الصحافة الدولية

تركيا وإسرائيل.. عقود من التعاون الاستراتيجي

كانت “تركيا” أول دولة ذات غالبية مسلمة، تعترف بـ “إسرائيل“، كوطن قومي لليهود على حساب الفلسطينيين في 1949، بين أروقة الأمم المتحدة، ومع بداية 1950، كان اعتراف الحكومة التركية قانونيًا بقيام “دولة إسرائيل”، ومن ثم بداية تبادل السفراء بين الدولتين 1952.

وابتداءًا من مطلع الخمسينيات، أخذ التعاون بين الأتراك والإسرائيليين في النمو بشكل تدريجي، وبالتحديد بين جهازي الموساد الإسرائيلي والأمن التركي.

ففي صيف 1951، وقع البلدان اتفاقيات أمنية، قامت من خلالاها إسرائيل بتزويد تركيا بمعلومات عن منظمات المعارضة التركية، كما أرسلت تركيا 25 طائرة عسكرية من طراز “داكوتا”، إلى إسرائيل بغرض إصلاحها، في 1956.

وفي السنة التالية، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي، ديفيد بن جوريون، تركيا، سرا، ليلتقي نظيره التركي عدنان مندريس، لدراسة فكرة “إقامة حلف إقليمي”، لتقوية التحالف الاستراتيجي والاستخباراتي والاقتصادي بين “إسرائيل – اثيوبيا – إيران – تركيا”، بدعم وتشجيع الرئيس الأمريكي دوايت ايزنهاور، وبإشراف جوريون وجولد مائير، وزيرة الخارجية الإسرائيلية، حتى تم التوقيع على ميثاق “حزام المحيط” 1958.  

وفي ذات العام، في اعقاب وحدة مصر وسوريا، أقامت إسرائيل وتركيا تحالفا عسكريا تحت عنوان “الاتفاق الطارئ”، والتي تضمنت بنودا للتعاون العسكري، وتبادل المعلومات، والتدريب المشترك، فضلا عن مساهمة إسرائيل في بناء بعض المطارات التركية.

وشهدت ذات السنة اتفاقا أخر للتعاون الأمني، أُطلق عليه “الرمح الثلاثي”، والذي نص على تبادل المعلومات الأمنية بين “إسرائيل وتركيا وإيران”، وعقد اجتماعات دورية بين رؤساء الأجهزة الاستخباراتية الثلاث، ما جعل جهاز الوساد يؤسس له مركزا استخباراتيا في تركيا، في مقابل التقنية الاستخباراتية التي قدمتها تركيا.

التناغم والترابط، كان حال العلاقات بين تلك الدولتين

ولكنه لم يدم طويلا، حين قررت “إسرائيل” أن تختار صف “اليونان” 1963، إثر الأزمة التركية القبرصية الأولى، ومن ثم جاء الموقف التركي بتأييد الموقف العربي في حرب 1976، فضلا عن عدم سماح تركيا للولايات المتحدة باستخدام قواعدها في حلف الأطلسي خلال حرب 1973 لتزويد إسرائيل بالسلاح، إلا أنه عاد مجددًا في فترة السبعينيات، حين زودت إسرائيل تركيا بالأسلحة، وخاصة خلال الاحتلال التركي لشمال جزيرة قبرص عام 1978.

فيما عينت تركيا مستشارا عسكريا لها بإسرائيل، فضلا عن اتفاقهما على تعزيز التعاون الأمني بينهم لمتابعة الوضع في لبنان، والذي كلل بتعاون أمني استخباراتي في 1982، حين أهدت إسرائيل تركيا عدة وثائق سرية أشارت لوجود تعاون عسكري بين منظمة التحرير الفلسطينية ومنظمات تركية بسارية وأرمنية وكردية، وكذلك تسليمها ناشطين اتراك بالمخيمات الفلسطينية داخل لبنان.

وفي 1989 تم توقيع اتفاقية عسكرية محدودة بين سلاحي الجو التركي والإسرائيلي للتعاون في مجال التدريب وتبادل المعلومات العسكرية، فضلا عن المساعدة التركية لإسرائيل عام 1991، سمحت تركيا للطائرات الإسرائيلية باستخدام مطاراتها العسكرية لأغراض التجسس على العراق.

وفي ذات السياق، وقع الدولتان مذكرة تفاهم لإنشاء لجان مشتركة لكبار المسئولين للتعاون في مجال تعزيز القدرات العسكرية وجمع المعلومات الاستخباراتية عن سوريا والعراق وإيران، عام 1993.

وبلغت العلاقات أوجهها حين زارت رئيسة الوزراء التركية ناتسو تشيلر، في 1994، والتي نتج عنها توقيع العديد من الاتفاقيات، ومن ثم زيارة نائب رئيس الأركان التركي تشفيك بير، لتوقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي في 1996، والتي كان أبرز بنودها: “تحديث وتطوير مقاتلات تركية من طراز (F-4) فانتوم، وكذلك السماح للطائرات الإسرائيلية بالقيام بطلعات تدريبية في سماء تركيا لمدة أسبوع 4 مرات سنويًا”.

كما أجرت القوات البحرية والجوية عدة مناورات إسرائيلية تركية بحرية وجوية، والتي كانت أكبرها مناورات “ذئب البحر 1997”.

وفي 2002، وقعت تركيا مع إسرائيل عقدًا بقيمة 668 مليون دولار، لتحسين 170 دبابة من طراز (M-6) كما اشترت تركيا من إسرائيل، في ذات العام 50 طائرة قتال عمودية، وفي 2005 اشترت ثلاث طيارات بدون طيار، وكذلك نظم محطات أرضية من شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (صناعات الطيران الإسرائيلية) بتكلفة 183 مليون دولار، أدت لحصول تركيا عشر محطات أرضية، لكل منهما ثلاث طائرات أو أربع.

وفي زيارته لإسرائيل في 2005، بحث رئيس الوزراء التركي، حينئذ، رجب طيب أردوغان، مع المسئولين الإسرائيليين، صفقة عسكرية لتطوير وتحسين حوالي 30 طائرة حربية تركية من طراز (F-4) قٌدرت بنحو نصف مليار دولار.

وجاءت تصريحات المتحدث الرسمي باسم صناعة الطائرات الإسرائيلية، دورون سوسليك، في ذات العام، بأن “أنقرة هي ثاني زبون عسكري بعد الهند”، لتؤكد العلاقات الوطيدة بين الدولتين على حساب دول الجوار خاصة، والتي شهدت ثراءًا كبيرًا في 2008، حيث تعددت زيارات المسئولين العسكريين بين البلدين، كما أجروا عدة مناورات عسكرية بحرية وجوية بمشاركة الولايات المتحدة.

إلا أن تلك العلاقات توترت في 2009

إثر العدوان الإسرائيلي على غزة، حين صرح رئيس الأركان التركي، إلكر باشبوغ، على انتقادات إسرائيل للمناورات العسكرية المشتركة بين تركيا وسوريا، بأنها “لا تعنيه”، مشيرًا لأنها شأن خاص وليس لأحد حق التدخل بها.

وازدادت حدة التوتر مع اعلان تركيا، الغاء مشاركة اسرائيل في مناورات “نسر الاناضول”(2008-2009)، معللة ذلك بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة، بحسب تصريحات أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية التركي، في مقابلة خاصة مع شبكة CNN الأمريكية.

وبرغم ذلك، وفي خلال الزيارة التي قام بها ايهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي، إلى أنقرة، في يناير 2010، كشف مصدر مرافق له بأن هناك 60 معاهدة سارية المفعول للتعاون المشترك في القضايا الأمنية والعسكرية.

سفينة مرمرة تقرب العلاقات التركية الإسرائيلية من الهاوية

جاء حادث سفينة “مافي مرمرة” التركية في 31 مايو 2010، كالقشة التي قسمت ظهر البعير، حين هاجمت اسرائيل “السفينة” التي كانت تحمل مساعدات إلى غزة، أدت إلى مصرع 10 أتراك، ما أحدث تحولاً مفاجئًا في العلاقات بين البلدين، والذي على إثره طردت تركيا السفير الإسرائيلي، وسحبت سفيرها من إسرائيل، وجمدت التعاون العسكري، مطالبة بثلاثة شروط هي “تقديم اعتذار رسمي، وصرف تعويض للضحايا وعائلات القتلى، فضلا عن رفع الحصار عن قطاع غزة”.

ما جعل إسرائيل تعبر عن “أسفها”، في 2013، حين قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان، اعتذارا باسم إسرائيل بخصوص قتلى ومصابي “مافي مرمرة”، وقبل أردوغان الاعتذار باسم الشعب التركي، ولكن لم ترفع إسرائيل الحصار عن غزة.

وبناءا عليه أشارت الصحف الإسرائيلية، لأن شركة (إيلتا) الدفاعية الإسرائيلية سلمت تركي أجهزة إلكترونية بقيمة 100 مليون دولار، عبارة عن: أربع طائرات مزودة بنظام الإنذار والمراقبة المحمول جوا (أواكس)، وقال مسؤول بوزارة الدفاع التركية حينها إن تركيا اشترت الأجهزة من (بوينغ) والشركة الإسرائيلية هي مجرد وكيل لـ(بوينغ)، وهو ما يعني أن علاقتنا المباشرة هي مع (بوينغ) فقط وليس مع إسرائيل، لكن مصدرا بقطاع الصناعة العسكرية الإسرائيلية أكد الصفقة، وقال إن إسرائيل لم تكن ترغب في بادئ الأمر في إتمام صفقة شركة (إيلتا)، لكنها عدلت عن موقفها عام 2011 في أعقاب طلبات من (بوينغ)، كما ذكرت الإذاعة الإسرائيلية أن إسرائيل قامت بإمداد تركيا بمنظومات عسكرية متطورة.

وفي العدوان التركي الحالي على سوريا، كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، أَن الدبابات التركية التي تستخدمها أنقرة في غزوها الحالي M60-A1 تم تطويرها في إسرائيل بعقد ضخم يبلغ مئات الملايين من الدولارات.

خلاصة القول

ارتبطت تركيا بإسرائيل منذ القدم بعدة مواثيق عسكرية، نمت بشكل أكبر في فترة حكم الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية، ولوحظ أن احتجاجات أردوغان كانت في الغالب مجرد صورة استخدمها في دعايته الانتخابية لكسب تعاطف وأصوات الناخبين، ولزيادة التبادل التجاري مع دول الخليج العربية.

اما إسرائيل، فعلاقتها بتركيا كانت ضرورية، بل كانت السبيل الأساسي لها، حتى تكون على دراية كاملة بالأوضاع في “العراق وسوريا وإيران”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى