المراكز العربية

المُحركات الاقتصادية للأزمة اللبنانية

اندلعت مُظاهرات بيروت عقب الإعلان عن تبني الحكومة خطة اقتصادية لتعديل الاختلالات الهيكلية بالموازنة العامة للدولة يوم 18 من أكتوبر الجاري، عبر برنامج يعتمد في الأساس على زيادة ضريبة القيمة المُضافة بنسبة 2% في عام 2021 و2% إضافية بحلول عام 2022، مما يرفع إجماليها إلى ما نسبته 15%، بالإضافة إلى تسريب بعض وسائل الإعلام تقارير أظهرت نية الحكومة فرض ضرائب على المُكالمات عبر الإنترنت، والتي تجرى من خلال تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وواتساب. لكن هذه الإجراءات لا تُمثل سوى القشة التي قسمت ظهر البعير، إذ يُعاني الاقتصاد اللبناني من تدهور مؤشراته الاقتصادية بصفة عامة وخاصة مؤشرات القطاع الخارجي لفترات طويلة تتجاوز عشرات السنوات، تلك هي ذات المؤشرات التي حدت بالحكومة في الأساس لتبني الخطة الاقتصادية، التي دفعت بالمُتظاهرين للشارع رغم ما يحكُم لبنان من توازنات ديموغرافية وسياسية داخلية وخارجية، ولذلك يُحاول هذا المقال تسليط الضوء على أهم مؤشرات الاقتصاد اللبناني للتعرف على سياق خُطة الإصلاح الاقتصادي من جانب ودوافع المُتظاهرين من جانب آخر.

أولًا- المؤشرات الاقتصادية الرئيسية  

1- نمو الناتج المحلي الإجمالي:

تشهد مُعدلات نمو الاقتصاد اللبناني تباطء مُنذ عام 2011 حيث لم تتجاوز 3%، وبلغت في المتوسط مُنذ ذلك الحين وحتى 2018 ما نسبته 1.3%، واستقرت مُنذ 2015 عند مستويات أدنى من 1% باستثناء عام 2016، كذلك يتوقع صندوق النقد الدولي استمرار هذه المُعدلات المُنخفضة عند مستويات أقل من 1% حتى عام 2020. تُشير هذه النسب إلى حجم المُعضلة التي يواجهها الاقتصاد اللبناني، حيث تُشير بقوة إلى عدم القُدرة على خلق فُرص عمل، مما سيؤدي إلى ارتفاع مُعدلات البطالة وخاصة بين الشباب، وهو ما سيُسفر بدوره عن ارتفاع مُعدلات الفقر، يوضح الشكل التالي مُعدلات نمو الاقتصاد اللبناني:

2- العجز الكُلي للموازنة العامة:

يُقصد بعجز الموازنة العامة ارتفاع مصروفات الدولة عن إيراداتها، وكُلما ارتفعت المصروفات عن الإيرادات كُلما ارتفعت نسبة العجز، ويتخذ عجز الموازنة العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في لبنان اتجاه الارتفاع المُستمر مُنذ العام 2014 حينما كان قد بلغ 6.2%، لكنه واصل اتجاهه الصعودي حتى بلغ في 2018 ما نسبته 11%، ويتوقع صندوق النقد الدولي استمرار هذا الاتجاه ليبلغ في عام 2022 ما نسبته 12.5%، ويوضح الشكل التالي تطور مُعدلات عجز الناتج المحلي الإجمالي:

وتلجئ الحكومة لسد هذه الفجوة بين الإيرادات المصروفات إلى الاقتراض سواء الداخلي أو الخارجي، وهو ما يُضيف أعباء جديدة للموازنة العامة تتمثل في فوائد الديون المُقترضة، ما يُسبب ارتفاعًا جديدًا للمصروفات، وبالتالي زيادة جديدة في العجز، فارتفاع جديد لمستويات الدين.

3- عجز الحساب الجاري:

يكون الحساب الجاري للدولة في حالة توازن عندما تكون لدى سكان البلاد ما يكفي من العُملة الصعبة لتمويل مشترياتهم من الخارج. ويشهد الحساب الجاري اللبناني عجزًا مُستمرًا مُتناميًا مُنذ العام 2008، حيث كان قد بلغ 4.8 مليار دولار، ثم استمر في الارتفاع ليبلغ في عام 2018 ما إجماليه 14 مليار دولار تقريبًا، ويتوقع صندوق النقد الدولي استمرار هذا الارتفاع ليبلغ عجز الحساب الجاري في عام 2022 ما إجماليه 16.2 مليار دولار، ويُعمل عجز الحساب الجاري مع عجز الموازنة العامة على دفع الدين مُعدلات الدين العام في اتجاه الزيادة، ويوضح الشكل التالي تطور مُعدلات الحساب الجاري:

4- مُعدلات الدين العام:

كانت مُعدلات الدين العام قد انخفضت بداية من العام 2006 عندما بلغت 183% لتشهد أدني مستوياتها على الإطلاق في عام 2012 عند مستوى 130%، لكنها عكست اتجاهها إلى الارتفاع المُستمر لتبلغ في عام 2018 ما نسبته 151%، ويتوقع صندوق النقد الدولي استمرار هذا الارتفاع ليبلغ في عام 2022 ما نسبته 172% من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يعني مزيدًا من أعباء خدمة الدين فمزيدًا من المصروفات فمزيدًا من الاقتراض، يوضح الشكل التالي مُعدلات الدين العام:

يُضاف إلى ما سبق أن تدفقات الودائع قد شهدت انخفاضًا فعليًا، كما انخفضت الاحتياطيات الأجنبية لدى مصرف لبنان المركزي، حيث انخفض معدل نمو الودائع في عام 2018 لأدنى مستوياته منذ عام 2005، صاحب ذلك انخفاض احتياطيات المصرف المركزي بما إجماليه 6 مليار دولار أمريكي منذ أوائل عام 2018، وقد أسفر مُجمل المُعضلات السابقة عن خفض جديد في التصنيف الائتماني للحكومة اللبنانية، حيث قامت موديز بخفض تصنيفها إلىCaa1 أما مؤسستي ستاندرد اند بورز وفيتش فقد غيرتا نظرتهما المستقبلية إلى سالبة عند تصنيف B-.

ثانيًا – خطة الإصلاح المُقترحة من جانب الحكومة

قصدت الحكومة اللبنانية صندوق النقد الدولي لوضع خطة اقتصادية بهدف التغلب على الصعوبات السابقة وتحويل مسار الاقتصاد، فوضع الصندوق برنامجًا مكونًا من سبعة عشر نقطة بهدف تعديل هيكل الاقتصاد بكامله، فيما يلي أهمها:

1- ضبط مالي في موازنة 2019 برفع الإيرادات:

اقترح الصندوق أن تستهدف الموازنة المقدمة إلى البرلمان خفض العجز إلى نسبة 9.75% من إجمالي الناتج المحلي، بهدف تصحيح الانحرافات في العام الماضي، وذلك بالاعتماد على عدد من الإجراءات على جانبي الإيرادات والنفقات، وأهمها: (أ) زيادة الضريبة على الدخل من الفائدة من 7% إلى 10%، و(ب) فرض ضريبة على السلع المستوردة بمعدل 2%. (جـ) فرض ضريبة على لوحات ترخيص سيارات الأجرة ولوحات الترخيص المكونة من ثلاثة أو أربعة أرقام وزيادة رسوم الأمن العام (على تصاريح العمل، والتأشيرات، وغيرها) مع بذل جهود لتعزيز الامتثال الضريبي، (د) توسيع قاعدة ضريبة القيمة المضافة من خلال إلغاء الإعفاءات على بعض السلع مثل اليخوت المسجلة في الخارج، والديزل المستخدم لتوليد الكهرباء، والمركبات الألية، (هـ) وينبغي للسلطات أيضا تحسين الإدارة الضريبية، وهو ما يمكن أن يحقق إيرادات إضافية مهمة، بما في ذلك ما يمكن تحصيله ممن يتهربون حاليًا من الضرائب.

2- خفض الإنفاق:

يكون ذلك عن طريق اتخاذ عدد من الإجراءات مثل: (أ) تجميد التوظيف والتقاعد المبكر في القطاع العام، (ب) رفع أسعار المحروقات، (جـ) إلغاء دعم الكهرباء كأهم إجراء يمكن أن يحقق وفورات كبيرة في الإنفاق، وتهدف الخطة الحكومية لقطاع الكهرباء إلى التحول من استخدام الوقود إلى استخدام الغاز الطبيعي لخفض تكاليف الإنتاج في المصانع القائمة، وزيادة قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تلبية الطلب، ثم زيادة التعرفة لإلغاء دعم الكهرباء. وينبغي أن تضمن السلطات اشتمال خطة قطاع الكهرباء على زيادة في التعرفة تكفي لسد العجز لدى مؤسسة كهرباء لبنان على المدى المتوسط في ظل افتراضات قوية وواقعية بشأن الحد من الخسائر الفنية وغير الفنية. ومن الضروري البدء في زيادة التعرفة في أقرب وقت ممكن لتحقيق وفورات في المالية العامة، وربما استهداف أكبر المستهلكين أولا، (د) ينبغي للسلطات أيضا إجراء مراجعة شاملة للإنفاق العام لتحديد المجالات الأخرى التي يمكن تحقيق وفورات فيها. ويمكن أن يبنى ذلك على الجهود الجارية لدراسة خيارات إصلاح نفقات الأجور ومعاشات التقاعد. ويُلاحَظ أن النفقات الكلية على رأس المال والتعليم منخفضة، وقد يتطلب الأمر زيادتها على المدى المتوسط للمساعدة في رفع النمو. غير أن الإنفاق على الأجور والمستحقات في القطاع العام، بما في ذلك في مجال التعليم، غالبا ما يتسم بعدم الكفاءة وينطوي على فرص لتحقيق وفر مالي.

3- تعزيز استدامة الدين:

بهدف استدامة الدين، اقترح الصندوق أن تتبنى السلطات خطة متوسطة الأجل للمالية العامة تقوم على إجراءات موثوقة ودائمة من شأنها تحقيق فائض مالي أولي كبير على المدى المتوسط. ويتوقع خبراء الصندوق أن يكون تحقيق فائض أولي قدره 4,5% تقريبا من إجمالي الناتج المحلي أمرا ضروريا لإحداث خفض ملموس في نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي على المديين المتوسط والطويل. ولذلك يجب تبني إجراءات دائمة على جانب الإيرادات ترفعها بنسبة 0.5% تقريبا من مجموع الإجراءات المتعلقة بالإيرادات لعام 2019.

4- اجراءات مكملة لزيادة التحويلات الموجهة للفقراء ومحدودي الدخل:

فشبكة الأمان الاجتماعي محدودة حاليا في لبنان، ولتخفيف أثر الضبط المالي المطلوب، ينبغي أن تتوخى السلطات توجيه إنفاق إضافي قدره 0.5% من إجمالي الناتج المحلي إلى شبكة الأمان الاجتماعي. ويمكن توجيه معظم هذا الإنفاق من خلال التوسع في البرنامج الوطني لاستهداف الفقر الموجود حاليًا.

تعاني الإصلاحات المُقترحة بوجه عام –على الرغم من أنها ضرورية لإنقاذ الاقتصاد اللبناني- زيادة مُعاناة الفقراء أكثر مما هي في الوقت الحالي، بالإضافة إلى حرمان الشباب من فُرص التوظيف القليلة فعلًا، بالإضافة إلى رفع تكلفة المعيشة على قطاعات واسعة من اللبنانيين، وهي إجراءات تخوف منها اللبنانيون وخاصة الشباب منهم ولذلك اندفعوا إلى الشوارع لمنع تطبيقها. وتضع هذه المُظاهرات الاقتصاد اللبناني في الزاوية من ناحيتين أولًا أنها ستتسبب في المزيد من الخسائر على مستوى الاقتصاد الكُلي من حيث رفع مستوى الإنفاق وهروب الاستثمارات الأجنبية المُباشرة، ومن ناحية أخرى تأخير الإصلاحات المُقترحة وهو ما سيزيد وضع الاقتصاد اللبناني سوءً ويُعمق من حدة إجراءات الإصلاح في المُستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى