الصحافة الدولية

“شيك على بياض”…دراسة ترصد “انهيار دولة القانون في تركيا”

هناك ما يشبه حالة من الإجماع على تراجع الحريات في تركيا بشكل زادت وتيرته بعد محاولة الانقلاب في 2016 وهو ما فندته الدراسة التي نشرها موقع نسمات، وهو منبر لنشر الدراسات الاجتماعية والحضارية بالمشاركة مع  صحيفة زمان التركية المعارضة والتي تم إغلاقها وسحب ترخيصها عقب محاولة الانقلاب في يوليو 2016. وقد أسفرت محاولة الانقلاب تلك عن تردي شديد لأوضاع الحريات وحقوق الإنسان داخل تركيا تمثلت حصيلتها في حبس 300 صحفي ، ووجود 50 ألف معتقل فضلًا عن 150 ألف فصلوا من وظائفهم.

واهتمت هذه الدراسة تحديدًا بأوضاع السلطة القضائية داخل تركيا بعد أن أصبح مسيسًا بدرجة كبيرة عن طريق إطالة أمد التقاضي .

وارتأت الدراسة أن على محكمة العدل الأوروبية أن تعفي المواطنين الأتراك من شرط التوجه إلى القضاء المحلي ، وبالفعل اتخذت المحكمة الأوروبية أول خطوة في هذا المجال في الواقعة التي شهدت قيام  الحكومة التركية بفرض غرامة على قاضيين بمقدار 21 ألف يورو  وهو ما رفض من قبل ستة أعضاء من المحكمة الأوروبية مما يدل على تنبه الاتحاد الأوروبي للسلوك التركي . وقد استهدف هذا التقرير تقديم نماذج واقعية ودقيقة موثقة للانتهاكات التركية لحقوق الإنسان. فالقانون في تركيا لم يعد يطبق  إلا من خلال أجندة سياسية، ومن خلال عرض هذه الدراسة ستُقدم نماذج موثقة من تلك الانتهاكات التي طالت كل عناصر السلطة القضائية وأفقدتها استقلاليتها، وجعلتها سلطة خاضعة لأوامر وتعليمات السلطة التنفيذية.

الضغط على الهيئة الدفاعية ” المحامين” 

تعرضت الدراسة للضغوط السافرة التي مارستها الحكومة التركية على ممثلي الدفاع “المحامين”  في الداخل وتحديدًا عقب محاولة الانقلاب في يوليو، وانعكاسًا لذلك أقدمت الحكومة التركية  على إيقاف أكثر من1000 محام واعتقلت 114 آخرين على خلفية ارتباطهم بحركات معينة تجدها الحكومة التركية حركات إرهابية مثل حركة ” جولن” أو مجرد دفاعهم عن موكليهم بل ان أولئك المحامين انتزعت منهم اعترافات ضد موكليهم مما يقع في خانة الانتهاك لهذه العلاقة الخاصة التي أقرها القانون بين المحامي والموكل.

والأكثر من ذلك أن عددًا من المحامين أجبروا على الاعتراف بتهم ضد موكليهم.

كما أشارت الدراسة للتقرير الذي أعدته اللجنة البرلمانية لمجلس أوروبا بعنوان ” تأمين اتصال المحتجزين بالمحامين” والذي جاء فيه أنه بغض النظر عن الانتهاكات التي يتعرض لها المحبوسين احتياطيًا فإن أكثر ما يؤرق اللجنة هو عدم تمكنهم من توكيل محامين. علاوة على إجبار بعض المحامين على تقاضي 10 أضعاف الأتعاب مما يجعل دفعها أمرًا مستحيلًا خصوصًا إذا كان المحبوس احتياطيًا قد تم الحجز على أمواله دون سند قانوني.كما تم استدراج المحامين الممثلين لموكليهم ومنعهم من تقديم ملفات الدفاع التي أعدها المتهمون للمحكمة الدستورية العليا.

محامون متواطئون مع السلطة 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الرعاية الصحية\دراسة 1.PNG

في جانب آخر تناولت الدراسة كيف أنه يمكن للمحامين ورؤساء النقابات أصحاب الأيدلوجيات الموالية للسلطة أن يصبحوا بدون مهنية متجاوزين لميثاق الشرف القانوني ،وقد اتضح ذلك  من خلال تصريحات “محمد صاري” رئيس جمعية الوحدة القضائية والتي قال فيها على الملأ “أن من تم القبض عليهم بعد محاولة الانقلاب في 2016 ليس لديهم الحق في الدفاع عن أنفسهم وأنه ليس من حق جناة الانقلاب أي دفاع، كما أٌنكر عليهم حقهم في الاستفادة من قانون الإجراءات الجنائية التي تتيح للمحكمة تعيين محامي للدفاع عن المتهم حال عجز الأخير في توكيل محامي دفاع. كما انخرط رئيس نقابة اسطنبول  والتي تعد واحدة من أكبر نقابات الماحمين حول العالم حيث تضم 26 ألف محامي، في تصريحات مشابهة.   

“هيومان رايتس ووتش” تصدر حالات التعذيب في السجون التركية

 لم تغفل الدرسة التي نشرها موقع نسمات بالاشرتاك مع صحيفة زمان التركية الإشارة إلى التقرير  الصادر عن مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بعنوان “شيك على بياض” والذي تناول بعض حالات التعذيب داخل السجون التركية.

وفي إحدى الحالات التي أشار إليها التقرير ، ذكرت محامية أن موكلها تعرض لضرب مبرح بالعصا ، وهو مقيد اليدين بالمخالفة للقانون كما أنها لم تتمكن من رفع التعذيب عنه.

 ولم تقتصر الحالات التي رصدها تقرير هيومان رايتس ووتش ونقلتها الدراسة على تعذيب المتهمين فقط وإنما امتدت إلى تعذيب المحامين، وأشار التقرير إلى واقعة  الاعتداء على المحامي ” توجاي باك” وهو رئيس لجنة مراقبة السجون وقد تعرض للضرب المبرح. كما تعرض المحامي ” إبراهيم أرن” للضرب والتقييد بالمخالفة للقانون وهو ما لم يتم مع المقبوض عليهم من تنظيم داعش. وفي واقعة أخرى ذكرها التقرير تعرض المحامي ” إبراهيم إرن” للضرب والتقييد فقط لأنه سأل ضابط الشرطة إن كان يمتلك إذنًا بالتفتيش.

مرسوم الطوارئ ضربة قاسمة للمحامين

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الرعاية الصحية\دراسة 6.PNG

وكان من أبرز  التراجعات للسلطة القضائية في تركيا والتي أشار إليها التقرير أيضًا، صدور مرسوم طوارئ رقم 676 وطبقًا له تتمكن السلطات من تسجيل كافة اللقاءات بين الموكل ومحاميه. ليس ذلك فحسب بل أنه  بموجبه أصبح القبض على المحامين أمرًا سهلًا بعدما كانت الحصانة القانونية تمنع ذلك. كما أغلقت مؤسسات حقوقية عريقة في تركيا بعد صدور هذا المرسوم.

وإضافةً إلى ما سبق  لم يعد من حق هيئة الدفاع التدقيق في أوراق القضية أو استخراج أي نسخ منها .ومُنع المحبوس احتياطيًا من رؤية محاميه لمدة خمسة أيام متتالية دون سند قانوني. 

وحرم المتهم من توكيل أي محامي لا ترغب فيه السلطة.وفي محاكمة  بتاريخ يناير 2017 ، وتم إلغاء حق المتهم في سماع التهم الموجهة إليه مباشرة في قاعة المحكمة ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما أشار إليه التقرير من محاكمة  270 محتجزًا دون معرفة اتهاماتهم وتليت عليهم حيثيات الحكم في 14 صفحة.

 المنظمات الحقوقية ونقابات المحامين الدولية  تحتشد

احتشدت المنظمات الدولية المتخصصة وأصدرت تقارير توضح  قلقها بشأن وضع حقوق الإنسان في تركيا.

وعلى خلفية ذلك، أصدر مفوض الاتحاد الأوروبي ” نيلس موزينيكس” لحقوق الإنسان مذكرة،  أدان فيها القيود المفروضة على المحامين. وتبعه في خطوات مشابهة كل من رئيس مجلس نقابات المحامين والجمعيات القانونية الأوروبية ” ميتشل بينتشو” . وكذلك النقابة الفيدرالية الألمانية للمحامين ورئيسها ” أكهارت سكافر” ورئيس النقابة الوطنية الإيطالية “أندريه ماتشرين” ، كما كان هناك خطاب مشترك أرسله كل من مجمع حقوقيي إنجلترا وويلز ونقابة محامي إنجلترا وويلز ومجمع حقوقيي إسكتلندا واللجنة العامة لنقابة المحامين الإسكتلندية.ومجمع حقوقيي شمال إيرلندا وكذلك نقابة محامي إيرلندا. وكانت جملة المطالبات التي بنيت عليها تلك التقارير الدولية ، قيام الحكومة التركية باتخاذ الخطوات اللازمة لإخلاء سبيل المحامين المحتجزين دون سند قانوني كما طولبت تركيا بإعادة النظر في شأن المؤسسات الحقوقية المدنية التي تم إغلاقها كما انتقدت التقارير  احتجاز المحامين الأجانب في المطارات وترحيلهم وأبدت التقارير مجتمعة اعتراضها على فصل 4000 قاض ووكيل نيابة فصلًا تعسفيًا. 

فصل 4000 قاض فصلًا تعسفيًا 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الرعاية الصحية\دراسة 3.PNG

ولم يسلم القضاة من اليد الطولى لأردوغان ونظامه وأشارت الدراسة إلى تعدد أشكال الضغط على الجهاز القضائي ما أفقده استقلاله ونزاهته وحوله إلى جهاز خاضع للسلطة التنفيذية وذلك من بعد عام 2013 عندما تم الكشف عن فضائح الاقتصاد المالي لبعض الوزراء وأبنائهم.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الرعاية الصحية\دراسة 7.PNG

وكان من أبرز مظاهر تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية  توجيه التهم لأي قاض او وكيل نيابة رفض تنفيذ التعليمات بعد يوليو 2016، وفي الليلة التي تلت  محاولة الانقلاب تم إصدار قائمة ” فصل تعسفي ”  احتوت على 2750 اسم لقاض قررت السلطات التركية فصلهم في إطار الانتماء لما يوصف بمنظمة “جولن” الإرهابية. وبعد أيام  قفز العدد إلى 4000 وهو ما يقرب 30% من السلطة القضائية. ليس ذلك فحسب بل قررت السلطات استبدالهم بقضاة موالين للسلطة وعلى خلفية ذلك فتح باب التعيين لـ 3940 قاضيًا.

كما أنه في اليوم الذي تلا محاولة الانقلاب شطبت عضوية ثلثي القضاة  ، واستخدمت قنوات النظام الإعلامية للتشهير بهم، وكأن ما حدث ليس كافيًا كعقوبة على ماتراه الحكومة التركية جريمة تستحق الفصل ، أقدمت  السلطات التركية على فصل أهلهم من العاملين في القطاع الحكومي.

نظرة عامة على إجمالي المفصولين من وظائفهم 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\Capture (3).JPG

أشارت الدراسة إلى أن عدد المفصولين من وظائفهم الحكومية دون أي حكم قضائي أو تحقيق إداري –حتى وقت إصدار الدراسة- وصل إلى 151.967 موظفًا، منهم 7.317 أكاديميًا، و4.463 قاضيًا ووكيل نيابة، بقرارات فصل تعسفي أثناء حالة الطوارئ، وأعلن مجلس الدولة عدم اختصاصه في النظر في القرارات الإدارية التي تصدر أثناء حالة الطوارئ. 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\Capture4.JPG

كما بذل الحزب الحاكم كل الجهد للحيلولة دون مراجعة القضاء الإداري لما تصدره الحكومة من قرارات.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\Capture2.JPG
  • تم عزل العاملين في هيئة قضايا الدولة من وظائفهم وتعيين موظفين جدد باختيار من أردوغان بموجب قانون رقم 6723 في يوليو 2016.
  • خُفضت صلاحيات القضاء الإداري بقانون صدر بمرسوم طوارئ رقم 667 في يوليو 2016.
  • أوضح تقرير لمفوضية فينسيا أن الحكومة التركية قامت بتوسيع سلطاتها التنفيذية وبسط سلطتها على المنظومة القضائية بما يتعارض مع الدستور التركي والقانون الدولي، وتتخذ الحكومة التركية تدابير دائمة تتجاوز حدود حالة الطوارئ، مؤكدًا أن فصل الموظفين بصورة جماعية حرم وبصورة تعسفية الآلاف من حق اللجوء إلى القضاء الإداري للتظلم.

عهد إسقاط الحصانات 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\New folder (5)\دراسة 4.png

 أشار جزء آخر من أجزاء الدراسة إلى أنه قد تم تجاوز كل المبادئ التي تحد تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية في فصل القضاة دون سند قانوني رغم أنهم يتمتعون بحصانة.حتى أنه صدر بيان عن رئيس المجلس الأعلى للقضاء” محمد يلماز” جاء فيه أن القضاة ووكلاء النيابة الذين سيرشدون عن آخرين بأنهم ينتمون للكيان الموازي التابع لجولن ستخفف عنهم العقوبة. ونتيجة لبيانه أرشد 200 قاض عن 2400 قاض ووكيل نيابة.وذلك على الرغم من أن القانون رقم 2802 يقر أنه لا يجوز القبض على القضاة ووكلاء النيابة إلا في حالة تلبسهم بجناية ذات عقوبة مشددة.

جرائم مشينة ضد القضاة 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الرعاية الصحية\دراسة 5.PNG

تعرضت الدراسة للقمع الذي يرضخ له  القضاة في تركيا، وفي سبيلها إلى ذلك وثقت العديد من الحالات لانتهاكات بحق القضاة غير المسيسيين والمحاباة للمسيسين ، وقد قالها  أردوغان صراحة بعد عودته من زيارة لأوكرانيا في 2015 حيث قال في تصرح له ” إننا نراقب بكل دقة كل القضاة الذين ينظرون في القضايا المتعلقة بالتنظيم الموازي” وفي 26 يوليو 2015 نشرت جريدة الصباح الموالية للنظام مقالًا بعنوان ” الحد من قوة وسلطة القضاة الذين يرفضون اتخاذ موقف عدائي تجاه الدولة الموازية”. وانعكاسًا لذلك جاءت الحالات التي أوردها التقرير كالتالي: 

  • في 12مايو 2015 شطب المجلس الأعلى للقضاء قاضيًا و أربعة وكلاء نيابة كانوا قد شاركوا في تحقيقات الفساد الكبرى في  التي طالت وزراء وأبنائهم وأسرة أردوغان2013.
  • في مايو 2015 نشر رئيس تحرير صحيفة “جمهوريت” جان دوندار تقريرًا تحدث عن شاحنات تنقل أسلحة ثقيلة لداعش داخل الحدود السورية تحت غطاء من جهاز الاستخبارات التركي ولم تمر ايام قبل أن يتوعد أردوغان هذا الصحفي ثم يصدر نائب المدعي العام المقرب من أردوغان قرارًا بالقبض على الصحفي.
  • كما نقل قاضيين “ألتار جوكتشيمن” و”أرسين أوجتالان” من مقر عملهما بعد أن أصدرا حكمًا ضد أصحاب مناجم التعدين والذهب المقربين من أردوغان. والذين تظاهر ضدهم الآلاف وصدر ضدهم حكم قضائي بالمنع قبل أن يلغى بتدخل من أردوغان.
  • وتم القبض على قاضيين في مايو 2015 لإفراجهم عن 63 شخصًا من المحبوسين احتياطيًا.-
  • وفي نفس الوقت تم ترقية قضاة ممن أصدروا أحكامًا وافقت هوى السلطة ومن ذلك ترقية ” خلوصي بور ” قاضي محكمة الصلح الجزائية وذلك عقب إخلائه لسبيل 6 أشخاص من المتهمين في قضايا الفساد الكبرى في 2013. وكذلك إطلاق سراح رجل الأعمال عبد الله حباني وكذلك ترقية ” محمد دمير” عقب افتعاله لتحقيق ضد رئيس حزب الشعب الجمهوري ” كمال أوجلو الذي قرأ علنًا تسجيلات صوتية مسربة بين أردوغان وابنه بلال.
  • علاوة على أنه وبعد فترة من الانتخابات التشريعية النجراة في 2015 قامت منصة البث الفضائي بحذف ترددات قنوات انتقدت الحكومة.
  • وفي سابقة من نوعها داهمت قوات الشرطة قاعة المحكمة وألقت القبض على القاضي أثناء أدائه لعمله.
C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الرعاية الصحية\دراسة 8.PNG
  • كما امتد الأمر لاعتقال الصحفيين الأجانب حيث تم القبض على الصحفية الألمانية “فريدريكا جيردينك” التي كانت تغطي الأحداث في دياربكر وأفرج عنها بعد انتقاد لاذع من وزير الخارجية الألمانية وتبين لاحقًا أن تهمتها هي الإساءة لزوجة رئيس الجمهورية.
  • وهناك 3 قضاة تم عزلهم لإخلائهم سبيل 21 صحفي محبوس احتياطيًا على خلفية بعض التغريدات التي قاموا بنشرها.

الضغوط تطال كافة السلطات القضائية 

أكدت الدراسة أن المحاكم التركية وقوانينها التي تنظمها، لم تسلم من انتهاكات السلطة الحاكمة سواء قبل محاولة الانقلاب الفاشلة أو بعدها؛ فقد تم استحداث محاكم خاصة عيّنت السلطة الحاكمة أعضاءها من موالين لها، كما وظّفت حالة الطوارئ التي فرضت على البلاد في إصدار حزمة من القرارات والمراسيم التي حدّت من صلاحيات السلطة القضائية وزادت من خضوعها للسلطة التنفيذية. وامتدت ضغوطات وانتهاكات النظام التركي لكافة أوجه اللطة القضائية 

أولاً) محكمة الصلح الجزئية

  • في يونيو 2014 لمّح رئيس الوزراء –آنذاك- رجب طيب أردوغان إلى نيته باستحداث محاكم خاصة من أجل تحقيق أغراض سلطوية بدعوى أن السلطة القضائية تعرق الخطوات الإصلاحية التي تقوم بها السلطة التنفيذية.
  • تعهد أردوغان بمحو حركة عبد الله جولن خلال أسبوع أو عشرة أيام من إقرار محكمة “الصلح الجزئية” التي أُسست بالفعل في يونيو 2014، وأصبحت أداة لقنص كل ما يراه أردوغان خطرًا على سياسته أو ينتقده، وأغلب قضاة هذه المحكمة من أعضاء الحزب الحاكم.
  • رأت مفوضية فينسيا بمجلس أوروبا في مارس 2017 أن ممارسات هذه المحكمة تثير القلق بشدة.
  • أُبعد العديد من قضاة هذه المحكمة من مناصبهم لإصدارهم أحكامًا بالإفراج عن بعض المعتقلين أو رفضهم إصدار قرارات اعتقال.

ثانيًا) المحكمة الدستورية

  • أطاحت الهيئة القضائية العليا المشكلة بعد الانقلاب الفاشل بالشكل المتعارف عليه في المنظومة القضائية، بتخطيط من أردوغان الذي تمكّن من إزاحة السلطة القضائية وإعادة تشكيلها طبقًا لرغباته تحت ذريعة الانقلاب الفاشل الذي أثبتت كثير من الأدلة أنه مفبرك، وقد يكون من إنتاج أردوغان ذاته.
C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\Capture1.JPG
  • نجح أردوغان في تحويل المحكمة الدستورية العليا إلى محكمة لا تحكم من خلال حملات التهديد والتشويه المنظمة ضد قضاتها، والتشكيك في أحكامها وإعلانه عدم قبولها، مثل حكم المحكمة بعدم دستورية قرار حجب موقع “تويتر”.
  • أدى ذلك إلى أن تحولت المحكمة الدستورية إلى المساعدة في انتهاك القوانين الخاصة بها، عندما أقرت القبض على أعضائها، وجعلت الاشتباه في علاقة أحد أعضائها بأحد مؤسسات يراها مجلس الأمن القومي إرهابية، سببًا كافيًا لعزله.
  • احتفظت المحكمة الدستورية بآلاف القضايا التي قُدمت لها دون ردها أو البت فيها لمنع أصحابها من اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لأنها تشترط نفاد كل طرق التقاضي المحلية.

ثالثًا) محكمة النقض

أفادت الدراسة أن تقريرًا للاتحاد الأوروبي أكد أن تغيير النظام الداخلي لمحكمة النقض ومجلس الدولة بالصورة التي حدثت في يوليو 2016 يثير مخاوف شتى وقلقًا على استقلالية القضاء، مما يؤدي إلى حالة من عدم اليقين القانوني، موجهًا انتقادًا شديد اللهجة لمحكمة النقض لاتهامًا حركة جولن بأنها المسؤولة عن الانقلاب الفاشل دون وجود أي أدلة صريحة تثبت هذا الاتهام، وهو ما ينتهك الكثير من المبادئ القانونية الدولية ويدل على أن القضاء المحلي التركي أصبح موجهًا من الحكومة.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\Capture3 (1).JPG
  • قامت الحكومة بتعديل هيكلي لمحكمة النقض أزاحت من خلاله كل القضاة المستقلين والمعارضين.
  • عيّنت الحكومة قضاة من جمعية الوحدة القضائية (YBD) الموالية للحكومة بلغ عددهم 267 في محكمة النقض و75 في مجلس الدولة.

رابعًا) مجلس القضاء الأعلى

ذكرت الدراسة أنه مع تكشف فضائح الفساد المالي في ديسمبر 2013 التي أظهرتها تحقيقات القضاء صار عدف أردوغان الأول هو السيطرة على المنظومة القضائية، بما فيها المجلس الأعلى للقضاء لأنه الرأس المنظم للسلطة القضائية.

  • صدرت في فبراير 2014 حزمة من التعديلات القانونية التي تتعلق بإعادة هيكلة المجلس، وتوسع من سيطرة الجهاز التنفيذي ممثلا في وزارة العدل على صلاحياته، وهي الحزمة التي حكمت المحكمة الدستورية لاحقًا بعدم دستوريتها، ولكن الحكومة سارعت بتفعيلها وشكّلت مجلس القضاء الأعلى على أساسها قفزًا على حكم الدستورية قبل صدوره.
  • ظهرت رغبة الحكومة في السيطرة على المجلس تمامًا من خلال انتخاباته التي انعقدت في أكتوبر 2014؛ إذ مارست ضغطًا على الهيئات القضائية لإنجاح القائمة الموالية لها.
  • بعد أن صار الجهاز القضائي مسيسًا تمامًا، قام المستشار القضائي لرئيس الوزراء “محمد يلماز” بفصل القضاة المستقلين فصلًا جماعيًا.
  • علّق مجلس القضاء الأعلى الأوروبي عضوية مجلس القضاء الأعلى التركي لعدم رضاه عن الوضع الحالي له.
  • وفقًا للتعديلات الدستورية التي صدرت في أبريل 2017 صار يحق لرئيس الجمهورية تعيين 6 أعضاء من أصل 13، والباقون ينتخبهم البرلمان ذو الأغلبية للحزب الحاكم، وبالتالي تم القضاء على أي أمل في استقلالية القضاء التركي.

خامسًا) ديوان المظالم

أوضحت الدراسة أن ديوان المظالم هو هيئة عامة أسست مع التعديلات الدستورية في 2010، وتختص بتلقي المظالم والشكاوى المتعلقة بالخدمات العامة للبحث في مسبباتها وتصحيح أخطائها، ولكن الحكومة فرضت سيطرتها عليه حتى صارت تمارس دورًا ضاغطًا على المحققين الذين كانوا يحققون في قضايا الفساد المالي في ديسمبر 2013.

وأضافت أنه بانتخاب كبير مستشاري أردوغان وصديقه المقرب “شرف مالكوتش” في ديسمبر 2016 رئيسًا للديوان، فقد كل اختصاص له وصار شكليًا فقط، وخاصة بعدما أعلن “مالكوتش” أن ديوان المظالم لن يصغي إلى أي شكاوى من انتهاكات حقوقية تتعلق بمراسيم الطوارئ.

سادسًا) لجنة تظلمات حالة الطوارئ

أشارت الدراسة إلى أنه بعد ضغط من الاتحاد الأوروبي، أنشأت الحكومة التركية بموجب مرسوم طوارئ رقم 685 في يناير 2017 لجنة متخصصة لتلقي التظلمات من مراسيم الطوارئ، وكان من المفترض أن تمارس مهامها خلال شهر، لكنها لم تبدأ عملها إلا بعد أربعة أشهر من تاريخ تأسيسها، وتقدم لها 17 ألف مواطن بطلبات خلال الأسبوع الأول.

ولكنّ عمل هذه اللجنة شهد بطئًا كبيرًا في كل مراحل عملها، فهي لم تراجع إلا 12 ألف تظلم من عشرات الآلاف من التظلمات التي تلقتها، ولذلك فإن مدى استقلالية اللجنة يشكل علامة استفهام كبيرة.

الانتهاكات لابد أن تتوقف

أكدت الدراسة في خاتمتها أن ما سبق كله يتضح من خلاله مدى تغول السلطة التنفيذية على صلاحيات السلطة القضائية، وسيطرتها على السلطة القضائية تمامًا، مطالبة المؤسسات الدولية ولا سيّما المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن تقوم بدورها في إنقاذ المواطنين الأتراك بشكل عاجل، ومطالبة الدولة التركية بضرورة التراجع عن الانتهاكات التي تمارسها ضد مواطنيها، مشددة على أن النتيجة الطبيعية لكل المعطيات السابقة هي الإقرار بأن دولة القانون في تركيا قد انهارت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى