أفريقيا

قناة جونجلي بين الواقع والمأمول !

تتعالي الأصوات حول تأثير سد النهضة الإثيوبي على حصة مصر من مياه النيل، وتناست تلك الأصوات الخطر الحقيقي الذي ينذر بندرة المياه العذبة في العالم ككل والمتمثلة في التغيرات المناخية وزيادة معدلات النمو السكاني.. وأدي ذلك إلي ظهور الحاجة إلى البحث عن موارد مياه جديدة والعمل علي حسن استغلال الموارد الحالية لتحقيق الأمن المائي والغذائي للشعوب. 

عكفت الحكومات المصرية المتعاقبة علي البحث عن مشروعات لتحقيق الأمن المائي لمصر، وكان من بين تلك المشروعات “نهر الكونغو” والذي حالت الطبيعة البيئية ومجرى النهر دون تنفيذ الفكرة. وأتت فكرة تنفيذ مشروع “قناة جونجلي” في جنوب السودان للاستفادة من فواقد الأمطار ومستنقعات منطقة السدود والتي بدأ العمل بها في سبعينيات القرن الماضي ولكن توقف العمل في القناة مع نشوب الحرب الأهلية في جنوب السودان.

 ومع تطور الأوضاع المائية الحالية، فقد حان الوقت لإعادة إحياء الحديث حول قناة جونجلي من خلال تسليط الضوء على الفرص والتحديات لاستكمال هذا المشروع..

قناة جونجلي وبدايات التفكير في المشروع

فتح الحديث عن مفاوضات سد النهضة الإشارة إلى المشروع الذي وصفته الصحف بالضخم في جنوب السودان في العام الماضي، ورأت أن المشروع سيوفر 30 مليار متر مكعب من المياه سنوياً عن طريق استغلال فواقد مياه نهر النيل بناء علي دراسات الهيئة الفنية الدائمة لمياه نهر النيل والتي أوضحت أن متوسط الإيراد السنوي لبحر الجبل عند بلدة منجلا حوالي 30 مليار متر مُكعب/ عام بينما لا يصل من هذا الإيراد إلي النيل الأبيض عند ملكال عن طريق بحري الجبل والزراف إلا نحو 15 مليار متر مُكعب أو أقل.

وتبين أن مصر بدأت فعلياً العمل في مشروع “قناة جونجلي” في سبعينيات القرن الماضي حيث تم حفر ٢٥٠ كيلومترًا ومتبقي ١١٠ كم لاستكمال المشروع، لكن توقف عند قرية الكونقر نتيجة نشوب الحرب الأهلية عام ١٩٨٣ بين الحركة الشعبية بقيادة قرنق والحكومة المركزية في السودان آنذاك.  

JPEG - 24.4 كيلوبايت

آلة حفر عملاقة ما زالت قابعة في موقع قناة جونقلي

وتوجد وثيقة نشرتها صحيفة الأهرام من  “بوتشر” مدير عام النيل الجنوبي في عام 1931 إلى وكيل وزارة الأشغال العمومية في مصر، تتحدث عن أهمية مشروع قناة “جونجلي”.

مراحل المشروع الثلاثة

تم تقسيم المشروع إلى ثلاث مراحل، ومن المقرر أن تزيد المرحلة الأولى وحدها من إيرادات مصر من المياه بـ2 مليار متر مكعب في 11 سنة بتكلفة تقدر بنحو 4 ملايين جنيه، ومن المخطط أن تقوم المرحلة الأولى على امتصاص 4 مليار متر مكعب، أما المرحلة الثانية تمتص 10 مليار متر مكعب، أما المرحلة الثالثة،فهي تغذية القناة من مياه المستنقعات في دولتي أوغندا وتنزانيا.

جغرافيا المكان التي توضح ماهية القناة

يقع المشروع في منطقة “السد” بين خطي العرض 6.5 و 9.5  شمالاً وخطي الطول 30.167 و 31.75 شرقًا، وهي منطقة الأراضي المنخفضة في وسط جنوب السودان ، بطول 400 كم وعرض 320 كم، ويفيض نهر الجبل في سهل الطين الصخري المسطّح في منطقة “سد” ليشكل عددًا لا يحصى من المستنقعات والقنوات الجانبية والعديد من البحيرات على طول مجرى النهر. ويفقد نهر الجبل أكثر من نصف مياهه في منطقة السد بسبب التبخر، كما تمثل حاجزاً لا يمكن اختراقه للتنقل عبر النهر، وتعيش فيه القبائل الدينكا والشيلوك والنوير علي الرعي.

معوقات وانتقادات وجهت للمشروع

من الناحية البيئية والاجتماعية:

حذر علماء البيئة من العواقب البيئية السلبية المحتملة للقناة، كانخفاض معدل التبخر الناتج من وجود المستنقعات؛ مما سيؤثر على النظام الهيدرولوجي والتقليل من هطول الأمطار في غرب إفريقيا، كما سيؤثر على التنوع البيئي للطيور المستقرة والمهاجرة هناك في منطقة السد بالإضافة إلي تغيير في شكل المصايد والأراضي العشبية قد يترتب عليه بعض نزاعات حول هذه الأراضي. وتم إطلاق شائعات سلبية حول نقل الفلاحين المصريين لزراعة المنطق من قبل سياسين لاعاقة البدء في المشروع، وهو ما زال راسخاً في عقول البعض، مما يتطلب تحسين تلك الصورة وتوضيحها في أذهان المجتمع السوداني.

من الناحية السياسية: 

يحتاج استكمال المشروع توقيع اتفاق جديد بين الدولة المصرية وحكومة جنوب السودان حيث يري البعض أن السبب الأساسي في توقف أعمال الحفر هي المواجهات التي لازالت دائرة بين الحكومة المركزية والمتمردين في جنوب السودان، وأدي عدم الاستقرار إلي التخوف من عدم الحصول علي المياه وأراضي الرعي من اشعال مزيد من التوترات، مما قد يؤثر على طول فترة الإنشاء، وتنامي دور المخابرات الإسرائيلية في المنطقة من خلال التواصل مع بعض قبائل المنطقة لتأجيج الصراعات الدامية فيما بينهم والذي حال دون تنفيذ المشروع، إضافة إلي مشكلة التمويل نتيجة المماطلات الأوروبية التي قد سبق ووافقت على التمويل. 

سبل الاستفادة من حفر “قناة جونجلي”

من الناحية الاجتماعية والبيئية:

طبقاً لوثيقة بوتشر المتعلقة بحفر القناة، أوصي الخبراء بالشروع في حفر القناة نظراً لأهميتها للبلدين، حيث تهدف لاستقطاب جزء من مياه المستنقعات والحد من خسائر التبخر. وتعمل القناة أيضاً علي توفير أراضي الرعي مما يسهل الربط بين الدول الثلاث وزيادة التبادل التجاري وتوفير فرص عمل للسكان المحليين. كما تساهم القناة في الحد من انتشار ناقلات الأمراض وتكاثر الحشرات الناتجة من المستنقعات.

وبالفعل تم الاستفادة من تنفيذ ثلثي المشروع في 6 سنوات على الرغم من الاضطرابات السياسية، مما يساعد علي تقليل المدة المتبقية لإنهاء ما تبقى من المشروع. وتقوم مصر بالعمل على تنفيذ مشروع الربط الملاحي بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط، كأحد مشروعات البنية التحتية المدرجة ضمن أولويات تجمع “الكوميسا”، بما يحققه من مصالح اقتصادية وتجارية متعددة فيما يتعلق بربط الدول الواقعة على هذا المجرى الملاحي، وبالتالي سيؤثر ذلك على اتمام مشروع قناة جونجلي. 

من الناحية الاقتصادية:  

تمثل القناة رابطاً مهماً يساهم في تقليل مسافة الانتقال بين الخرطوم وجوبا، كما سيساهم المشروع في تعزيز حياة السكان المحليين في منطقة المشروع اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا من خلال تعزيز التنمية وزيادة الرقعة الزراعية وفتح منطقة “سد” بأكملها للزراعة الآلية وتربية الماشية والتوسع الصناعي بالإضافة إلي توفير وظائف محلية في “بناء القناة وتشغيلها”، وتحسين فرص الحياة للمجتمع المحلي من خلال تطوير البنية التحتية مما يساعد في إزالة هذه التوترات. وأوضحت الدراسات أن قناة جونجلي ضرورية لتعويض البلدان الواقعة في أسفل النهر عن نقص المياه جيث من المنتظر أن تستفاد مصر بما يقرب من 14 مليار متر مكعب سنويا من المياه. إضافة إلي أن القناة.

من الناحية السياسية: 

تقوم مصر بالوساطة للعمل على تنفيذ اتفاقية السلام في جنوب السودان بين سيلفا كير وريك مشار، وهو الأمر الذي سيعزز من تحقيق الاستقرار في المنطقة. إضافة إلي استطاعة مصر بتقديم الدعم لجنوب السودان في مسعاه نحو السلام، وذلك من خلال مساعدة قوات الأمن الموحدة من خلال وحدة الأشغال العسكرية بالقوات المسلحة طبقاً لوكالة شينخوا الصينية. وأخيراً ما يمكن انجازه في ظل رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي هو ضمان الحقوق التقليدية ومعالجة جذور ديناميكيات الصراع فيما بين الرعاة، من ناحية، وبين الدول من ناحية أخرى وذلك طبقاً لمعايير الاتحاد الأفريقي.

كيف تقوم مصر بتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية في الدول الشقيقة

بناءً علي الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل بين مصر والسودان المنبثقة من اتفاقية 1959 الخاصة بمياه النيل والتي هدفها دراسة وتنفيذ الخزانات السودانية التى تساعد السودان فى الحصول على حصتها من مياه النيل مثل “عطبرة وستيت ومروى”.

وضمت مصر مشروع قناة جونجلي ضمن سياستها نحو دول القارة من خلال تحقيق التكامل والاندماج القاري القائم على مبدأ المصالح المشتركة.

وتقوم مصر بتنفيذ حزمة من مشروعات التنمية في القارة الأفريقية لتنمية مواردها المائية مثل:

(إنشاء سد «واو» المتعدد الأغراض لتوفير 2 مليار م3 ولتوليد 10،4 ميجا وات، وتوفير مياه الشرب لحوالى 500 الف نسمة، مشروع حفر وتجهيز 30 بئرًا جوفيًا لتأمين مياه الشرب النقية لأبناء الجنوب، انشاء معمل مركزي لتحليل نوعية المياه للرصد البيئي، وشراء معدات وأجهزة مساحية لتوفير البيانات اللازمة وأعمال الرفع المساحي، تأهيل عدد من محطات قياس المناسيب والتصرفات لتوفير البيانات الهيدرولوجية لإعداد الدراسات والمشروعات التنموية بجنوب السودان، إضافة إلي دراسة إنشاء سد نهر “السيوي” بولاية غرب بحر الغزال بتكلفة 2,1 مليار دولار، لتخزين نحو 2 مليار متر مكعب من المياه وتوفير طاقة كهرومائية تقدر بـ 10,4 ميجاواط سنوياً).

وبالتساؤل حول أهمية المشروع بالنسبة لمواجهة أزمة سد النهضة، فمن الناحية الفعلية كما ذكرنا سابقاً بأن القناة لن تكون بديلاً عن حصة مصر في مياه النيل ولكنها أحد موارد المياه لزيادة منسوب مصر المائي نظراً لأنه سيوفر قرابة 4 مليار متر مكعب من المياه في المرحلة الأولى فقط، كما سيتم تعظيم الاستفادة منه في الاستزراع وزيادة الموارد الزراعية وتعزيز أطر التعاون المصري السوداني باعتباره منفعة للشعبين. 

كما يمكن أن يكون للنفوذ المصري المتزايد تأثير مستقر على العلاقات بين السودان وجمهورية جنوب السودان الجديدة.

وبالتالي فإن الفرصة الحقيقية لاستكمال أعمال بناء السد تتوافر نتيجة تغير النظام الحاكم في السودان، والذي يعمل على فكرة التوسع في الأراضي الزراعية السودانية، ولكن هذا السيناريو يعتريه خطورة التعاون مع تركيا في هذا الملف، وعليه يجب استغلال مبدأ المصالح المشتركة التي تقوم به مصر لاستكمال المشروع.

 وفي السيناريو الخاص بجنوب السودان والصراعات القبلية في المنطقة فإن الوساطة المصرية في تنفيذ اتفاقية السلام قد تعمل على التخفيف من وطأة هذا الأمر. فالتنمية هي هدف مشترك للبلدين وعليه فإن استكمال أعمال القناة والاستفادة من فواقد النيل ستأتي من أجل تعزيز استغلال الفاقد المائي عن طريق تعزيز الوساطة لضمان الاستقرار في منطقة المشروع. كما تقوم مصر بالعمل على مشروع ربط مع بحيرة فيكتوريا مما سيسهم في تحقيق اتفاقيات مع الدول المتأثرة بالأمطار الناتجة من المستنقعات مثل أوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي، من خلال توفير بدائل لهم. وعليه فإن فرصة حفر القناة قائمة في ظل تحقيق التفاهمات السابقة والتي ستعمل على حل الأزمة ومعوقات المشروع، ولكن تبقى أزمة التمويل هي العائق ولكن من الممكن أن يتم ذلك من خلال التمويل الشعبي كما حدث في قناة السويس أو عن طريق المنح الخارجية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى