الصحافة الدولية

تأثير السياسة الخارجية لـ”أردوغان” على سعر صرف “الليرة”

فقدت الليرة التُركية 35% من قيمتها أمام الدولار خلال الفترة من بداية يناير 2018 وحتى التاسع من أكتوبر 2019، وذلك في الجانب الأكبر منه بفعل ما يُعانيه الاقتصاد التُركي من مشاكل هيكلية، تتمثل أساسًا في ارتفاع الدين الخارجي التُركي للقطاع الخاص في ظل انخفاض الاحتياطي النقدي ليبلغ هذا الأخير 74.3 مليار دولار في اغسطس 2019، ويتزامن مع ذلك حلول أجل سداد ما إجماليه 80 مليار دولار من الديون منها 11 مليار قصيرة الأجل و69 مليار طويلة الأجل. لكن جزء مُعتبرًا من ذلك الانخفاض يرجع إلى القرارات السياسية وعلى الأخص الخارجية منها. حيث سببت تلك القرارات اضطرابات في علاقاتها مع حُلفائها الأساسيين، وضربت في الصميم البنية التاريخية للتحالفات الاستراتيجية للبلاد، وهو ما حول تُركيا من دولة داعمة ومُشاركة في استقرار الإقليم، إلى أحد أهم مُسببات زعزعة استقراره السياسي والاقتصادي، فعزلت نفسها وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع مُعظم جوارها الإقليمي. ويستعرض هذا المقال تأثير بعض من القرارات السياسية التُركية على سعر صرف الليرة خلال الفترة الماضية.

أولًا – احتجاز القس الأمريكي أندرو برونسون

C:\Users\DELL\Desktop\_103856214_hi049945501.jpg

كان القس “برونسون” قد خدم في تُركيا لأكثر من 23 عامًا كقس في كنيسة القيامة بأزمير عندما ألقي القبض عليه في السابع من أكتوبر عام 2016، -ضمن حملة الإجراءات المُضادة التي تلت مُحاولة الانقلاب الفاشلة في ذات العام- وذلك بتهم مُتعددة منها أنه كان عضوًا في حركة “فتح الله جولن”، وأنه يتعاون مع حزب العُمال الكُردستاني المحظور تُركيًا، بالإضافة لتورطه في عمليات تجسُس لصالح الولايات المُتحدة الأمريكية، وأخيرًا لمُساعدته في التخطيط لمحاولة الانقلاب، وهي تهم نفاه “برونسون” جُملة وتفصيلًا. وردًا على ذلك وفي خضم مجموعة من التفاعلات القانونية والسياسية طلب وصف الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” احتجاز “برونسون” بأنه “عار” على الحكومة التُركية، وأنه “مُحتجز كرهينة” لمقايضته بـ”جولن” أو مواطن تُركي أخر مُحتجز من قبل إسرائيل. تلي ذلك في 26 يوليو 2018، دعوة نائب الرئيس الأمريكي “بنس” الرئيس التركي “رجب طيب أردوجان” إلى إطلاق سراح “برونسون” أو مواجهة عقوبات كبيرة. وفي اليوم نفسه، كتب “ترامب” تغريدة مفادها إن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات على تركيا بسبب احتجاز برونسون.

أصرت تركيا على عدم الإفراج عنه غم هذه المُطالبات، وفي مُقابل هذا الرفض فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات اقتصادية في الأول من أغسطس 2018، على وزيري العدل والداخلية التُركيين بموجب “قانون ماجنتيسكي” الذي يفرض عقوبات اقتصادية على الحكومات التي تنتهك حقوق الإنسان، تلي ذلك رفع الرئيس “ترامب” التعريفات جُمركية على الواردات التُركية من الحديد بنسبة 50% والألمونيوم بنسبة 20%. على إثر هذين القرارين اتخذ سعر صرف الدولار أمام الليرة مُنحى صعودي حاد يوضحه الشكل التالي:

  يوضح الشكل ارتفاع سعر صرف الدولار من 4.91 ليرة في الأول من أغسطس ليبلغ 5.29 ليرة في التاسع من ذات الشهر وذلك بنسبة 7% على إثر قرار العقوبات على الوزيرين، ثم جاء قرار رفع التعريفات ليعطي مزيدًا من الزخم لهذه الموجة الصعودية فيرتفع سعر الدولار من 5.41 ليرة في العاشر من أغسطس إلى 6.89 في الرابع عشر من ذات الشهر بنسبة 27% على إثر القرار الأخير مُنفردًا، وبنسبة 40% خلال الموجة كاملةً، والتي استمرت أقل من 15 يومًا. جدير بالذكر أن تُركيا أطلقت سراح “برونسون” في 12 أكتوبر 2018 دون أن تفرج إسرائيل عن المواطن التُركي المُحتجز لديها أو أن تقوم الولايات المُتحدة بتسليم “جولن”.

ثانيًا – صفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية S400

أعلن الرئيس “أردوغان” في 25 يونية 2017 عن أن تُركيا أحرزت تقدمًا في المفاوضات مع روسيا حول صفقة شراء منظومة S400 للدفاع الجوي، وفي 29 ديسمبر من ذات العام وقعت الدولتان عقد التوريد والبيع بقيمة 2.5 مليار دولار ممولة جزئيًا من جانب روسيا، وردًا على ذلك أقرت لجنة تابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي في 19 يونية 2018، مشروع قانون للإنفاق يتضمن بندًا يمنع شراء تركيا لطائرات لوكهيد مارتن إف 35 المقاتلة (Lockheed Martin F-35)، ما لم تتخلى عن خطة شراء المنظومة الروسية. تبع ذلك تقديم أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي في 28 مارس 2019 مشروع قانون من الحزبين يحظر نقل طائرات F35 إلى تركيا حتى تصدق الحكومة الأمريكية على أن أنقرة لن تتسلم صواريخ S-400، الأمر الذي شكل خطورة على الاقتصاد التُركي حيث ستفقد الشركات التُركية الثمانية العاملة في مشروع تصنيع الطائرة -الذي يُعد مشروعًا دوليًا- مكانها في سلاسل التوريد، وبالتالي تفقد أرباحها من بيع قطع الغيار والتي تبلغ 12 مليار دولار طوال فترة البرنامج، بالإضافة لفقدانها عوائد الصيانة والتدريب، حيث كان قد جرى الاتفاق على تعيين بعض الشركات التُركية كمندوب تدريب إقليمي على الطائرة. وعلى إثر هذا القانون تعرض سعر صرف الليرة التُركية لهزة أخرى يوضحها الشكل التالي:

يُظهر الشكل أن يوم 28 مارس كان قد شهد بداية موجة ارتفاع الليرة مُقابل الدولار إذ ارتفعت الليرة خلاله إلى مُعدلات 5.34 ليرة من مستويات 5.66 ليرة للدولار الواحد في 26 مارس، لكن القانون الأمريكي عجل بإنهاء هذه الموجة وعكس اتجاهها لتشهد أسعار صرف الليرة تدهورًا سريعًا فتصل في يوم 29 مارس إلى 5.55 ليرة للدولار الواحد، وتستمر في موجة صعود بلغت أقصاها في يوم 22 ابريل عند مستوى 5.82 ليرة للدولار الواحد وذلك بانخفاض بلغت نسبته 8% خلال هذه الموجة من الانخفاض.

ثالثًا – العملية العسكرية التُركية ضد أكراد سوريا

أعلن الرئيس “أردوغان” في 5 من أكتوبر 2019 عن عملية عسكرية وشيكة ضد قوات حماية الشعب الكردية المدعومة من الدول الغربية وتعتبرها انقرة إرهابية، حيث تُسيطر هذه القوات على الشمال السوري ضمن ما أسماه حملة “لمكافحة الإرهاب” وأطلق عليها اسم “نبع السلام”، وردًا على ذلك هدد الرئيس “ترامب” في 07 أكتوبر على تويتر بأنه سوف “يدمر ويمحو” الاقتصاد التركي تمامًا إذا اتخذ “أردوغان” إجراءً في سوريا يعتبره “ترامب” “خارج الحدود”، حيث كتب “ترامب” نصًا ما يلي: “كما ذكرت بقوة من قبل، أكرر فقط للتذكير، إذا فعلت تركيا أي شيء اعتبرته، بحكمتي العظيمة التي لا مثيل لها، خارج الحدود، فسوف أقوم بتدمير اقتصاد تركيا بالكامل وطمسه (لقد فعلت من قبل!)”، قاصدًا بذلك ما اتخذه من إجراءات عقب احتجاز القس “برونسون”. وبمجرد نشر “ترامب” تهديده شهد سعر صرف الليرة التُركية انزلاقًا في مُقابل الدولار يوضحه الشكل التالي:

ويُبين الشكل ارتفاع سعر صرف الليرة مُقابل الدولار الواحد من مُعدلات 5.7 ليرة إلى 5.84 ليرة وبنسبة 2% بُمجرد كتابة التغريدة وفي خلال ثلاثة أيام فقط، وهو ما يُظهر بجلاء حقيقتين: أولًا مدى هشاشة الاقتصاد التُركي في وضعه الحالي ومقدار ما يواجهه من صعوبات في ظل ارتفاع دينه الخاص الخارجي وانخفاض احتياطياته النقدية، واعتماده بشكل أساسي على إضافة القيمة على واردات خام وإعادة تصديرها في شكل مُصنع. وثانيًا: أن السياسة الخارجية التُركية تعمل في عكس اتجاه الاقتصاد فبدلًا من خلق أسواق جديدة لتصريف المُنتجات الصناعية التُركية، تضغط هذه السياسة على الأسواق الموجودة فعلًا عن طريق توتير العلاقات مع الجيران والحُلفاء الاستراتيجيين. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى