الصحافة الدولية

“مسيرات الحرية في كتالونيا” ما بين المواجهات الحاسمة واندلاع العنف

تواجه برشلونة حالة من عدم الاستقرار والتوتر نتيجة الاحتجاج على إصدار القضاء الإسباني حكمًا قضائيًا في حق تسعة من القادة الانفصاليين بسجنهم، على خلفية سعيهم لإجراء استفتاء حول الانفصال عن مدريد في 2017. فبموجب الدستور الإسباني، لم يكن الاستفتاء شرعي، ويفتقر إلى الضمانات الديمقراطية القياسية. لذا فقد اعتبرته المحاكم الإسبانية غير قانوني، وفرضت مدريد سيطرتها على إدارة كتالونيا، مع محاكمة القادة والنشطاء الانفصاليين. 

كما شهدت إضرابًا عامًا على خلفية الدعوات المتنامية من قبل بعض النقابات بعد عدد من الأيام المتتالية من الاحتجاجات التي انطلقت في برشلونة ومدن أخرى في كتالونيا، يوم الإثنين الموافق 14 أكتوبر احتجاجًا على القرار، وبالفعل خرجت المسيرات بشكل سلمي، ولكن سرعان ما تحولات إلى ساحة للاشتباك والعنف بين المتظاهرين وقوات الأمن. 

في المقابل؛ أدانت الحكومة الإسبانية الاشتباكات التي وقعت خلال الاحتجاجات، مُتعهدة بضمان الأمن في المنطقة. واستعدادًا لتجنب لحالة عدم الاستقرار التي قد تنعكس بشكل سلبي على بعض المصانع والمتاجر، أعلنت بعضها إنه ستعلق عملها لحين عودة الاستقرار في هذه المنطقة الصناعية، وهو ما تجلى في إعلان مجموعة صناعة السيارات “سيات” إيقاف العمل في مصنعها المتواجدة في “مارتوريل” بالقرب من برشلونة، فيما أوصى “اتحاد عمال النقل” منتسبيه بسلوك طرق بديلة نتيجة إغلاق بعضها من قبل المتظاهرين.

احتجاجات كتالونيا دعمًا للقادة الانفصاليين 

خرجت مجموعة من المسيرات المنددة بالقرار القضائي، وداعمة للقادة الانفصاليين الذين ساهموا في التعبير عن القومية الكتالونية، وطالبوا بحقهم في إقامة دولة خاصة بهم بعيدًا عن الدولة الأم “إسبانيا”، وقد تجلت على النحو التالي: 

  • اندلاع العنف؛ شاركت عدد من المسيرات في تظاهرة كبيرة تنادي بالانفصال، مع قيام المتظاهرون بإغلاق الطرق الرئيسية أثناء سيرهم تجاه برشلونة لحشد عدد أكبر من العمال والطلاب المضربين، كما أضرموا النار في الشوارع في صناديق القمامة وأكشاك الصحف، وألقوا فيها العلم الإسباني وهم يهتفون “الشوارع ستكون دائمًا شوارعنا”.
  • الاشتباك مع قوات الأمن؛ شهدت المسيرات عدد من الاشتباكات ما بين قوات الأمن والمتظاهرين الذين وضعوا

الاشتباك مع قوات الأمن؛ شهدت المسيرات عدد من الاشتباكات ما بين قوات الأمن والمتظاهرين الذين وضعوا حواجز مشتعلة في وسط برشلونة، وألقوا زجاجات حارقة على قوات الأمن من خلف الحواجز.  قد أسفرت هذه الاشتباكات عن إصابة أكثر من 90 شخصًا من كلا الجانبين، وعليه حاولت الشرطة السيطرة على الوضع من خلال إطلاق الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع ، فضلاً عن إطلاق مدفع المياه ضد المتظاهرين لأول مرة منذ أن تم شراؤه من إسرائيل في عام 1994، لتفريق المتظاهرين في الشوارع المجاورة. 

  • تأجيل مباراة في الدوري الإسباني؛ دفعت الاحتجاجات الاتحاد الإسباني لكرة القدم إلى تأجيل المبارأة المزعم عقدها يوم 26 أكتوبر بين ريال مدريد وبرشلونة تخوفًا من التداعيات الأمنية للاستمرار الاحتجاجات. 
  • إغلاق الحدود؛ قام المتظاهرون بقطع الطريق الحدود مع فرنسا من الاتجاهين على الطريق السريع “ايه بي7” عند لاخونكويرا بالقرب من جيرونا، وكذلك “ناسيونال 2” بالقرب من الحدود الفرنسية الاسبانية.

ونتيجة لذلك أعلن مطار برشلونة الدولي إلغاء ما يقرب من 150 رحلة منذ بدا الاحتجاجات، بعد أن حاصره آلاف المتظاهرين، ومع إعلان النقابات المؤيدة للانفصال إلى إضراب عام في الإقليم يوم الجمعة، تم إلغاء 57 رحلة جوية من وإلى الإقليم، كما تم إغلاق الطريق الحدود ما بين إسبانيا وفرنسا من الاتجاهين وذلك وفقًا لما قالته السلطات المركزية الإسبانية. 

موقف “مدريد” من انفصال كتالونيا

سعت الحكومة الإسبانية إلى مواجهة النزعة الانفصالية لدى القومية الكتالونية على كافة الأصعدة التي تجسدت في منع الناخبين من التوجه إلى أماكن الاقتراع بالقوة من قبل قوات الشرطة، علاوة على رفض الاعتراف بقرار الاستفتاء الذي وافق عليه ما يقرب من 90% من الناخبين على الانفصال في سبتمبر 2017.  كما ندد الملك “فيليب السادس” بقرار الانفصال مُعتبرًا أن القادة الكتالونيين تجاوزوا القيم الديمقراطية، وانتهكوا سيادة القانون. 

 وعليه فقد فعل “مجلس الشيوخ” المادة (155) من الدستور وقاموا بإلغاء الحكم الذاتي للإقليم، وتم ضم إدارة الإقليم إلى الحكومة الإسبانية، مع إقالة رئيس الحكومة في برشلونة، الذي فر إلى بلجيكا، وحل البرلمان تمهيدًا لإجراء انتخابات برلمانية في ديسمبر 2017. وتم إصدار مذكرة توقيف دولية من قبل المحكمة العليا الإسبانية في حق عدد من السياسيين في نوفمبر 2017. 

وفي سياق حالة التوافق ما بين “مدريد” وبرشلونة” حول تشكيل الحكومة الكتالونية التي تم انتخاب رئيسها “يواكيم تورا” من قبل البرلمان في مايو 2018، وتحديد مهامه، رفضت حكومة “مدريد” التصديق على التشكيل الجديد لإنها تتضمن عدد من الوزراء الداعمين للانفصال الأمر الذي مثل خطوة تصعيدية في إطار استعادة الاستقرار. لذا فقد استجاب “تورا” لشروط الحكومة في اختيار وزراء لا ينتمون إلى القوى الانفصالية. 

ونتيجة لاستمرار التوتر بين الحكومتين ورغبة الكتالونيين في الانفصال عن إسبانيا، خرجت عدد من المسيرات الرافضة للنهج الحاد الذي تتبناه “مدريد”، في رابع إضراب عام يتضمن عدد من القطاعات الحيوية في البلاد على نطاق واسع في غضون عاميين، للضغط على الحكومة في مدريد، للتراجع عن قرارها القضائي بسجن عدد من السياسيين.

بالإضافة إلى قيام “تورا” بإلقاء خطابًا في البرلمان يتحدى فيه الدولة الإسبانية، قائلًا “لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بالتراجع خطوة إلى الوراء في الدفاع عن حقنا الثابت في تقرير المصير”، مؤكدا أن “الخوف والتهديدات لن تهزمنا”. ووعد بالتوصل إلى الاستقلال خلال سنتين”. 

وقد جاء هذا الخطاب بعد رفض رئيس الحكومة في مدريد “بيدرو سانشيز” طلب مقابلة “تورا” لبحث تطورات الموقف الراهن في الإقليم، مُشترطًا أن يُدين “تورا” اعمال العنف أولًا لبدء أي حوار بين الطرفين، كما رفض الملك “فيليب” مقابلته أيضًا وإحالة الطلب إلى رئاسة الحكومة. 

إجمالًا تواجه الحركة الانفصالية في برشلونة عدد من التحديات التي ستساهم في إعاقة مسيراتها بداية من موقف الحكومة الرافض للانفصال والاعتراف به، مرورًا بالقوى السياسية في البرلمان الكتالوني وعدم توافقهم مع “تورا” الراغب في إعادة الاستفتاء مرة ثانية حول تقرير المصير. علاوة على تنامي الأصوات الداعمة لإقالة رئيس الحكومة في برشلونة ووزير الداخلية لعدم تمكنهم من السيطرة على الإقليم وإدارة الأزمة بكفاءة وفعالية. 

وعليه من المتوقع أن تستمر حالة الانقسام الداخلية مع احتمالية قيام حكومة “مدريد” بوضع شرطة “برشلونة” تحت رقابتها، وقيامها بتولي مسئولية الأمن داخل الإقليم لحين عودة الاستقرار، خاصة مع احتمالية خروج بعض المظاهرات المناهضة للانفصال نتيجة مآلاته السلبية التي انعكست على المكونات الاجتماعية في إسبانيا بشكل عام. وهنا تتجلى جدلية العلاقة بين الدولة والمجتمع وحق الكتالونيين في تقرير مصيرهم، الأمر الذي يمثل انتهاكًا للدستور الإسباني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى