألمانية. لكن مقابلات BBC Oral History Collection أوضحت أن الحال لم يكن هكذا دائمًا.
قدم البرنامج الكوميدي ما يسميه المؤرخ سين نيكولاس بـــ “نقطة مرجعية ومفردات مشتركة” لملايين المعجبين به؛ حيث استمتع البريطانيون بفرصة تبادل النكات في الشارع، ليعبروا ويروحوا عن روح التمرد لديهم. وهكذا أتيحت لهيئة الإذاعة البريطانية الفرصة لإظهار أنها لم تكن بأي حال من الأحوال مجرد لسان حال رسمي، بل في تناغم مع المشاعر الشعبية. فقد كانت شعبية هذاالبرامج بمثابة تنويه مهم لبي بي سي بالحاجة إلى فقرات ترفيهية في جداولها، جنباً إلى تداول الأنباء والأخبار السيء منها والجيد.
هذا إلى جانب مبدأ البي بي سي في أن يتحدث المذيعوم بنبرة هادئة وحايدة . حيث أعرب “سناج” من أن ثقة الجمهور في هيئة الإذاعة البريطانية كانت تعتمد على تلاوة الأخبار بنبرة غير عاطفية ومحايدة.
لكن لدى الجمهور أفكار مختلفة. حيث تكتشف أديلايد بول في مذكراتها بتاريخ 29 نوفمبر 1939 نبرة عاطفية في نشرة الأخبار، كتبت تقول:

في الليلة الماضية، أظهر أحد المذيعين شعوراً إنسانيًا أثناء تلاوة نشر الأخبار، وإذا استمر على هذا النحو، كنت سأكون سعيدة للاستماع.ومع ذلك، أعلم أنه تم تدريب المذيعين كي لا يظهروا طبيعيين، بل مجرد أتمتة، لكنني لا أستطيع أن أرى ضرورة هذا الحياد.

لكن لم يكن الحفاظ على الروح المعنوية مجرد مسألة الوصول إلى المستمعين في منازلهم. ففي فترة الحرب، كان هناك الآلاف من الرجال والنساء الذين يعملون في الدفاع المدني والتصنيع، وهؤلاء بحاجة إلى التشجيع والتحفيز والبهجة. فقد كانت لديهم بالفعل الدعاية الحكومية كمحفز للعمل بجد. حيث اتبعت برامج مثل “وقت اللهو للعمال” مقاربة مختلفة بإذاعة البرامج الترفيهية من مطاعم المصانع لجميع أنحاء بريطانيا. حيث قدم وزير العمل، إرنست بيفن، الطبعة الأولى من “وقت لهو العمال” عام 1941، لـــ”يجعلنا جميعًا نشعر أننا نعمل ونتشارك معًا للانتصار في هذه الحرب”. كما أطلقت هيئة الإذاعة البريطانية ” الموسيقى أثناء العمل ” في يونيو 1940، وهو برنامج للموسيقى المستمرة المصممة خصيصًا للعاملين في خطوط الإنتاج؛ وذلك للتشجيع نحو الإنتاج، وإرضاء العمال المشاركين في جهود الحرب، وتخفيف عبء العمل والملل في المصانع. وكانت المشكلة أن هذا النهج يتعارض مع جميع المبادئ المألوفة للبث “الجيد” لهيئة الإذاعة البريطانية، وتم تجاهل هذا البرنامج في الشهور الأولى له. حيث يتناقض يتناقض برنامج “الموسيقى أثناء العمل” مع كل المبادئ الفنية الخاصة ببي بي سي، تمامًا كما سخر برنامج “إنه هذا الرجل مرة أخرى” من البيروقراطية التي تعاملت بها هيئة الإذاعة البريطانية بشكل اعتيادي.
تعرض وثيقة في يوليو 1940 كم كانت بي بي سي تكافح من أجل تثبيت المبادئ الأساسية لبرنامج “الموسيقى أثناء العمل”، من خلال تقديم موسيقى غير هادئة ذات وتيرة متكررة، ودائمًا مبهجة وتتجاهل القيمة والدقة الفنية وعدم مراعاتها. حيث يجب أن تكون الموسيقى مألوفة لدى العامل العادي، وأن يكون اللحن واضحًا وغير مشوه، وأن يكون مستوى النغمة ثابتة وأن يخلق الإيقاع حالة بهجة.
كانت النتيجة أنه بحلول نهاية الحرب، كان هناك حوالي 9000 مصنع كبير، و 30 إلى 40 ألف مصنع صغير وورشة عمل، وما بين 10 و 20 % من البريطانيين ، يستمعون إلى هذه الموسيقى.
يوضح مالك لمصنع في مدينة ستيبني عن مدى أهمية وجود الموسيقى لموظفيه، حين كتب يقول:
الحرب لا تدع مجالاً للترفيه. يجب أن يكون هناك مصدر للترويح عن النفس أثناء العمل في تلك الظروف، ما يشكل دافعاً أكثر للعمل.
كانت هيئة الإذاعة البريطانية تراقب باستمرار هذه الآراء بنفسها. وأنتجت وثيقة تمثل تحليلًا شاملًا لبرنامج “الموسيقى أثناء العمل” في عامها الأول. أشارت في أولها إلى حالة التناقض التي تعرضت لها هيئة الإذاعة البريطانية في مبادئها مع البرامج الجديدة. كما مثلت تلك البرامج مؤشراً، ليس فقط لمدى التزام الهيئة بدعم الجهد الحربي والوطني، ولكن لمدى ارتياحها عندما سمحت لنفسها بالتناغم مع المواقف الشعبية، فقد غيرت الحرب من مبادئ وطرق تعامل ومناهج هيئة الإذاعة البريطانية.
فقد اعتمدت الوثيقة في تقييماتها على الخبرة والمعرفة المكتسبة من زيارات المصانع والمناقشات مع الإدارات والعاملين، وعلى المقابلات التي أجريت مع أخصائيي علم النفس وعلى دراسة جميع الأدبيات المتعلقة بموضوع تأثير الموسيقى في الصناعة. كما هدف إلى أن برنامج “الموسيقى أثناء العمل” لا ينبغي اعتباره وسيلة لزيادة معدل العمل خلال فترة البرنامج فحسب، بل النظر إليه كمحفز للعملية الانتاجية والتصنيعية ككل. فالموسيقى تعمل على التشجيع وتخفيف حالة الملل وبث السعادة وتحسين الصحة وتقليل المحادثات الجانبية وتخفيف التوتر العصبي وتقليل نسبة الغياب في العمل. كما أشارت الوثيقة إلى عدم بث الخطب للعاملين خلال ساعات العمل، وألا ينبغي أن يكون أي إعلان بصورة “باردة؛ فذلك يصرف انتباه العمال ويكون لها تأثير سلبي على المخرجات.

https://downloads.bbc.co.uk/historyofthebbc/ww2/R27-257-2%20-%20Music%20While%20You%20Work%20-%20First%20Report%20-%2005-05-1941%20-%2030-11-1941.pdf

الحلقه الاولي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى