سوريا

“نبع السلام”.. مرحلة جديدة من تعقيد الأزمة السورية وتغيير موازين القوى

أثار البيان الصادر من البيت الأبيض الذي صدر أمس الأحد على موافقة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على قيام تركيا بشن عملية عسكرية بالقرب من الحدود السورية على المناطق المتمركز فيها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من قبل الولايات المتحدة حالة من الجدل، لا نه يمثل تطورا سلبيا لما حققته القوات الأمريكية من مكافحة الإرهاب ضد “داعش”، فضلاً عن كونه سيساهم في زعزعة الاستقرار في المنطقة.

وفي المقابل لن تتدخل واشنطن في العملية، ولن تكون متواجدة داخل المنطقة الآمنة، كما أكد “أردوغان” لـ “ترامب” أن تركيا ستتولى احتجاز مقاتلي “داعش” الذين ستأسرهم قوات الدفاع الذاتي في ساحة المعركة. بجانب اتفاق “أردوغان” ونظيره الأمريكي على عقد اجتماع ثنائي الشهر المقبل لمناقشة القرار، وذلك بعد عدم تمكنهم من عقد اجتماع على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفقًا لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية انتهج “أردوغان” سياسة الضغط على الولايات المتحدة لإقامة منطقة آمنة بعمق عمق 20 ميلاً و300 ميل على طول الحدود التركية السورية شرق الفرات، مخصصة لعودة مليون لاجئ سوري على الأقل داخل تركيا. كما هدد بإرسال موجة من المهاجرين السوريين إلى أوروبا. وبالفعل فقد استطاع الحصول على موافقة من البيت الأبيض على شن عملية عسكرية جديدة سيطلق عليها “نبع السلام”، تمهيدًا لإقامتها.

ووفقًا للصحيفة يتعارض القرار الأمريكي مع توصيات كبار المسؤولين في البنتاجون ووزارة الخارجية الذين سعوا للحفاظ على وجود عدد صغير من القوات الأمريكية في شمال شرق سوريا لمواصلة العمليات ضد تنظيم “داعش”، أو القيام بدور حاسم موازي للتواجد الإيراني والروسي. وأشار المسؤولون إلى أن ما بين 100 إلى 150 من الأفراد العسكريين الأمريكيين المنتشرين في تلك المنطقة سيتم سحبهم قبل أي عملية تركية لكنهم لن يتم سحبهم بالكامل من سوريا.

كما انتقد العديد من الخبراء السوريين قرار “البيت الأبيض” وحذروا من أن التخلي الأمريكي عن حلفائهم الأكراد يمكن أن يوسع الصراع السوري المستمر منذ ثماني سنوات، ويدفعهم إلى التحالف مع الحكومة السورية.

انقسامات داخل الإدارة الأمريكية بشأن سوريا

استكملت الصحيفة في تقريرها أن الإدارة الأميركية في الآونة الأخيرة شهدت عدد من التوترات بشأن التعامل مع الأوضاع في سوريا، ففي أواخر ديسمبر 2018، استقال وزير الدفاع “جيم ماتيس” بسبب القرار الأميركي المفاجئ بشأن الانسحاب الكامل للقوات من سوريا التي يبلغ عددها 2000 جندي أمريكي. بعد يومين، استقال “بريت ماكجورك” المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف لهزيمة “داعش”. في الأشهر التالية، عمل المسؤولون الأميركيون بهدوء وراء الكواليس لضمان بقاء مستوى معين من القوات في شمال شرق سوريا.

في الأسبوع الأخير من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي انعقدت في أواخر سبتمبر، كان كبار المسؤولين الأميركيين يقولون إن هناك إجماعًا في جميع أنحاء حكومة الولايات المتحدة، بما في ذلك “ترامب” على ضمان رفاهية القوات الكردية وتجنب رغبة تركيا المستمرة في مهاجمة تلك القوات.

وكشفت الصحيفة تعقيب “ماكجورك” بعد سماع قرار “ترامب” قائلًا: “يبدو أن هذا القرار طائشًا تم اتخاذه دون التداول أو التشاور عقب مكالمة مع الرئيس التركي”. وأن “بيان البيت الأبيض لا علاقة له بالحقائق على الأرض. إذا تم تنفيذه، فسيؤدي إلى زيادة المخاطر التي يتعرض لها موظفونا بشكل كبير، فضلاً عن تسريع ظهور “داعش”.

المنطقة ستتحول إلى ساحة للحرب

وفقًا لصحيفة “الجارديان” البريطانية يمثل القرار الأخير جزءًا من سلسلة التحركات الخاطئة التي قام بها “ترامب”، لمواجهة التحركات الخاصة بعزله في الداخل، ويبدو أنه تم اتخاذه دون التشاور مع أو معرفة الدبلوماسيين الأمريكيين الذين يتعاملون مع سوريا.

وفقًا “للجارديان” أوضحت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد إن شركائهم الأمريكيين قد بدأوا بالفعل في سحب القوات من مناطق على طول الحدود التركية. يُزعم أن لقطات بثتها وكالة الأنباء الكردية “حوار”، أظهرت مزاعم أن مركبات مدرعة أميركية تغادر مواقعها بالقرب من بلدتي “رأس العين “و”تل أبيض” في المنطقة الحدودية. كما اتهم “مصطفى بالي” المتحدث باسم “قوات سوريا الديمقراطية” الولايات المتحدة بمغادرة المنطقة “لتتحول إلى منطقة حرب”، مضيفًا أن قوات الدفاع الذاتي سوف “تدافع عن شمال شرق سوريا بأي ثمن”.

التحذير من المواجهة العسكرية

أعرب الاتحاد الأوروبي في بيان صحفي عن تحذيره من أي عملية عسكرية تقودها تركيا ضد قوات سوريا الديمقراطية المتواجدة في الشمال السوري، بعد القرار الأميركي المفاجئ بسحب قواته من المنطقة، علاوة على تأكيده الاعتراف بمخاوف أنقرة المشروعة، إلا إنه يرفض الحل العسكري لضمان وضع مستدام في سوريا، وذلك وفقًا لـ “رويترز”.

وفي هذا السياق، لفتت “رويترز” إلى موقف الكرملين على لسان “ديمتري بيسكوف” الذي أوضح موقف بلاده قائلًا “نأمل أن يلتزم الأتراك بضمان وحدة الأراضي السورية في جميع الظروف”، كما كرر “ضرورة رحيل جميع القوات العسكرية الأجنبية المتمركزة في سوريا بشكل “غير قانوني”.

ختامًا، من المتوقع أن تساهم العملية العسكرية “نبع السلام” في تتريك الحدود السورية بشكل كبير، خاصة في سياق استراتيجية تركيا للقضاء على القوات الكردية المتمركزة على حدودها من خلال الدعم الأميركي مقابل الضغط بورقة اللاجئين، واحتجاز مقاتلي التنظيمات الإرهابية. الأمر الذي سيؤدي إلى تعقيد الأزمة السورية وسيُغير من موازين القوى الداخلية لصالح أطراف أخرى ستعمل على استمرار حالة عدم الاستقرار داخل الأراضي السورية، وذلك على غرار عملية “غضن الزيتون”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى