الصحافة الدولية

عودة “قراجة ” إلى تركيا قسراً,, كيف تطارد الاستخبارات التركية معارضي أردوغان في الخارج؟

ألقى جهاز الاستخبارات التركى، القبض على “عثمان قراجه” مسؤول منظمة “غولن” فى المكسيك وجلبه إلى تركيا لاعتقاله, وأفاد مصدر أمنى لوكالة أنباء “الأناضول” أن العملية التى قام بها جهاز الاستخبارات التركى تم تنفيذها خارج الحدود, وقال المصدر ذاته أنه تم القبض على ” قراجه” المتهم بـ “تأسيس وقيادة منظمة إرهابية مسلحة” خلال العملية, ولا تعتبر تلك العملية (عملية الاعتقال القسرى خارج الحدود) هى الأولى من نوعها، فقد تمت تلك العملية أكثر من مرة فى مشهدٍ متكرر يوحى بالريبة تجاة سلطوية نظام الرئيس التركى ” رجب طيب أردوغان” .

أنقرة تتهم “فتح الله غولن” المقيم بولاية بنسلفانيا الأمريكية، بأنه العقل المدبر لمحاولة الانقلاب التى فشلت فى 15 يوليو 2016 م, وأنه الأب الشرعى للمنظمة التى يعتبرها أردوغان (إرهابية)، وأن كل من يتعاون مع تلك المنظمة أو مع رئيسها أو حتى تربطه معهما أى صلة أو علاقة فهو أيضاً (إرهابى). 

وتسعى تركيا لإظهار نفسها فى موقف قوى داخلياً وخارجياً، بالتلميح بأنها قادرة على تنفيذ عمليات خارج الحدود تستهدف المعارضين لنظام أردوغان، فبعد الأزمات المتتالية التى وضعت أنقرة نفسها بها سواء بالتدخل فى الشمال السورى، وتبعات ذلك من خلق عداوات مع دول المنطقة، إضافة إلى توتّر علاقات تركيا الدولية،  يقوم النظام بعمليات احتجاز وخطف خارج الحدود للمعارضين تحت الستارة العريضة “مكافحة الإرهاب“.

اعتقال خارج حدود تركيا

C:\Users\dina\Desktop\كولن-وأردوغان.jpg

دائماً ما ينفى “غولن” اتهامات أردوغان له ولمؤيديه، مؤكداً أن ذلك مجرد تصفية حسابات سياسية مع المعارضين لنهجه، واستنكر غولن الاعتقال المتكرر للمعارضين خارج حدود تركيا واستهدافهم, بتهمة الانتماء له وهى التهمة التركية الجاهزة لكل المعارضين لحكم أردوغان.

يُذكر أن الحكومة التركية وأجهزتها الأمنية تواصل ملاحقة معارضيها، وبخاصةً من تعتبرهم أعضاء فى منظمة غولن التى تُصنّفها على أنها إرهابية، داخل الأراضى التركية وخارجها، وفى هذا الإطار قال وزير الخارجية التركى “مولود جاويش أوغلو” حسب ما أوردت وكالة الأناضول، إن تركيا جهزت ملفات لتسلُّم 452 شخصًا مرتبطين بأنشطة تنظيم “غولن” الإرهابى فى الخارج، وأرسلت تلك الملفات إلى 83 دولة، جاء ذلك فى كلمة ألقاها “أوغلو” خلال مشاركته فى اجتماع لجنة الموازنة والتخطيط بالبرلمان التركى.

وتعمل المخابرات التركية على تكثيف عملياتها الاستخباراتية خارج تركيا، والتعاون مع أجهزة الأمن فى عدد من الدول من أجل اعتقال وإعادة مَن تشتبه بأنهم من أنصار الداعية “فتح الله غولن” الذى تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب في يوليو 2016م, ونفذت فى الأشهر الأخيرة عمليات عدة مماثلة تهدف إلى استعادة أنصار مفترضين لغولن يشتبه بضلوعهم فى محاولة الانقلاب.

ويتباهى المسؤولين الأتراك بأن أجهزة الأمن تمكنت حتى الآن من إعادة 80 مطلوباً من الأنصار المفترضين ل” غولن” بعد أن تم إيقافهم فى 18 بلداً حول العالم. وكانت الشرطة الأوكرانية صرّحت مطلع يوليو الماضى أن مدوّناً تركيا يشتبه بأنه من أنصار غولن أوقف فى أوكرانيا، كما تم توقيف ثلاثة أشخاص في مارس فى الغابون وأعيدوا إلى تركيا فى أبريل مع عائلاتهم، وفي نهاية مارس أعادت الاستخبارات إلى تركيا خمسة مدرسين وطبيبا تركيا يقيمون في كوسوفو خلال عملية سرية أثارت أزمة سياسية فى بريشتينا، حيث نددت وسائل الإعلام بما وصفته بـ “عملية خطف” .

فى هذا السياق قام رئيس الاستخبارات التركية “هاكان فيدان”، بتسليم قوائم لرئيس الاستخبارات الألمانية وطالب بالحصول على دعم، كما حصلت الحكومة الألمانية وجهاز الاستخبارات الداخلية والشرطة الجنائية ومؤسسات الشرطة فى الولايات على تلك اللائحة، حيث يقوم جهاز المخابرات التركية بالتجسس على أنصار محتملين لحركة غولن فى ألمانيا من خلال التصنت على الهواتف والمراقبة بالكاميرات، ويعتبر الخبير الأمنى الألمانى “إريش شميت إينبوم” أن المخابرات التركية حققت أهم أهدافها الاستخباراتية فى ألمانيا، وهى تتبع أنصار غولن ورصدهم واعتقال العديد منهم وإعادتهم إلى تركيا.

ويبدو أن القبض على “قراجة” أحد أهم رجالات غولن فى المكسيك، رسالة موجهة للداخل كذلك مفادها أن النظام قادر للوصول لأى معارض لتوجهات أردوغان، حيث تتزامن العملية مع الحملة التى تشنها السلطات التركية لقمع المعارضة وآخره إقالة واعتقال عدد من رؤساء البلديات الذين انتقدوا الهجوم التركى على شمال شرق سوريا, كما أن عملية الاعتقال رسالة للخارج بأن أنقرة لا تلتزم فى خطواتها بالقانون الدولى أو الاتفاقيات الدولية، ولم توضح تركيا تفاصيل حول العملية خاصةً إمكانية وجود تعاون مع جهات خارجية أو أجهزة استخبارات دولية فى عملية القبض على قراجه, وهل أن العملية تمت وفق القانون وبعلم السلطات المكسيكية أم لا؟!

وقائع اعتقال متكررة

C:\Users\dina\Desktop\700x414.jpg

“عمليات الاستخبارات التركية فى الخارج ستستمر، يمكن أن يحصل ذلك فى الولايات المتحدة أو أى بلد آخر، ستستمر عملياتنا فى الأماكن التى يختبئ فيها أفراد منظمة غولن الإرهابية”, بهذه الكلمات غزيرة الدلالات عقّب الناطق باسم الرئاسة التركية “إبراهيم كالين” على عملية جهاز الاستخبارات التركى التى أُحضِر فيها المتهم بالتدبير لتفجير الريحانية فى مايو 2013 م “يوسف نازك“، حيث نفّذت الاستخبارات التركية عملية اعتقاله فى مدينة اللاذقية السورية، وهو الذى تصفه أنقرة بأنه العقل المدبر المفترض لاعتداء أوقع أكثر من 50 قتيلاً فى مدينة الريحانية الحدودية، وهى العملية التي حازت الصدى الأكبر وحملت دلالات كبيرة ورسائل فى عدة اتجاهات، أولها يد تركيا التى ستطول المعارضين ولو بعد حين، وثانيها باتجاه النظام السورى حيث تم اعتقال “نازك” من منطقة تعتبر إحدى قلاعه.

وتعددت عمليات الاعتقال القسرى والخطف والاغتيال فى عهد أردوغان، سواء فى الداخل أو فى الخارج, حيث حاول بشدة مكافحة واستئصال وبتر جميع أذرع منظمة “غولن“، ولم يكن اعتقال ” قراجة” هو المشهد الأول أو العملية الأولى من نوعها، فقد تم اعتقال العديد من المعارضين لنظام ” أردوغان” خارج حدود تركيا فى دول عديدة, منها دولة السودان التى قام فيها جهاز الاستخبارات التركى بالتعاون مع أجهزة الأمن السودانية فى نوفمبر 2018،  بإلقاء القبض على رجل الأعمال التركى “ممدوح تشيقماز” الذى يُعرف بـ”خزنة مال الجماعة“, لصلته الوثيقة وتمويله لمنظمة غولن واستقدامه إلى تركيا قسراً، وأيضاً بوركينا فاسو وموريتانيا ودول أوروبية عديدة تم فيها عمليات مماثلة من الاعتقال القسرى للمنتمين لمنظمة “غولن” المعارضة.

يُذكر أنه فى الخامس من إبريل الماضى قال الناطق باسم الحكومة التركية حينها “بكير بوزداغ“, “إن جهاز الاستخبارات استطاع منذ الانقلاب الفاشل جلب 80 مسؤولاً وعنصرًا من جماعة غولن الإرهابية من 18 دولة, ما بين أوروبا وأفريقيا وآسيا إلى تركيا، فإضافة لتعاون بعض الحكومات مع السلطات التركية وتسليمها لبعض منسوبى أو قياديى جماعة غولن كما فعلت كازاخستان، جلب جهاز الاستخبارات التركى فى أكتوبر 2017 م أحد قياديي الأخيرة من باكستان، قبل أن يحضر بعدها بعدة أيام أحد مسؤوليها فى إندونيسيا إثر تعاون سلطاتها والتى طلبت منه مغادرة أراضيها.

وفى نهاية مارس الماضى أحضرت الاستخبارات التركية 6 ممن تطلق عليهم “أعضاء الكيان الموازي” من كوسوفو بالتعاون مع أجهزة الأمن المحلية، وهى العملية التى أدت لأزمة كبيرة بين رئيس وزراء كوسوفا من جهة ووزير الداخلية ورئيس جهاز الاستخبارات من جهة أخرى، كما أحضرت 3 من مسؤولى الجماعة فى الغابون أبريل الماضى أيضاً, كما جلبت الاستخبارات التركية يوليو الماضى قياديًا كان يُسمّى “خزنة أذربيجان” من باكو، و”إمام” رجل الأعمال التابع للجماعة فى مرسين من أوكرانيا، إضافة لأحد خبراء وسائل التواصل الاجتماعى فى جماعة غولن من أوكرانيا أيضًا فى عملية منفصلة بعدها بثلاثة أيام, وفى عملية مشتركة بين جهاز الاستخبارات والقوات المسلحة التركيين أغسطس الماضى، تم تحييد عضو المجلس التنفيذى لما يسمى بـ “اتحاد مجتمعات كردستان” (KCK) ومسئول سنجار فى حزب العمال الكردستانى “مام زكى شنجالى” بقصف سيارته من الجو. 

بعد ذلك بأيام اعتقلت الاستخبارات بالتعاون مع جهاز الدرك 9 من منسوبى وحدات حماية الشعب (YPG) – الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطى الامتداد السورى لحزب العمال الكردستانى – شاركوا فى قتل ضابطين تركيين خلال عملية غصن الزيتون وأحضرتهم لتركيا، وألقت القبض على اثنين آخرين من الوحدات شاركا فى قتل جنود أتراك فى سوريا وجلبتهم لتركيا مؤخراً.

إذن لم يكن اعتقال ” قراجة” هو الأول من نوعه ولن يكن الأخير أيضاً، فقد شهدت السنوات القليلة الماضية فى عهد الرئيس التركى “رجب طيب أردوغان” اعتقال قسرى لما يقرب من ربع مليون شخص تركى داخل حدود تركيا وخارجها، فى مشهدٍ مأساوى يُرسّخ قاعدة ديكتاتورية سلطوية غير منطقية، حيث تحتل تركيا المرتبة الثانية فى العالم من حيث عدد المعتقلين وذلك حسب ما قدمته منظمة “صحفيون بلا حدود” ، حيث يقبع فى السجون التركية أكثر من ربع مليون موقوف ومحكوم, ويعتبر عدد المعتقلين الحالى داخل تركيا الأعلى فى تاريخ الجمهورية التركية منذ تأسيسها عام 1923 م على يد مصطفى كمال أتاتورك، وفق ما ذكره التقرير العالمى لعام 2019 م لمنظمة حقوق الإنسان أنه ارتفعت نسبة المعتقلين منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بنسبة 315٪.

وكانت تركيا أيضاً قد ألقت القبض على “عبدالله أوجلان” مؤسس حزب العمال الكردستانى وقائده، فى السفارة اليونانية فى نيروبى فى كينيا، وتم نقله إلى تركيا فى 1999 م, وتمت محاكمته فى أبريل من نفس العام وحكم عليه أولاً بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى، ولكن فى عام 2002م تم تحويل حكم الإعدام للسجن المؤبد فى محاولة التلائم مع قوانين للاتحاد الأوروبى، وهو مسجون فى سجن إمرالى حالياً, فهل سيلقى “عثمان قراجة” نفس المصير وذات النهاية؟! وهل يعتبر الرئيس التركى ” أردوغان” جميع المعارضين له ولنظامه داخل تركيا وخارجها (إرهابيين)؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى