الصحافة الدولية

” قمة “سوتشي”.. بوابة العبور الروسي الى القارة السمراء

في خطوة روسية توحي برغبة عميقة في جذب المكانة التي كانت تتمتع بها موسكو لدى الدول الافريقية من الماضي الى الحاضر، تُعقد قمة روسيا- افريقيا في مدينة سوتشي الساحلية، خلال الفترة بين 23 -24 أكتوبر.

تحت رئاسة مشتركة من الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئيس الحالي للاتحاد الافريقي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ومن المقرر أن يشارك في القمة عدد 47 رئيس دولة أفريقية، فضلا عن ثماني جمعيات ومنظمات تكامل افريقية كبرى، وفقًا لتصريحات ديميتري بيسكوف المتحدث باسم الرئيس الروسي.

وتأتي الجلسة العامة للمنتدى تحت عنوان “روسيا- افريقيا واستكشاف آفاق التعاون”، حيث من المنتظر أن يناقش الحضور آفاق النمو المحتملة في مشوار التعاون بين روسيا ودول القارة السمراء، كما سيناقش المنتدى في سوتشي فرص ومخاطر ممارسة الأعمال التجارية في افريقيا، ويأتي ذلك في إطار جلسة “ممارسة الأعمال في أفريقيا: الفرص والظروف والمخاطر”، والتي سوف تعقد في إطار مسار تطوير العلاقات الاقتصادية بتاريخ 23 أكتوبر، فضلاً عما يزيد عن ثلاثين حدثا تجاريا من المقرر انعقاده على هامش المنتدى الاقتصادي.

ويشمل جدول أعمال المنتدى ثلاثة محاور رئيسية، تتضمن مسارات تطوير العلاقات الاقتصادية، وآفاق إنشاء مشروعات مشتركة، بالإضافة إلى التعاون في المجال الإنساني والاجتماعي. حيث من المقرر أن يشهد المؤتمر جلسة حول التعاون الإنساني والاجتماعي بين روسيا والبلدان الأفريقية، وحلقة نقاشية تحت عنوان “روسيا- أفريقيا: العلوم والتعليم“.

ومن المقرر أن يحضر هذه الجلسة وزير العلوم والتعليم العالي لدى روسيا الاتحادية ميخائيل كوتيوكوف، ووزير التعليم العالي في جمهورية كينيا جورج ألبرت أومور ماجوها، ووزير العلوم والتكنولوجيا بجمهورية موزمبيق جورج نيامبيو.

هل ترغب روسيا في التنافس مع دول أخرى حول النفوذ في القارة السمراء؟!

كانت العلاقات بين الاتحاد السوفيتي سابقا، ودول القارة الافريقية قد اتجهت بالفعل نحو التدهور السريع، منذ لحظة تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي. ومما لا شك فيه أن تراجع الدور الروسي في افريقيا تسبب في أن وجهت القارة أنظارها صوب الحضارة الغربية، بل أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقط لعب هذا الأمر دورا محوريا في نمو الشركات السياسية والاقتصادية العملاقة مثل شركات الصين والهند والبرازيل.

وعلى الرغم من تصريحات بيسكوف الأخيرة بشأن عدم رغبة روسيا في التنافس مع الصين والاتحاد الأوروبي من حيث التوسع في النفوذ بالقارة الأفريقية، وأنها لا ترغب سوى في مد آفاق التعاون القائم على المنفعة المتبادلة معها. إلا أن هذا التصريح الأخير لا يلغي حقيقة وجود رغبة قوية لدى موسكو ليس فقط فيما يطلق عليه مد آفاق التعاون مع أكبر عدد ممكن لدى العديد من دول القارة السمراء، بل أيضًا في تكثيف وجودها العسكري ومشروعاتها النووية هناك، لأن التعاون القائم على المنفعة المتبادلة بهذا الحجم المتوقع من العمق والتوغل هو بحد ذاته نفوذ كبير سوف تتمتع به روسيا عقب النجاح في إتمام هذه القمة، التي تشير  بوضوح الى التوجه الروسي نحو استعارة أوراق التوغل الصيني –على سبيل المثال- في القارة. حيث تنظر موسكو إلى أفريقيا على أنها وجهة واعدة لتعزيز نشاطها في مجال إنتاج النفط والغاز والموارد الطبيعية الأخرى التي تزخر بها القارة. وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن قيمة الاستثمارات الروسية في أفريقيا تتراوح ما بين 8 و10 مليارات دولار، وخلال الفترة من عام 2010 إلى عام 2017، ازداد مجموع الصادرات الروسية إلى أفريقيا بمقدار ثلاثة أضعاف تقريباً من 5 مليارات إلى نحو 15 مليار دولار. فضلاً عن تزايد التواجد الروسي العسكري في القارة. وفيما يتعلق بالجانب الثقافي، فإن المراكز الثقافية الروسية تلعب دورًا هامًا كذلك في تعزيز التواجد الروسي في المنطقة.

روسيا وآفاق التعاون المرتقبة مع دول القارة الأفريقية

كينيا- بمجرد الانتهاء من اجتماع الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والكيني أوهورا كينياتا، من المنتظر أن تقوم كينيا بتوقيع ثلاثة اتفاقيات مع روسيا على هامش المنتدى في سوتشي، وتتفرع المذكرات في ثلاثة مجالات، من ضمنها مذكرة تفاهم في مجال السياحة، ووثيقة أخرى بشأن التفاعل العلمي والتكنولوجي والثقافي، فضلاً عن خطة للمشاورات السياسية بين وزارات الخارجية لدى البلدين. بالإضافة إلى الاجتماعات المقرر انعقادها بين ممثلو وزارة الطاقة الكينية وشركة روسآتوم بغرض المفاوضات حول مفاعل نووي مرتقب تنفيذه بغرض توليد الطاقة النظيفة. كما أنه من المقرر أن يقوم الجانب الكيني في تداول النقاش مع روسيا حول تنفيذ ما يطلق عليه البرنامج الوطني للأولويات الأربعة، حيث يغطي البرنامج “الرعاية الصحية الشاملة- الأمن الغذائي- والسكن- والصناعات الوطنية”.

موزمبيق وناميبيا، يجرى في الوقت الحالي العمل على اعداد مذكرات تعاون بشأن الأنشطة العلمية والتقنية مع البلدين، كما تنص المذكرات على التعاون المشترك في القطاعات الأساسية للاقتصاد الأفريقي، مثل الزراعة والاستخدام الرشيد للتربة الأرضية والبيئة، فضلاً عن التعاون في المجالات التكنولوجية المتقدمة.

جمهورية الكونغو الديموقراطية، تم توقيع اتفاقية تعاون في مجال الدفاع مع روسيا في يوليو 2018، وتعتزم الكونغو مناقشة سبل توسيع آفاق التعاون مع روسيا في قطاع الدفاع خلال القمة.

نيجيريا، سوف يقوم الرئيس الروسي والنيجيري فلاديمير بوتين ومحمد بخاري، بتوقيع اتفاقية تعاون عسكري تقني على هامش القمة، كما ستحصل نيجيريا على مساعدة روسيا في مجال مكافحة الإرهاب. حيث ترغب نيجيريا شراء معدات عسكرية روسيا، بالإضافة الى عقد المزيد من الشراكات مع روسيا في مجالات مثل التعدين وتطوير البنية التحتية والطاقة النووية والنفط والزراعة والعلوم والتكنولوجيا والتصنيع. وتتطلع نيجيريا الى التعاون مع شركة روسآتوم في بناء محطتين للطاقة النووية بغرض مساعدتها على الخروج من أزمة توليد الكهرباء. حيث أنه من المقرر أن يتم على هامش المنتدى، انعقاد المفاوضات بشأن استكمال بناء مصنع أجاكوتا للصلب والذي يعد أكبر مصنع للحديد والصلب في أفريقيا وكانت روسيا قد بدأت في بناءه منذ عهد الدولة السوفيتية.

إثيوبيا، على الرغم من تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي جيدو أندارجاتشو الأخيرة، والتي نفى من خلالها أن إثيوبيا تعتزم التفاوض حول انشاء قاعدة عسكرية روسية على أراضيها، إلا أنها مع ذلك تطمح لأن تصبح بوابة العبور الروسي الى عمق القارة الأفريقية. حيث ترغب إثيوبيا في رفع مستوى التعاون العسكري بين البلدين، وشراء المزيد من المعدات العسكرية، وتعزيز الشراكات في المجالات التجارية والتعدين وتوليد الطاقة. كما يُذكر أن كلا البلدين كانتا قد وقعتان، خارطة طريق لمدة ثلاث سنوات بغرض إقامة تعاون في بناء محطة للطاقة النووية ومركز للعلوم والتكنولوجية النووية على الأراضي الأثيوبية، ولهذا السبب ترغب اثيوبيا في التعاون مع روسيا فيما يتعلق بإنشاء محطة طاقة نووية لأغراض الطاقة.

غينيا، لطالما كانت هناك علاقات عسكرية وثيقة تربط بينها وبين روسيا، حيث تم تدريب العسكريين الغينيين في مجالات الطيران والبحرية والقوات البرية في روسيا. كما تملك غينيا بالفعل العديد من المعدات العسكرية الروسية، ولكنها قديمة وبحاجة الى التحديث. كما تعمل العديد من الشركات الروسية في مجالات بناء الطرق والجسور والمباني ومحطات توليد الطاقة هناك، وفي هذا الإطار من المقرر أن تجري المفاوضات بين البلدين.

إريتريا، كانت إريتريا لسنواتٍ طوال قد خضعت لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1907 بشأن حظر تصدير الأسلحة إليها، وذلك على خلفية الصراع المسلح بينها وبين اثيوبيا. ولكن روسيا كانت من أوائل الدول التي سعت لأجل رفع العقوبات المفروضة عليها خاصة بعد توقيع اتفاقية السلام بين اريتريا واثيوبيا بيوليو 2018. مما ترتب عليه أن وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدوره، خلال هذا العام مرسومًا بشأن رفع العقوبات المفروضة على إريتريا بشكل رسمي. ويأتي ذلك في سياق، تمهيدي للتعاون العسكري التقني المتوقع في المستقبل القريب للغاية بين البلدين.

مِصر في سوتشي.. واللقاء المرتقب بين رئيس الاتحاد الافريقي وبوتين

تربط بين مصر وروسيا علاقات تاريخية متينة، قائمة على تعاون ممتد على كافة الأصعدة، كما تأتي هذه الزيارة باعتبارها الزيارة الخامسة للرئيس المصري الى روسيا منذ عام 2014. ومن المقرر أن يجتمع قادة البلدان على هامش القمة في سوتشي، لأجل عقد محادثات تشمل النطاق الكامل للعلاقات الثنائية بين البلدين. فضلاً عن أهم القضايا المشتعلة على الساحة الدولية في الوقت الحالي، مثل الهجوم العسكري التركي على شمال سوريا. كما يأتي استئناف رحلات الطيران المباشر على قائمة الموضوعات التي من المقرر أن يناقشها الزعيمان. وعلى الرغم من ظهور تكهنات بإمكانية سرعة اتخاذ قرار استئناف رحلات الطيران المباشر بين روسيا ومنتجعات مدينتي شرم الشيخ والغردقة، إلا أنه وفي ظل امتناع ممثلو الوكالة الفيدرالية للنقل الجوي عن التعليق على هذه الاحتمالية، تظل إمكانيات اتخاذ هذا القرار في القمة مُعلقة، بالنظر إلى حجم اللقاءات العديدة التي جمعت بين الزعيمان وتداولا خلالها نفس المسألة العالقة التي لم يتخذ بشأنها قرار حاسم حتى اللحظة

القمة المصرية الإثيوبية.. وسيناريوهات الوساطة الروسية في أزمة سد النهضة

كان الرئيس السيسي قد أعلن في وقتٍ سابق، عن اتفاقه مع رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد على عقد قمة على هامش المنتدى في روسيا، لأجل التباحث بشأن أزمة سد النهضة. ومن المقرر أن تحدث القمة في 24 أكتوبر الجاري، فيما تأتي بعد أن استفحلت الأزمة بشكل كبير بين البلدين، وفقًا لما أعلنته مِصر في وقتٍ سابق. حيث تواجه الدولة المصرية أخطارًا جمة على مستقبلها بسبب سد النهضة الاثيوبي، الذي تنظر اليه اثيوبيا باعتباره حقا مكتسب من حقوقها، فيما يُمثل بالنسبة لمصر مسألة حياة أو موت. إذ أنه من المتوقع في حالة انخفاض الحصة المصرية لمياه النيل عن مستواها المقبول، أن تفقد الدولة 1.5 مليون وظيفة، وتواجه خسائر سنوية في انتاج الكهرباء تقدر بـ 285 مليون دولار، وخسائر أخرى في مجال الزراعة تقدر بـ 1.4 مليار دولار، مما سوف يدفعها لأن تنفق ما يزيد عن 500 مليون دولار على الواردات الغذائية.

وعلى الرغم من مطالبات مصر المتكررة بإشراك طرف دولي رابع في المفاوضات بين الجانبين، إلا أن اثيوبيا تصر على رأيها بعدم تدخل أي وسيط خارجي. فيما يلوح في الأفق بالتزامن مع اللقاء المرتقب بين السيسي وآبي أحمد في سوتشي، أن روسيا من المحتمل أن تلعب دور الوسيط الدولي في المفاوضات.

ومن المعروف أن روسيا وإثيوبيا ترتبطان بعلاقات قوية ومتينة كذلك، ووفقًا لتصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، فإن روسيا تعتبر اثيوبيا شريكًا رئيسيا لها في افريقيا منذ أكثر 120 عامًا، مشيدًا بمتانة العلاقات الثنائية. وللوهلة الأولى، تظهر روسيا في حُلة الوسيط المُحنك –صديق الطرفان- القادر على التدخل لإدارة الأزمة ببراعة. فيما يُرجح خبراء آخرون، أنه في حالة قبول الطرف الاثيوبي تدخل روسيا كوسيط لحل الأزمة، أن كفة روسيا سوف تميل حتمًا نحو التأكيد على حقوق الشريك المصري في نهر النيل، ويأتي ترجيح هذه الاحتمالية استنادًا إلى أن مصالح روسيا مع مصر تعتبر أكثر متانة وأهمية مما يجمعها من مصالح مع الجانب الإثيوبي، فضلاً عن أن العلاقات الشخصية بين بوتين والسيسي أقوى من علاقاته بزعماء اثيوبيا. إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في هذه الحالة، يتركز في أنه من المستبعد أن تنجح روسيا في عقد اتفاق حول حل حاسم لأزمة السد، نظرًا لما يربطها من مصالح كبيرة ترغب في الحفاظ عليها مع كلا الطرفان. مما يزيد من احتمالية نجاح روسيا –في حالة قبول تدخلها كوسيط لحل الأزمة- في التقريب من وجهات النظر بين البلدين ليس أكثر، وهو ما يعني أن مصر سوف تتوصل إلى حل حاسم لأزمة سد النهضة بالاعتماد على ما تملكه من أوراق قوة في أيديها من جهة، ومن جهة أخرى من خلال أوراق الوساطة والضغط التي يملكها الشركاء العرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى